لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 6 Nov 2016 07:53 AM

حجم الخط

- Aa +

سهيل المزروعي : الرؤية بعيدة المدى ضرورة يفرضها واقع صناعة الطاقة

يستضيف «معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول (أديبك)» هذا الأسبوع، بعض ألمع الأسماء وكبار خبراء النفط والغاز في العالم، حيث سيناقشون باستفاضة موضوعاً يهمنا أمره ويعنينا جميعاً، ألا وهو مستقبل الاستثمار في قطاع الطاقة.

سهيل المزروعي : الرؤية بعيدة المدى ضرورة يفرضها واقع صناعة الطاقة
بقلم: معالي سهيل محمد فرج المزروعي، وزير الطاقة، العضو المنتدب لشركة الاستثمارات البترولية الدولية (آيبيك).

يستضيف «معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول (أديبك)» هذا الأسبوع، بعض ألمع الأسماء وكبار خبراء النفط والغاز في العالم، حيث سيناقشون باستفاضة موضوعاً يهمنا أمره ويعنينا جميعاً، ألا وهو مستقبل الاستثمار في قطاع الطاقة.


يتسم هذا القطاع الحيوي بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لمنطقتنا، وتلعب الإمارات دوراً محورياً كمزود عالمي للنفط الذي يعد داعماً رئيسياً لمسيرة التنويع الاقتصادي في الدولة. فقد ساهمت إيرادات قطاع المواد الهيدروكربونية في تمويل المشاريع الكبرى التي عززت اقتصادات الدولة ورسخت دعائمها، ليس فقط في مجالات التكرير والتوزيع، مثل البتروكيماويات، بل أيضاً في قطاعات متنوعة تشمل التجارة والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية والبنية التحتية الاجتماعية.     
وبناء عليه، ليس غريباً أن يتولد إحساس بالقلق في مرحلة تشهد فيها أسعار النفط تراجعاً متواصلاً. ولهذا السبب، بحسب اعتقادي، علينا كقادة قطاع حيوي أن نتحلى دائما برؤية واسعة بعيدة المدى لتقدير الأحداث، وأن نحافظ على رباطة الجأش في سعينا وراء تحقيق أهداف استراتيجياتنا طويلة الأمد.
ومن الجدير أن أشير هنا، إلى أن شركة الاستثمارات البترولية الدولية (آيبيك) التي أتشرف بكوني العضو المنتدب للشركة، قد نجحت في دفع عجلة نمو قاعدة أصولها من 3.5 مليار دولار لتصبح الآن 58 مليار دولار في غضون ثلاثة عقود.  
حيث تلعب الخبرة وتوخي الحكمة في اتخاذ قرارات توظيف رأس المال عبر مختلف حالات وتقلبات السوق، دوراً أساسياً في مسيرة نجاح « آيبيك». كما أن اتباع استراتيجية واضحة لتنويع الأصول، قد ساهم في الحد من تباين الإيرادات، حيث استفادت الشركة من مزايا الاستثمار في مختلف مراحل سلسلة القيمة لقطاع البتروكيماويات، بدءاً من التنقيب والاستكشاف وليس انتهاءً بإنتاج البولي أوليفين.

وتعتبر مجموعة شركاتنا من أبرز الشركات الرائدة عالمياً في القطاع، لأن نظرتنا منذ البداية كانت ولا تزال بعيدة المدى. لقد استثمرنا بداية في عام 1988 في «سيبسا» وهي رابع أكبر مجموعة صناعية في أسبانيا من حيث حجم الأعمال التجارية. وبعد عقد من الزمن استحوذنا على حصة قدرها 64 % في شركة البتروكيماويات النمساوية، «بورياليس» التي تعتبر إحدى أكبر منتجي البولي أوليفين على مستوى العالم، واستقدمنا خبرات شركة بورياليس إلى أبوظبي حيث أطلقنا مشروعاً مشتركاً ناجحاً في قطاع البتروكيماويات تحت اسم «بروج».
وفي وقتٍ أصبحت فيه الأسواق العالمية قلقة مما يطلق عليه البعض «نهاية الدورة الكبرى للسلع».هنا يأتي دور الخبرة حيث أود أن ألفت الانتباه إلى ثلاث نقاط أساسية:
أولا، صناعة النفط ترتبط ارتباطاً وثيقاً في الأساس بظروف الدورات الاقتصادية، وهو أمر غالباً ما يغيب عن الأذهان في خضم التقلبات قصيرة الأمد التي تشهدها الأسواق حالياً.
وثانياً، شهد الطلب نمواً متواصلاً في عصر العولمة، وسيتجاوز العرض على المدى المتوسط والبعيد.

 

وأخيراً، أود أن أنصح الشركات التي تتمتع بميزانيات عمومية قوية، إن الوقت مناسب للاستثمار لا للانسحاب، إلى المبادرة لا للانكفاء.
ومنذ انطلاق عصر النفط الحديث مع حفر أول بئر بولاية بنسلفانيا الأمريكية في العام 1859، شهدت الأسعار ارتفاعاً بمقدار الضعف خلال فترة ثلاث سنوات في ست مراحل متباعدة على الأقل، كما أنها انخفضت إلى النصف خلال فترات قصيرة كهذه، خمس مرات على الأقل أيضا.
وتعود الطبيعة الدورية لصناعة النفط إلى وجود تباين زمني بين عوامل الطلب والعرض، مما يجعل تحقيق توازن طويل الأمد عملية شبه مستحيلة. فالإطار الزمني الاعتيادي المستغرق منذ اكتشاف المخزون حتى بدء أول عملية إنتاج، يترواح بين ست إلى تسع سنوات. وبالتالي، فإن ما يحدد الطلب هو دورات العمل التي على ما يبدو بدأت مدتها تتضاءل شيئاً فشيئاً في عالم الاقتصادات الضخمة.
بيد أن الطبيعة الدورية للأسعار وتقلباتها المفاجئة، لم تمنع المحللين من تقديم توقعاتهم وطرح وجهات نظرهم، ولكن المشكلة تكمن في أن معظمها مبنية إلى حد كبير على مقاييس قديمة قد لا تكون صالحة اليوم. فعندما تكون الأسعار مرتفعة وتمضي في منحى تصاعدي، نجد أن معظم التوقعات تشير إلى احتمال ارتفاعها أكثر مع تفاقم مشكلة شح الموارد. وعندما تكون الأسعار منخفضة، وتشهد انخفاضا متواصلا، تميل التوقعات إلى احتمال انخفاضها أكثر مع تزايد جحم المعروض.     

 

ونحن كقادة قطاع، من الأهمية بمكان بالنسبة لنا أن نتجنب مثل هذا الانقياد في التحليل، وأن نضع خططنا ليس بناء على التوجهات الحالية، بل وفق منظور بعيد المدى. وأنا على ثقة من أن الطلب على المدى الطويل لن يكون إلا في خانة النمو المتواصل.
ولا شك في أن مزيج الطاقة في العالم يشهد تغييرات متوالية، حيث تزداد فيه حصة المصادر المتجددة، حتى أن بعض الشركات تتوقع أن تتضاعف حصة الطاقة من المصادر المتجددة، خلال السنوات الخمس عشرة القادمة لتصل إلى 36 %.
وعلى كل حال، إن ظهور مصادر جديدة للطاقة لم يمنع زيادة الطلب على الموارد الهيدركربونية التي لا تزال تعتبر أكثر أشكال الطاقة كفاءة، وتمثل النواة الأساسية لمجموعة واسعة من المنتجات البتروكيماوية المستخدمة في الحياة اليومية، بدءاً من الدهانات مروراً بالألبسة وصولاً إلى المنتجات البلاستيكية.
وفي الوقت الذي واصلت فيه الأسواق الناشئة اندماجها وتكاملها في الاقتصاد العالمي، شهد إجمالي الطلب على النفط الخام نمواً بمقدار الثلث خلال السنوات الـ 25 الماضية. ومنذ عام 1984، لم يسجل الطلب انخفاضاً سوى في عامين اثنين وهما 2008-2009، أي خلال الأزمة المالية العالمية الأخيرة.
وبينما يواجه الاقتصاد العالمي تحديات عديدة على المدى القريب، ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الاتجاهات طويلة الأجل المتعلقة بنمو تعداد السكان ومستوى الدخل في الأسواق الناشئة، أوشكت على الانتهاء. فبعض الاقتصادات النامية الرئيسية تمر حالياً في مرحلة إعادة توازن تتسم بارتفاع الطلب المحلي نتيجة تزايد أنشطة التصدير على مستوى قطاع الصناعات التحويلية.

ويمكن أن يسهم الانخفاض الحالي في أسعار النفط في زيادة حجم الطلب المحلي بشكل كبير في الاقتصادات المستوردة للطاقة. ومن المتوقع أن تلجأ الشركات، في ظل الأسعار الحالية، إلى اتخاذ إجراءات لخفض التكاليف وتأجيل بعض استثماراتها. فخلال العامين الماضيين، تم تأجيل مشاريع في مختلف أنحاء العالم بقيمة تقدر بحوالي 200 مليار دولار.
وفي نهاية المطاف، ستسهم هذه الاستجابة المفاجئة لانخفاض أسعار النفط، حتماً في خلق نوع من التوازن على مستوى الطلب الذي سيتفوق في النهاية على العرض خلال السنوات القادمة، الأمر الذي يوضح الطبيعة الدورية التي يتسم بها القطاع.
ومن هنا تنبع قناعتي بأن قطاع النفط يجب أن يتحلى برباطة الجأش، وأن تأخذ الاستثمارات فيه منحى طويل الأمد. وربما يشكل تراجع قيم الأصول فرصة ذهبية للاستثمار بالنسبة للشركات التي تتمتع بميزانيات عمومية قوية، ودعم كبير من المساهمين إلى جانب الرغبة في مواصلة تنفيذ استراتيجياتها وخططها التي تراها مناسبة.
وباعتبار دولة الإمارات العربية المتحدة واحداً من أبرز رواد صناعة النفط والغاز، فإننا نفخر بلعب دور فعال في قطاع ذو أهمية كبيرة على المستوى العالمي. فليس من المبالغة القول إن النفط يعد بمثابة شريان الحياة بالنسبة للاقتصاد العالمي، فالمنتجات التي تُصنّعُ من الهيدروكربونات تشكل ركيزة أساسية في وقتنا الحاضر. وبالتالي، فهو داعم رئيسي لتحقيق طموحات الشعوب وتمكين جهود التنمية الشاملة في جميع أنحاء العالم.

ينبغي علينا في مثل هذه الأوقات، أن نتحلى بقدر عالٍ من المسؤولية وأن تكون لدينا رؤية واضحة وبعيدة المدى لكي نحسن التعامل مع مختلف الظروف والتقلبات.
وفي النهاية، من الطبيعي أن يمر القطاع بدورات مختلفة، والواقع الذي يعيشه القطاع اليوم لن يستمر على حاله. ولا بد أن تكون القيادة والحكمة منهجنا، وهذا الأمر يستدعي منا وضع خطط طويلة الأمد، والصمود أمام التحديات والثبات على قناعاتنا والمضي قدماً في تنفيذ الاستراتيجيات التي نراها مناسبة.