لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 9 Jun 2016 07:56 AM

حجم الخط

- Aa +

إنقلاب 180 درجة في التفكير المالي

الشمول المالي ليس مجرد آلية هرمية لتحقيق الرفاه الاجتماعي فحسب؛ فهو مع تطبيق السياسات المناسبة قادر على تغيير طريقة عمل الاقتصادات، وزيادة العائد على الاستثمار لجميع أصحاب المصلحة.

إنقلاب 180 درجة في التفكير المالي
بقلم: بايراف تريفيدي، الرئيس التنفيذي لشركة «نتورك إنترناشيونال.

الشمول المالي ليس مجرد آلية هرمية لتحقيق الرفاه الاجتماعي فحسب؛ فهو مع تطبيق السياسات المناسبة قادر على تغيير طريقة عمل الاقتصادات، وزيادة العائد على الاستثمار لجميع أصحاب المصلحة.

 

تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة خير مثال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على دور الرؤية والتنفيذ المناسبين في تحقيق النجاح. وقد تجلى هذا بأسمى أشكاله عندما تسلقت الدولة سلم تصنيف «البنك الدولي» للشمول المالي إلى مستوى قريب من معظم الدول الغربية خلال 3 سنوات فقط.
ولعل الأرقام هي الدليل الحاسم على ذلك؛ فوفقاً لقاعدة بيانات الشمول المالي العالمية الصادرة عن «البنك الدولي» أو ما يعرف بـ «جلوبال فايندكس» فإن 60 % من سكان دولة الإمارات ممن تتجاوز أعمارهم 15 عاماً امتلكوا حساباً مصرفياً في عام 2011. وارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 84 % بحلول عام 2014 بحسب الإصدار اللاحق من مسح «جلوبال فايندكس».

ويعتبر ذلك أعلى بكثير من نسبة 73 % المسجلة كمعدل وسطي في مجموعة الدول مرتفعة الدخل وغير الأعضاء في «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» والتي تندرج ضمنها دولة الإمارات؛ كما أنها قريبة من النسبة المسجلة في مجموعة الدول مرتفعة الدخل والأعضاء في «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية».
وثمة إمكانية كبيرة لمقارنتها مع المعدل المسجل عالمياً والبالغ 61,5 % من الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 15 عاماً ويمتلكون حساباً مصرفياً. وبالنظر إلى أبرز منافسيها الاقتصاديين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تبدو النسبة المسجلة في دولة الإمارات - وهي 84 % - كبيرة بالمقارنة مع 14 % في مصر و70 % في المملكة العربية السعودية. وهذا من شأنه أن يسلط الضوء على تميز الآلية التي اتبعتها دولة الامارات لتحقيق مثل هذا النجاح.

ويبدأ تطبيق الشمول المالي بالنظر إلى الفئات الاجتماعية المستبعدة من أمر ما. وحتى يكون فعالاً، فهو يتطلب تبني نهج محدد ومحلي في الغالب. خذ مثالاً على ذلك «نظام حماية الأجور»، وهو نظام إلكتروني لتحويل الرواتب طوره مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي لضمان السداد الكامل في الوقت المطلوب للرواتب المتعاقد عليها وخصوصاً للعمال المكتبيين.
وكان من بين الآثار الفاعلة التي أثمرت عنها هذه المبادرة هو جذب شريحة سكانية كبيرة لا تمتلك حسابات مصرفية، ومستبعدة حتى اليوم من النظام المالي، إلى تيار التعاملات المالية الإلكترونية.
إن هذا النوع من النهج محدد الحالة يتألف من شقين عادةً، إذ يجمع بين التثقيف على مستوى المستخدم من جهة والحلول التي لا تنطوي على أي تأثير سلبي على المتبنين الأدنى مستوى لهذه النهج من جهة أخرى. كما أنها تلعب على وتر نقاط القوة ضمن النظام المتبع ومعالجة نقاط الضعف بطريقة معقولة التكلفة في الوقت ذاته.

كفاءة في التكلفة بالنسبة لمتقبلي نهج الشمول المالي
ترى المؤسسات المالية في دولة الإمارات أنه ما من جدوى اقتصادية من تمكين التعاملات المالية الصغيرة حينما يتوجب عليها دفع علاوة لشبكات التعاملات الدولية الكبرى عن كل دفعة يحصلون عليها.
ولكن لا شك أن شرائح سكانية كبيرة مسلحة بـ «نظام حماية الأجور» ستستفيد من إقامة نظام محلي منخفض التكلفة أو شبكة دفع محلية تحظى بقبول واسع طالما أنها قادرة على تطبيق نهج الشمول المالي على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية.
كما أن تطبيق نظام محلي يعمل فقط عبر بطاقة «نظام حماية الأجور» يعني أن الموظفين سيتقاضون أجورهم من خلاله وسيمتلكون القدرة على استخدامه ضمن المنشآت التجارية. وهذا يعني - في ضوء مفهوم الشمول المالي - أن الموظفين لن يضطروا إلى حمل النقود معهم إلى السوبرماركت مثلاً، وسيحصلون على جميع مزايا استخدام بطاقات الدفع.

تثقيف المستخدمين
بمجرد وضع الحل المناسب، يغدو تثقيف المستخدمين بشأنه هو الخطوة الطبيعية التالية. فالكثير من الأفراد الذين لا يمتلكون حساباً مصرفياً - تماماً كما كان حال آبائنا منذ عقـــدين من الزمن - لا يرغبون حتى الآن بالحصول على بطاقة ائتمانية أو بطاقة خصم فقط لأنهم غير واثقين من جدواها.
واليوم وبعد مضي 20 عاماً، انقلبت طريقة التفكير هذه 180 درجة، فبات من المستبعد أن يخرج المرء إلى أي مكان دون بطاقة الائتمان أو الخصم. أمّا أولئك الذين ما زالوا لا يمتلكون حساباً مصرفياً حتى اليوم، فهم في الغالب يفضلون بطبيعة الحال التعامل بالأموال النقدية.
وكثيراً ما كنا نسمع قديماً أن العمال الوافدين يقومون بقبض رواتبهم نقداً وإخفائها في الفراش. ولكن نظام الدفع هذا فرض احتمالاً كبيراً لسرقة الأموال من قبل أي شخص يعرف مكانها.
وقبل أعوام مضت عندما بدأت الشركات في الإمارات باستخدام أجهزة الصراف الآلي لدفع الرواتب، اعتقدت هذه الشركات أنها ستتمكن بهذه الخطوة من غرس الثقة في نفوس موظفيها بحصولهم على أجورهم كاملة وفي الوقت المحدد.
ولكن ما حدث في البداية هـو العكس تماماً؛ إذ لطالما طارد شبح تعطل تلك الآلات الضخمة هؤلاء الموظفين الذين اعتادوا امتلاك أموالهم بأيديهم، وهو ما وضع حاجزاً جديداً بين الموظف وصاحب العمل الذي يتنصل من أي مسؤولية في حال حدوث أي خطأ أو فارق في المبلغ المتوقع. ومن المخاوف الشائعة التي لطالما غزت عقول الموظفين آنذاك كانت: ماذا لو ابتلع الصراف الآلي نقودي؟ أو ماذا لو نفذ المال من الصراف قبل حصولي على مرتبي؟

وقيل لنا ذات مرة أن العمال يجتمعـون في يوم دفع الرواتب عند أجهزة الصراف الآلي من الساعة 7 صباحاً في طوابير طويلة غير منتظمة ظناً منهم أن من يتأخر سيحصل على مال أقل، كما لو كان الأمر أشبه ببرميل مشروبات معرض للنفاذ.
وكان الحل التثقيفي لهذا الأمر بسيطاً نسبياً، حيث استعان المحاسبون والمديرون بحجرات زجاجية شفافة وضعوا فيها كامل النقود المتوجب دفعها للشهر، وهي حوالي 7,5 ملايين درهـم نقداً ليظهروا للعمال أن كامل المبلغ سيذهب إلى جهاز الصراف الآلي المخصص لرواتبهم. وقاموا بذلك مرتين أو ثلاث حتى نجحوا أخيراً في غرس الثقة بنفوس موظفيهم. وفي غضون 6 أشهر فقط، تقلصت الطوابير التي كانت تتشكل عادة أمام أجهزة الصراف الآلي يوم دفع الرواتب إلى 3 أو 4 أشخاص فقط.

وعلى نحو مماثل، فإن مفهوم استخدام بطاقات «نظام حماية الأجور» للدفع في متاجر البقالة يتطلب عملية لتعزيز ثقة المستخدم بأن المتجر لن يتقاضى 7 دراهم مثلاً عند شرائه سلعة بقيمة 5 دراهم باعتباره يستخدم بطاقة بلاستيكية لا أموالاً نقدية.
وأخيراً، قد يكون استخدام بطاقة الدفع مسألة بسيطة وتلقائية بالنسبة لمعظمنا، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لمستخدم جديد شمله مؤخراً النظام المالي السائد حالياً، فالأمر هنا يتطلب قفزة نوعية من الثقة للتخلي عن الاعتقاد بأن مجرد تبادل الأموال وفق نظام غير مفهوم يفرض احتمالاً بأن يستولي أحدهم على بعض منها؛ وهذا يتطلب في نهاية المطاف تثقيفاً فاعلاً بهذا الخصوص.