لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 23 Oct 2016 09:42 AM

حجم الخط

- Aa +

كيف يمكن للإمارات رسم خريطة طريق فعّالة للاستفادة من الظروف الاقتصادية الحالية؟

تواجه البنوك الإماراتية مجموعة من التحديات الناجمة عن اعتماد نموذج اقتصادي جديد متّصف بأسعار النفط المنخفضة، وتراجع الإنفاق الحكومي، ومستويات السيولة الأكثر تدنيا. ومن المتوقّع أن يبقى الوضع على حاله على المدى القريب. وقد تسبّب تقيّد السيولة برفع نسبة المنافسة، ودفع البنوك للبدء بتعديل استراتيجياتها ونماذج التشغيل التي تعتمدها.

كيف يمكن للإمارات رسم خريطة طريق فعّالة للاستفادة من الظروف الاقتصادية الحالية؟
بقلم: شارل حبق، مدير مشاريع الخدمات المالية لدى بوز ألن هاملتون.

تواجه البنوك الإماراتية مجموعة من التحديات الناجمة عن اعتماد نموذج اقتصادي جديد متّصف بأسعار النفط المنخفضة، وتراجع الإنفاق الحكومي، ومستويات السيولة الأكثر تدنيا. ومن المتوقّع أن يبقى الوضع على حاله على المدى القريب. وقد تسبّب تقيّد السيولة برفع نسبة المنافسة، ودفع البنوك للبدء بتعديل استراتيجياتها ونماذج التشغيل التي تعتمدها.

 

على الرغم من ذلك، يوفر النموذج الجديد العديد من الفرص للبنوك المهيأة لعرض خدمات ومنتجات مختلفة ومتميزة، وذلك عبر تبنّي فرص أكثر مرونة واستخدام أسواق المال بفعالية. وعلى تلك البنوك أيضا توفير خدمات مصرفية رقمية، والاستفادة من الشركات الصغيرة والمتوسطة غير المستغلة بعد، كما الاستفادة من عمليات الاندماج.
من الواضح أن البنوك القادرة على التكيّف بسرعة مع النموذج الجديد والتأقلم مع تعقيداته المختلفة، ستكون مؤهلة للاستفادة من هذه الفرص. وهنا، نوصي بالمحاور الرئيسية التي يجب على البنوك التركيز عليها بهدف التكيّف بفعالية لتنمو بالتالي وتزدهر.

التركيز على التميز
توجّهت البنوك في بلدان الخليج العربي بشكل تدريجي نحو الخدمات غير المتباينة وقد دفعتها الى ذلك تشريعات أكثر صرامة وتطلّعات نحو تأسيس خدمات شاملة. في النموذج الاقتصادي الجديد، ستحتاج البنوك في الإمارات العربية المتحدة وعبر منطقة الخليج العربي بالفعل الى التميز بقوة بخدماتها الموجّهة للأفراد والمؤسسات. سوف تركز البنوك الناجحة على تأسيس خدمات تنافسية واضحة في قطاعي خدمات الأفراد والشركات. وسيكون التركيز إذا على النمو الانتقائي أكثر من النمو المطلق.
فالبنوك التي تقدّم خدمات للأفراد تستطيع مثلا أن تسعى لتأسيس موقع تنافسي وبناء سمعة في السوق حول فئة مختارة، والتي يمكن أن تكون فئة البطاقات والدفع، وحسابات الادخار المبتكرة كالودائع المهيكلة، والفعالية المحسّنة في المنتجات والمعاملات البسيطة، والمنصّات الرقمية السهلة الاستخدام، وخدمة عملاء معززة ومميزة. كما على البنوك المتعاملة مع الشركات أن تسعى لبناء خبرة وتقدير وسمعة أقوى في منتجات محددة كإطلاق أدوات التمويل المهيكل، وتمويل سلسلة التزويد، وإدارة النقد الرقمي والخدمات التجارية، والحسابات المشتركة لربط حسابات الشركة والحسابات الشخصية للأفراد الميسورين وأصحاب الثروات.

تبنّي نماذج تشغيل أكثر مرونة وفعالية
إن سنوات النمو العشري التي حصلت بفضل سياسة الاقتصاد التوسّعية والظروف المؤاتية للاقتصاد الكلي، قد ساعدت البنوك الإماراتية على تحقيق نمو سريع، لكن النموذج الاقتصادي الجديد يتطلّب من البنوك إدخال فعاليات جديدة وتبني نماذج أكثر مرونة.
ستحوّل البنوك الناجحة الهيكليات وتقوّي العمليات، وتخفف الطبقات الادارية والبيروقراطية غير الضرورية، وتمكّن الفرق والأفراد الذين يظهرون أداء قويا وتمنحهم الصلاحيات. كما أن المعاملات الأكثر بساطة، والمنهجية الأكثر تنظيما في الاستثمار المرتكز على مبدأ العائد على الاستثمار والاستخدام الأذكى للرقمنة والاستعانة بالخبرات الخارجية ستكون هي أيضا من العوامل الأساسية.

الاستفادة من سوق الدين
بعد سنوات من النفاذ الى الودائع الحكومية المنخفضة التكلفة، تواجه بنوك بلدان الخليج العربي حاليا، انكماشا متناميا في السيولة بسبب انسحاب الحكومات من عمليات تغطية عجز الميزانيات، وبالتالي فعليها أن تناضل بتكاليف تمويل أعلى في المستقبل المنظور.
ولمواجهة هذا التوجّه، ينبغي على البنوك في الإمارات العربية المتحدة وفي غالبية بلدان الخليج العربي الاعتماد أكثر على أسواق الدين الاقليمية والعالمية لتحقيق النمو. وللاستفادة من أسواق المال بنجاح، ستحتاج البنوك أولا لدعم إمكانياتها المالية لتحقيق إدارة فعّالة للتعقيدات المرتبطة بإصدارات سندات الدين العادية. والأهم من ذلك، هو أنه على البنوك البدء بالتواصل مع المستثمرين الرئيسيين من المؤسسات قبل إطلاق جولات تعريفية لفهم متطلّباتها الأساسية وضمان تصميم إصدارات سندات دين بشكل مناسب لتوليد الطلب والاهتمام اللازمين. إضافة الى ذلك، سيكون أساسيا للبنوك أن تأخذ بعين الاعتبار توقيت إصدارات الدين السيادية من قبل حكومات الخليج العربي والمؤسسات الكبيرة لتخفيض المنافسة غير الضرورية وطلبات المستثمر المجزأة.

تعزيز الخدمات المصرفية الرقمية
في هذا النموذج الاقتصادي الجديد، تمثل الخدمات المصرفية الرقمية حقلا جديدا ولكن فعّالا حيث تنافس البنوك من خلاله على الودائع وتسعى لاحتواء تكاليفها. تشكّل الخدمات المصرفية الرقمية الجديدة فرصة تحوّل لدعم عملية الإبقاء على العلاقات مع الجيل الناشىء وذوي الدخل العالي والشركات وجذب الألفيين بفعالية (مثلا، 50 % من السكان هم من الشباب دون 25 سنة)، والمؤسسات الجديدة والشركات الصغيرة والمتوسطة.
لتفعيل الخدمات المصرفية الرقمية، يجب على البنوك أولا تحديد تقديماتها الرقمية الجديدة بعروض ذات قيمة مميزة وأسعار تنافسية، وإنجاز عملياتها بتكلفة أقل. وبالنسبة للبنوك الأكثر تطورا، تصبح البيانات الكبيرة والتحليلات المتقدّمة أساسية لابتكار مسيرة مصرفية وفق حاجة العملاء ولتطوير مستمرّ للتواصل معهم. ينبغي أن تحوّل البنوك معاملاتها الأساسية مع العملاء الى عملية آلية (كفتح الحسابات، والموافقة على الرهن العقاري والائتمان وغيرها) لتوفير تجربة مصرفية سهلة. أخيرا، ينبغي نقل العملاء القادمين من القنوات التقليدية الى الخدمات المصرفية الرقمية، حيث يجب تجنب الإبدال والمحافظة على الربحية.

الاستفادة من الفرص في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة
بدأت البنوك بتضييق إطار الإقراض/التسليف، وفي العديد من الحالات بدأت بإيقاف القروض لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، وذلك بسبب الخسارات الحاصلة في القروض المقدّمة لتلك الفئة من الشركات، حيث سجّلت البنوك الإماراتية قروضا متعثّرة بأكثر من 1.9 مليار دولار أميركي، أي المتخلفة عن التسديد، والتي تمثّل 10 % من دفعات القروض المستحقة في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة للعام 2015.

وما زالت هناك فرص أمام البنوك للتعامل مع الشركات الصغيرة والمتوسطة في حال طوّرت إجراءات متقدّمة في تقييم الطلبات والائتمانات والقدرات التحليلية بهدف تمويل شركات صغيرة ومتوسطة أكثر مرونة، مع تخفيض الخسارات المحتملة، خصوصا في القطاعات الاقل دورية.
البنوك الناجحة ستجد الفرص في النموذج الاقتصادي الجديد للعمل على الاستفادة من فئة الشركات الصغيرة والمتوسطة المحرومة، وتحقيق إنتاجية عالية من خلال التسهيلات الجديدة، وإعادة تمويل تلك القائمة كذلك. وستحتاج البنوك التي تسعى للاستفادة من قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة لتطوير قدراتها واحتواء تكاليفها في الوقت عينه. أخيرا، ينبغي أن تسعى البنوك للتعاون مع السلطات العامة التي تركّز على تنمية قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة وتمويلها لإيجاد ضمانات قروض وبرامج تمويل مصممة وفق الطلب.

تعزيز النجاح من خلال الاندماج
شهد القطاع المصرفي في الإمارات العربية المتحدة والمنطقة نجاحا بارزا على مدى العقود الأربعة الماضية. ويكمن أحد تأثيرات هذا النجاح في توقّع تسريع الاندماج في القطاع، خصوصا بين البنوك الاقليمية، بدعم من التناغم في الكلفة، عقلنة شبكة الفروع، والطموحات في التوسّع الجغرافي، وأبرز الأمثلة على ذلك هو الاندماج المعروض بين بنك الخليج الأول First Gulf Bank  وبنك أبوظبي الوطني National Bank of Abu Dhabi.

وينبغي على البنوك الأكبر حجما وذات الأصول الكبيرة الاستفادة من ظروف السوق واستغلال الفرصة للاستحواذ على البنوك الأصغر أو دمجها. وسيكون تخطّي الأعباء التنظيمية والتماشي مع التخمينات المناسبة أمرا أساسيا نظرا لعدم وجود عدد كبير من الصفقات السابقة.
في الختام، النموذج الاقتصادي الجديد يعني أنه على دولة الإمارات العربية المتحدة وبلدان الخليج العربي التحصّن والاستعداد لمرحلة مقبلة مليئة بالتحديات. على أية حال، إنها مرحلة تحمل فرصا جديدة للبنوك التي تتبنّى استراتيجيات أكثر تركيزا، تكون متينة التنظيم، تزداد انتاجية، تستفيد بفعالية من أسواق الدين، تعزز عروضها من الخدمات المصرفية الرقمية، وتستفيد من فرص الدمج والاستحواذ.
فوحدها البنوك المهيأة تماما لمواكبة نموذج الاقتصاد الجديد والتصرّف بسرعة لتحوّل نفسها ستبقى مرنة حيال ظروف السوق الصعبة وستكون مؤهلة للاستفادة من هذه الفرص الجديدة لتنمو بشكل أقوى.