لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Thu 9 Jun 2016 07:53 AM

حجم الخط

- Aa +

هبوط أسعار النفط هل جاء في الوقت المناسب؟

على مدى الثمانية عشر شهراً الماضية، شهدت منطقة الخليج ضغوطاً متزايدةً من جراء هبوط أسعار النفط على خلفية الركود الاقتصادي العالمي.

هبوط أسعار النفط هل جاء في الوقت المناسب؟
نادي البرغوثي، المدير التنفيذي لإدارة الأصول في بنك الإمارات للاستثمار

على مدى الثمانية عشر شهراً الماضية، شهدت منطقة الخليج ضغوطاً متزايدةً من جراء هبوط أسعار النفط على خلفية الركود الاقتصادي العالمي.


وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الأزمة فإن مدتها استمرت أكثر مما كان متوقعاً لها. وبالطبع لم تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة بل امتدت لتشمل قطاعات أخرى بما فيها القطاع المصرفي والعقارات وتجارة التجزئة والضيافة، أضِف إلى ذلك تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي وعجز الميزانيات وتراجع مستويات الإنفاق.
وقد شكّل ذلك صدمة للنظام الاقتصادي ككل. إلا أنه ربما جاءت هذه الأزمة في الوقت المناسب لتحثّ دول الخليج على تنفيذ الإصلاحات ودفع المنطقة نحو تبنّي رؤية نمو مستدام على المدى الطويل.

ويظهر تأثير هذه التداعيات واضحاً في قيام صندوق النقد الدولي خلال شهر أبريل بتعديل توقعاته بشأن معدل النمو الاقتصادي لمنطقة الخليج لعام 2016 إلى 1.8 % بدلاً من 2.75 % التي توقعها في أكتوبر 2015، وهو أقل بكثير من معدل النمو لعام 2015 الذي بلغ 3.3 %. كما أن نطاق العجز المالي يواصل توسّعه في منطقة الخليج، حيث من المتوقع أن تسجل دولة الإمارات عجزاً بنسبة 7.0 % تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي في العام الجاري. أما السعودية، أكبر اقتصاد في المنطقة، فقد تسجل عجزاً بنسبة 13 %. وعلى الرغم من أن التصنيف الائتماني للمملكة لا يزال بدرجة «استثمار» إلا أنه تم تخفيضه من قِبل مؤسسات التصنيف الائتماني، هذا بخلاف استمرار عمليات السحب المكثف لجزء من احتياطياتها الضخمة من النقد الأجنبي.

صحيح أن ما سبق ذكره قد يعطي انطباعاً غير مطمئن، غير أن هذه التحديات دفعت الحكومات الخليجية إلى السعي نحو إيجاد حلول بديلة للحد من آثار تدني أسعار النفط، وكانت دولة الإمارات أول من أصدر قراراً برفع الدعم عن المنتجات البترولية خلال منتصف العام 2015 وسرعان ما تبعتها دول خليجية أخرى.

وإذا كانت دولة الإمارات هي أول من يقوم بتنفيذ إصلاحات اقتصادية لمواكبة التحديات الراهنة، فإن السعودية تُعتبر الأكثر جرأة على صعيد إصلاحاتها، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية خلال الشهر الماضي وذلك في إطار رؤيتها الطموحة لعام 2030 عن عزمها تقليل اعتمادها على النفط بشكل كبير كمصدر رئيسي للإيرادات الحكومية من خلال زيادة إيراداتها غير النفطية إلى 600 مليار ريال بحلول العام 2020 و1 تريليون ريال بحلول العام 2030 مقارنة مع 165 مليار ريال في العام 2015. ومن أبرز عناصر هذه الخطة الطموحة إنشاء أول صندوق ثروة سيادية والأكبر على مستوى العالم، برأسمال يتجاوز 2 تريليون دولار سيتم ضخها من عائدات الخصخصة الجزئية لأصول محددة، ومن أهمها «أرامكو السعودية». وفي حال تمت إدارته بنجاح وبطريقة مدروسة، فمن المتوقع أن تنتج عنه استثمارات سعودية أكثر استدامة وبالتالي تحقيق عوائد مستقرة خلال العقود القادمة.

وكشفت الحكومة السعودية عن مساعيها الرامية إلى تعزيز جاذبية بيئتها الاستثمارية، لا سيما مع فتح الباب أمام المستثمرين الأجانب خلال العام الماضي للاستثمار في السوق المالية السعودية «تداول» على الرغم من وجود قيود قللت من تدفقات رأس المال حتى الآن. ومع ذلك، وضعت الحكومة هدفاً لنفسها يتمثل في زيادة حجم الاستثمارات الأجنبية في البلاد من 5 % إلى 50 % بحلول العام 2020.

وسوف تكون الضرائب من المصادر الأخرى المهمة التي ستلجأ إليها الحكومة السعودية لتوليد الإيرادات في المستقبل. ومما لا شك فيه أن مسألة زيادة الضرائب تشكل موضوعاً حساساً في المنطقة عموماً، لا سيّما وأنها اشتهرت على مدار السنين الماضية بيئتها القليلة الضرائب.
وفي حين أنني لا أتوقع أن يتم تطبيق ضريبة الدخل قريباً، تناقش حكومات الخليج حالياً إمكانية فرض ضريبة القيمة المضافة على المنتجات الفاخرة وضريبة شاملة على دخل الشركات في دول المنطقة، ومن المرجح أن يتم تطبيقها خلال العامين القادمين.

ومن بين التوقعات الأخرى خلال العام الحالي والعام الذي يليه تزايد الإقبال على الاقتراض.  فقد نجحت المملكة العربية السعودية مؤخراً بجمع قروض بقيمة 10 مليارات دولار من المصارف مباشرة، ومن المتوقع أن يلي ذلك طرح أولي عالمي لبرنامج سندات حكومية قبل نهاية العام الجاري. وهذا لا يعني الاتجاه إلى سد عجز موازنة المملكة فحسب، إنما يُعد أيضاً خطوة حصيفة نحو ترسيخ سمعتها الائتمانية من خلال بناء منحنى عائد جذاب بما يعزز قدرة السعودية وقطاعها الخاص على الوصول إلى أسواق رأس المال المدين. وكانت أبوظبي قد سلكت الطريق ذاته مؤخراً، حيث جمعت 5 مليارات دولار من أول إصدار سندات حكومية منذ 7 سنوات.

وأتوقع أن تسهم جميع هذه المبادرات في تعزيز دعائم اقتصادات المنطقة إلى إرساء أسس متينة تبني عليها الأجيال القادمة. ولكن، لا بد وأن يتم تنفيذ هذه المبادرات على نحو تدريجي محسوب بدقة، إذ من المؤكد أن يتأثر سلوك المستهلك بخفض حجم الإنفاق وبرامج الدعم المالي. وتبدو الحكومات الخليجية واعيةً لهذا التحدي ومدركة للتداعيات التي قد تنجم عن تنفيذ متسارع للخطط والإجراءات الإصلاحية على أنماط الإنفاق ومعدلات التوظيف وقطاع السياحة والتجارة عموماً.

في الختام، أود القول، إن التغيير سيصاحبه بلا شك بعض الألم الذي سيلمس كل من الأفراد والشركات على حد سواء على المديين القصير إلى المتوسط. الا أن التحديات التي واجهتها المنطقة على مدى السنتين الماضيتين سلطت الأضواء على ضرورة اجراء الإصلاحات. وفي نهاية المطاف، فان هذه التغيرات تعبر عن نضوج أسواق المنطقة بالانسجام مع بعضها، وتُعد خطوات غاية في الأهمية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي لبناء اقتصادات متنوعة حقا لا تعتمد على عطش العالم للنفط.