لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Sun 21 Feb 2016 06:33 AM

حجم الخط

- Aa +

3 محاور استراتيجية لتجاوز معوقات الاستثمار بأفريقيا

المعطيات الراهنة قد تغذي الاعتقاد السائد بأن حالة من الجمود ستخيم على المشهد الاستثماري في أفريقيا ولا سيما في ظل احتدام الاضطرابات السياسية وانخفاض أسعار السلع عالميًا مع تراجع معدلات نمو الأسواق الناشئة وتباطؤ الاقتصاد الصيني.

3 محاور استراتيجية لتجاوز معوقات الاستثمار بأفريقيا

المعطيات الراهنة قد تغذي الاعتقاد السائد بأن حالة من الجمود ستخيم على المشهد الاستثماري في أفريقيا ولا سيما في ظل احتدام الاضطرابات السياسية وانخفاض أسعار السلع عالميًا مع تراجع معدلات نمو الأسواق الناشئة وتباطؤ الاقتصاد الصيني.

غير أن الواقع يعكس حقيقة مغايرة لذلك، وهي أن القارة الأفريقية تنبض بفرص النمو الواعدة، شريطة أن تتحلى بالقدرة على توظيف مقوماتها الفريدة، والمرونة اللازمة لتجاوز التحديات المصاحبة لاختلاف القوانين والسياسات والاعتبارات التي تحكم 54 دولة مختلفة هي عدد بلدان القارة الأفريقية.
لدينا في أفريقيا فجوة هائلة بحجم الإنفاق على مشروعات البنية الأساسية، تقدر بنحو 93 مليار دولار سنويًا، بما في ذلك 17 مليار دولار سنويًا لمخاطبة العجز الحالي في قدرات توليد الطاقة وليس لإقامة أية مشروعات جديدة. ويمثل ذلك في حد ذاته فرصة غير مسبوقة وفق جميع المقاييس، ناهيك عن أن القارة الأفريقية في طريقها لتصبح أكبر مركز للقوى العاملة حول العالم بالتزامن مع بدء الانكماش المتوقع بالتعداد السكاني للصين.
تضفي تلك المقومات أهمية قصوى على متطلبات الاستثمار بمشروعات البنية الأساسية، وخاصة في هذا التوقيت الذي يتيح ميزة الأسبقية للمستثمرين بدخول سوق يمر بمراحل التطور المبكرة.

فكرة تولدت قبل الأزمة
ونزعم أننا نجحنا في استحداث نموذج متكامل لتلافي معوقات الاستثمار المعتادة بقارة أفريقيا، وهو النموذج الذي أتاح تمويل وإقامة معمل التكرير المتطور في مصر باستثمارات 3.7 مليار دولار تحت مظلة الشركة المصرية للتكرير.
تولدت فكرة المشروع قبيل تفاقم الأزمة المالية العالمية، وهي فترة لا تقل صعوبتها عن التحديات التي تواجهنا اليوم، ولكننا نجحنا في المضي قدمًا بتنفيذ المشروع رغم وقوع كساد اقتصادي وثورتين شعبيتين في مصر، وكارثة نووية في اليابان، وكذلك تداعيات أزمة منطقة اليورو.
والتحديات التي تواجهنا اليوم، من تهديدات إرهاب داعش وهبوط أسعار النفط إلى انخفاض أسعار السلع عالميًا وتباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي، تلك التحديات رغم جسامتها، فإن التغلب عليها ليس مستحيلاً.
توجد 3 محاور رئيسية تشكل النموذج الذي نتبناه لإطلاق المشروعات الضخمة في قطاعات البنية الأساسية. فعلى غرار نموذج الشركة المصرية للتكرير، عليك بتحجيم مخاطر الاستثمار في المراحل الأولية للمشروع من خلال المساهمة بمواردك الذاتية والاستعانة بتجارب وخبرات رواد المستثمرين، وعليك بالبحث عن التمويل في غير منابعه التقليدية، وعليك بتوظيف أفضل الكوادر من ذوي الكفاءة والخبرة على الساحة الدولية.
تلك الخطوات أتاحت لنا إحراز التقدم الملموس في تنفيذ المشروع، رغم مروره بأزمات متتالية منذ غرس بذرته الأولى، سعيًا لإتمامه وفقا للإطار الزمني المستهدف وبدء النشاط الإنتاجي خلال عام 2017، ليثمر ذلك عن تقليص واردات السولار في السوق المحلي بأكثر من نصف المعدلات الحالية مع خفض ثلث الانبعاثات الكبريتية في مصر، ليكون بذلك ركيزة أساسية بمستقبل منظومة الطاقة وأحد الحلول العملية للتغلب على التحديات الاقتصادية بالدولة.

 

أولاً. تحجيم مخاطر الاستثمار
قد تكون الخطوة الثانية – البحث عن التمويل في غير منابعه التقليدية – هي أهم خطوات النموذج التي نتبناه، ولكن خبرتنا تؤكد أن ذلك لا يتحقق دون اجتياز المرحلة الأولى بنجاح، إذ أن إقدامك على تحجيم مخاطر الاستثمار يثبت جدية المشروع لجهات التمويل، وخاصة إذا ما خصصت له ملايين الدولارات من مواردك الذاتية. كما أن تحجيم المخاطر يزيد من جدوى المشروع وتقديرات نجاحه. فما هو المقصد هنا بأطروحة «تحجيم مخاطر الاستثمار»؟
• لا يعطلك إيجاد التمويل عن إيجاد وإشراك أفضل خبراء الهندسة والاستشارات الفنية والقانونية – أو على الأقل إعداد دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع.
• الالتزام المبكر بمراعاة الأبعاد البيئية والتأثيرات المجتمعية للمشروع، إذ أن عصر «السيادة للشفافية» الذي نعيشه الآن بفضل ازدهار منصات التواصل الاجتماعي جعلت من تلبية احتياجات المجتمع المحلي شرط محوري لاكتساب ثقة مؤسسات التمويل الدولية.
• تحفيز الأطراف ذات العلاقة بتحويل استثمارك المبكر في دراسات الجدوى ذات المستوى العالمي والقبول المجتمعي إلى طرح يضمن المكسب للجميع، إذ يؤدي ذلك إلى تحفيز الجهات التنظيمية والحكومية للمشاركة الفعالة في إنجاح المشروع. ففي حالة الشركة المصرية للتكرير، لم نكن سنطأ موطئاً ما لم ننجح في كسب تأييد ودعم الهيئة العامة للبترول بصفتها شريك في المشروع.

ثانيًا. توفير متطلبات التمويل
لا ألوم الذين يستقون رسائل الإعلام على مدار السنوات الماضية، على اعتقادهم بأن الصين هي المنبع الوحيد لاستثمارات البنية الأساسية، أو أنها بئر التمويل الذي لا ينضب، إذ أن مستجدات العام الجاري أثبتت أكذوبة هذا الطرح نظرًا لتباطؤ ثاني أكبر اقتصاد حول العالم وتراجع الاستثمارات الصينية في أفريقيا بنحو 84 % خلال النصف الأول من عام 2015 لتبلغ 568 مليون دولار وفقا لتقرير نشرته جريدة فاينانشال تايمز.
كما أن استثمارات الصين عادت إلى نمط ما قبل 2011 على حساب مشروعات البنية الأساسية، إذ توضح فاينانشال تايمز أن معدلات إنفاق الصين على البترول والغاز الطبيعي والفحم وغيرها من المعادن والموارد الطبيعية ارتفعت إلى 288.9 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2015 من 141.4 مليون دولار خلال نفس الفترة من العام السابق.
والحقيقة أن الاستثمار الأجنبي المباشر من الصين بلغ ذروته عام 2008 بنحو 11.7 مليار دولار قبل أن يتراجع مجددًا إلى نحو 1.5 مليار دولار سنويًا منذ ذلك الحين.
ويثور إذاً التساؤل الخاص بمن يحل محل الصين؟
وفقًا لما مررنا به من تجارب بمشروع الشركة المصرية للتكرير، وحقيقة الوضع في مصر، يظهر أن مؤسسات التمويل التنموية ووكالات ائتمان الصادرات يزيد تركيزها حاليًا عن أي وقت مضى على دعم مشروعات البنية الأساسية ذات المردود الإيجابي على الاقتصاد والمجتمع والبيئة.
المنظمات الدولية وكذلك المؤسسات الحكومية تدعم النمو الاقتصادي وخاصة إذ ما تعلق الأمر ببلدان أفريقيا والشرق الأوسط – بل إن المؤسسات الحكومية على وجه التحديد تميل إلى دعم المشروعات التي تخلق فرصًا اقتصادية لشركاتها وهيئاتها التابعة وتدعم الاستقرار في الوقت ذاته. هناك العديد من الأمثلة، من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى بنك الصادرات والواردات الأمريكي، بيد أن الشركة المصرية للتكرير سنحت لها الفرصة للعمل مع مؤسسات رائدة تتضمن:
• مؤسسة التمويل الدولية
• البنك الأفريقي للتنمية
• بنك الاستثمار الأوروبي
• بنك كوريا للصادرات والواردات
• بنك اليابان للتعاون الدولي
• مؤسسة الاستثمار الألمانية
• صندوق إنفراميد لاستثمارات البنية التحتية
• المؤسسة الهولندية للتنمية
• مؤسسة نيبون لتأمين الصادرات والاستثمار
وقد ساهمت تلك المؤسسات وغيرها من كبار المستثمرين ورواد القطاع الخاص في توفير 1.1 مليار دولار في صورة استثمارات رأسمالية و2.6 مليار دولار إضافية في صورة قروض وتسهيلات ائتمانية، ليكتمل بذلك الشق التمويلي لمشروع الشركة المصرية للتكرير.

ثالثاً. توظيف الكفاءات وأصحاب الخبرات
أعلنت الشركة في 11 ديسمبر 2015 عن تركيب وحدة التكسير الهيدروجيني التي تزن نحو 1280 طن وتعد أكبر قطعة إنشائية تدخل الموانئ المصرية على الإطلاق. وقد استغرق نقل الوحدة من ميناء الأدبية إلى موقع المشروع (مسافة 250 كم تقريبًا) حوالي 43 يومًا (سرعة 3-6 كم / ساعة) باستخدام كساحة نقل معدات ثقيلة مصممة خصيصًا لها. وتم رفع وحدة التكسير الهيدروجيني لتثبيتها على الأساسات الأرضية المخصصة لذلك باستخدام رافعة عملاقة تزن حوالي 1600 طن، وذلك أيضًا للمرة الأولى في مصر.
بلغ إجمالي العاملين بالموقع في ذلك اليوم نحو 8200 عامل منهم ما يزيد عن 30% من أبناء المجتمع المحلي الذين قامت الشركة بتدريبهم على أعمال اللحام والخراطة، فضلاً عن الخبراء الأجانب والعاملين من جنسيات عديدة من بينها الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة واستراليا وغيرها.
من المؤكد أن حماس وجهد العاملين نابع من تشغيلهم وتدريبهم بلا شك، ولكن الدافع الأعمق هو حرصنا في بداية المشروع على تعيين رئيس تنفيذي مشهود له بالكفاءة والخبرة في تنفيذ المشروعات العملاقة سواء بمصر أو على الساحة الدولية، حيث كان تعيينه بمثابة تعهد بعدم ادخار الجهد أو المال في سبيل استقطاب أفضل المهارات والخبرات المتاحة، وهو التعهد الذي التزمت به الشركة المصرية للتكرير على مدار السنوات الماضية. الأكثر من ذلك أننا سنرصد خلال الفترة المقبلة زيادة ملحوظة بالكوادر المتاحة للتوظيف، وخاصة على المدى القريب والمتوسط، نظرًا لركود سوق العمل جراء التباطؤ الذي تمر به الأسواق الناشئة.

استراتيجية صمود في اختبار الزمن
تلك المحاور الثلاثة لإطلاق المشروعات الضخمة بقطاعات البنية الأساسية تحظى بمعدل نجاح مائة بالمائة، فهي لم تخذلنا وقت تنفيذ أحدث المشروعات الاستثمارية العملاقة بشرق أفريقيا، حين كنا في طليعة مجموعة من المستثمرين الاستراتيجيين ومؤسسات التمويل التنموية للاستحواذ على حصة حاكمة في شبكة السكك الحديد بكينيا وأوغندا. ولم تخذلنا خلال أزمة منطقة اليورو وتداعيات الكساد الأمريكي، وقتما حق الظن بأن مؤسسات التمويل التنموية ووكالات ائتمان الصادرات ستتراجع عن استثماراتها، مثلما تفعل حاليًا صناديق الثروات السيادية الخليجية، ولكنها لم تفعل ..
لدينا قناعة راسخة بأن تلك الاستراتيجية ستصمد أمام اختبار الزمن، وستثبت كفاءتها مجددًا وسط توقعات استمرار التباطؤ بالأسواق الناشئة خلال المرحلة المقبلة، والتي ستشهد اكتمال وتشغيل عدد من المشروعات البارزة التي بدأت بين عامي 2008 و2010.

* كتب هذا التحليل: أحمد هيكل، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة القلعة الرائدة في استثمارات الطاقة والبنية الأساسية بمصر وأفريقيا.