لاحظنا أنك تحجب الإعلانات

واصل دعمك للصحافة اللائقة بتعطيل أدوات حجب الإعلانات

في حال وجود استفسار عن سبب ظهور هذه الرسالة ، اتصل بنا

حجم الخط

- Aa +

Mon 16 Mar 2015 08:31 AM

حجم الخط

- Aa +

العولمة ومأزق العمالة

العولمة وهجرة العمالة ليست بأمر جديد على عالمنا. فمن الولايات المتحدة والإكوادور في أمريكا الشمالية، ومن دول مجلس التعاون إلى أوروبا، تعد العمالة المهاجرة واقعا لابد منه. ومعها أيضاً تتولد المعارضة والمعارضة المضادة لتلك العمالة. ويبقى العالم في تغير مستمر، كما تبقى العمالة دؤوبة في بحثها عن الدول الأفضل للعمل المربح. ومن هذه العمالة، من لا يملك الخيارات بعد أن أنهكتهم الحروب في بلدانهم أو أرغمتهم الحاجة المادية على الهجرة بسبب اقتصادهم المنهار. ومنطقة الخليج هي واحدة من المقاصد الأهم للعمالة، حيث التطور فيها مستمر بوتيرة سريعة جداً، وحيث الحاجة دائماً موجودة لعمالة تتمتع بمهنية عالية وأيضاً لعمالة أقل مهنية. ولكن في كثير من الأوقات تأتي هذه العمالة على حساب أهل البلد ذاته. في السعودية، وحيث عدد المواطنين بالنسبة للعمالة القادمة هو من بين الأعلى في دول مجلس التعاون الخليجي،تعلو الأصوات وتشتد الشكاوى ضد العمالة الأجنبية التي يعتقد كثيرون من السعوديين أنها أصبحت تزاحمهم على الكثير من الوظائف التي بمقدورهم القيام بها. في هذا المقال سنستمع لرأي الخبراء في هذا الموضوع الشائك

العولمة ومأزق العمالة

لأكثر من خمسين عام مضت بدأت السعودية، كأكبر دولة مصدرة للنفط، باستقبال عدد هائل من العمالة الأجنبية والتي نمت بين عام 1925 وعام 2014 إلى قرابة 13 مليون نسمة، وذلك الرقم لا يأخذ بالاعتبار المخالفين في الاقامة والعمل. لم تكن المملكة العربية السعودية في السابق كما هي عليه الآن، فقد كانت الأحوج الى الكثير من العمالة وكان لسان حال الحكومة آنذاك هو: «هل من مزيد!!»

فالسعوديون لم يخترقوا القطاع التعليمي أو الهندسي أو الطبي أو حتى الاداري في تلك الأوقات. فكان الاقتصاد السعودي يُنعت بالاقتصاد المغلق مرتكزا على تربية المواشي والزراعة في الأرياف والتجارة بشكل بدائي في المناطق المهمة كجدة والرياض ومكة المكرمة.  ولكن ذلك الماضي في يومنا هذا وكأنه لم يكن، فالتغير والتطور هما حال واقع السعودية اليوم.

ومع توسع الاقتصاد السعودي الهائل في السنوات الأخيرة بدأ الشعور بالغضب يزداد ضد ما يسمى بـ «الأجانب»، وبدأت تتعالى الأصوات المطالبة برحيلهم. ولا يخفى على أحد تصريح وزير العمل الشهير عادل فقيه الذي قال فيه أن وزارته مطالبة بتخفيض اجمالي عدد العمالة الوافدة ليصبح 20 % من عدد السكان وليس كما تقدره النسبة الرسمية وهو 26.6 %. ومنذ ذلك الحين يفيق الوافد كل صباح على جرس انذار جديد حيث تتكاثر الأخبار هنا وهناك عن الترحيل والسعودة ونطاقات وضبط المخالفين ووقف تجديد الإقامة بعد سته أعوام. والكثير الكثير يتراوح ما بين الشائعة والحقيقة. 

لكن وعلى الرغم من كل تلك الأخبار والشائعات في بعض الأحيان، تسجل السعودية نسبة استقطاب عالية للعمالة الأجنبية بحسب تقرير للأمم المتحدة. ويبين التقرير أن السعودية تحتل المرتبة الرابعة عالميا في استضافة أكبر عدد من القوى العاملة الأجنبية لعام 2013. وبذلك تكون السعودية هي الوجهة الرابعة عالميا والأولى عربيا في جذب العمالة الوافدة بالرغم من كل الجهود الرامية الى تقنين تواجد العمالة في السعودية.

وبحسب تقرير من بنك الـ إتش إس بي سي لعام 2014 فإن 67 % من الوافدين يتطلعون إلى مغادرة المملكة العربية السعودية والبحث عن فرص بالخارج تكون أفضل مما يعملون به الآن. وبحسب استطلاع الرأي هذا، والذي شمل 9,288 وافد من 100 دولة، احتلت المملكة العربية السعودية المركز 28 من حيث جذب العمالة الوافدة بشكل عام. كما حلت في المركز الـ 12 من حيث قدرة الوافدين على التوفير في المنتجات والخدمات، والمركز 15 من حيث رضا الوافدين عن المكاسب المادية والحياة الاقتصادية، و32 من حيث تجربة الوافدين في نوعية الحياة وسهولتها، والمركز 30 من حيث مستوى تربية الأبناء وضمان أفضلية الرعاية الصحية والتعليم. وكانت المفاجأة الكبرى في نسب أرباح العمالة الوافدة في السعودية وهي الأعلى بين 100 دولة في العالم، وجاء التقرير مؤكداً أن 71 % من الوافدين في المملكة العربية السعودية يحققون أرباحا مالية عالية.

وعلى الرغم من التحديات التي تواجه العمالة الوافدة في السعودية من حيث قانون العمل ونظام الكفالة، الا أن 82 % من العمالة الوافدة راضية عن الوضع الاقتصادي الحالي للمملكة، خاصة مع تحقيق البلاد أعلى معدل رواتب بمعدل 67 %. بينما أكدت معظم العمالة الوافدة أي 63 % ان تعدد فرص العمل وارتفاع الأجور هما اهم أسباب دفعتهم للعمل في المملكة العربية السعودية.

وأكد التقرير ان ما يزيد على الثلث أي 37 % من الوافدين في المملكة يقولون انهم انتقلوا لتعزيز المكاسب المحتملة الخاصة بهم موضحين أن قطاع البناء والهندسة المزدهر في البلاد يُعد جاذبا ل 25 % من معدل العمالة العام بينما يجذب قطاع التعليم 9 % من الوافدين و8 % هي حصة قطاعي التجزئة والصحة. 
هذا المرور السريع على الأرقام الخاصة برضاء العمالة عن العمل في المملكة العربية السعودية ما هو إلا صورة عن الوضع الراهن. فالكثير من الإنذارات والأصوات المطالبة بتقنين تواجد الوافدين في السعودية، يقابله الكثير من الرضاء عن الحياة في السعودية. 

ولتفسير هذه المعادلة الصعبة، تحدثت أريبيان بزنس الى د. محمد سمير عباس، وهو خبير اقتصادي في وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية والذي أكد أن ما تشهده المملكة من مشاريع تنموية ضخمة أثرت بشكل كبير في استقطاب الكثير من الوافدين من الدول الغنية المتقدمة. 

وأشار عباس الى أن الوافدين القادمين من دول غنية متقدمة مثل الولايات المتحدة الامريكية ودول أوروبا الغربية هم في الغالب يأتون للمملكة من خلال شركاتهم ومؤسساتهم التي تتفاوت تعاقداتها من الحكومة السعودية بالإضافة الى التعاقدات مع القطاع الخاص، كما أن النهضة التنموية والمشاريع الكبرى تساهم في تعزيز وجود الوافدين.

ولم ينكر عباس أن من أهم الأسباب التي دفعت هذه الفئة من الوافدين للقدوم الى المملكة العربية السعودية، هي الرغبة في الحصول على راتب معفى من الضرائب، ولا يخفى على أحد أن المملكة العربية السعودية لا تفرض أي ضريبة على المعيشة. من جهة أخرى أكد عباس أن الاستقرار السياسي في الأساس هو حاليا من أهم عوامل الجذب للوافدين.

وتحدث عباس عن الفئتين الأخريين من الوافدين وهما فئة الوافدين من الدول العربية، وفئة الوافدين من الدول النامية غير العربية والإسلامية في معظمها. وغالبا ما يأتي أفراد تلك الفئتين بحثا عن دخول أعلى تساعدهم في تحقيق أهدافهم في معيشة أفضل من تلك التي في بلدانهم. وإذا كان الدخل المالي الأعلى هو الذي يجتذب هؤلاء فان الاستقرار السياسي الذي تنعم به هذه البلاد هو الذي يجعلهم يبقون لفترات طويلة قد تمتد لعقود. إذاً فإن الدخل المالي الأعلى والإحساس بالأمان والاستقرار السياسي والاجتماعي هي أهم عناصر اجتذاب وبقاء العاملين من هاتين الفئتين.

وفى الحالات الثلاثة يؤكد عباس أن العنصرين الحاكمين لقدوم الاجانب وعملهم بالمملكة هما عنصر الدخل المادي الأعلى والأمان الاجتماعي ويأتي ذلك نتيجة حالة الاستقرار السياسي الذي تتمتع به المملكة. فيما أكد الباحث في الشؤون السياسية فهد العليان أن العمالة الوافدة في المملكة تحقق دخلا جيدا مقارنة بدول العالم، خصوصاً في طل عدم وجود ضرائب مادية بالإضافة الى رخص المواد الغذائية والمواصلات بشكل عام.

ولكن العليان يشير الى وجود عوائق مهمة تؤرق الوافدين وتتركز تلك العوائق في «ضعف الجانب الحمائي لهم». ويضيف العليان أن النظام في المملكة ليس صارما بالدرجة الكافية ليكفل للجميع الحقوق، فلا يتم تطبيق ساعات العمل النظامية، ولا يتم مراعاة إجراءات السلامة القياسية في بيئة العمل. كما أشار الى نظام الكفيل والذي يتعرض لانتقادات حادة تصل الى تشبيهه بأنه أقرب للعبودية منه للنظام الرأس مالي. ويسترسل العليان قائلاً، «لقد صُدمت عندما علمت أن الوافد أياً يكن، وليس فقط من فئة العمالة يجب أن يحصل على موافقه من كفيله ليتزوج داخل المملكة.»

وبالنظر الى نسبة الوافدين الراغبين بالعودة الى بلادهم والتي تعتبر نسبة مرتفعة نوعا ما، أكد العليان أنه قد أصبح هناك تغيرات إيجابية في كثير من الدول المصدرة للعمالة، وهو ما يشجع البعض للعودة إلى بلادهم والبحث عن فرص عمل هناك بدلاً من معاناة بالغربة. ولعل تركيا أفضل مثال بعد القفزة النوعية التي حدثت في الاقتصاد وارتفاع دخل الفرد خلال العشر سنوات الماضية.

في المقابل هناك وافدون يطمحون لحق الإقامة الدائمة أو الحصول على الجنسية فيها، وهذا شبه مستحيل في المملكة العربية السعودية. لذلك يسعون للذهاب إلى دول مثل أستراليا وكندا، ويعتبرون المملكة ممرا فقط للحصول على المال الكافي لبداية حياة جديدة في دول أخرى. وأرجح العليان الطابع المحافظ للبلاد كعامل أساسي في جذب أو طرد الوافدين. “من الممكن إضافة عامل الطابع المحافظ للبلد وهو ما قد يكون جاذبا لفئة معينة من العمالة المسلمة، وخصوصاً ممن ترافقهم عائلاتهم، ولكنها أيضاً قد تكون عاملا طاردا لفئات أخرى.»

 وفي لقاء آخر لمجلة أريبيان بزنس أكد الكاتب والمحلل الاقتصادي جمال بنون أن المملكة العربية السعودية ستظل إلى نحو 10 سنوات مقبلة واحدة من أهم أسواق العمل التي يطمح الوافدون العمل فيها لعدة أسباب من أهمها انخفاض تكلفة المعيشة وعدم وجود ضرائب وأيضا انخفاض أسعار الخدمات الاساسية مثل الوقود والكهرباء والماء، وأشار الى ان التقرير الصادر عن HSBC الى حد ما صحيح لأنه صنف السعودية في عدة مراكز تشتمل حياتهم الاجتماعية. ويعتقد بنون أن الوضع الراهن بالنسبة لسوق العمل، بعد مهلة التصحيح والقرارات التي صدرت من وزارة العمل كلها تصب في مصلحة العامل الوافد من حيث حقوقه المالية والوظيفية والتأمين الصحي بالإضافة الى التأمين الاجتماعي، مما يعني منح الوافد الكثير من الضمانات التي تجعله يعمل بأمان في السعودية.

وأكد بنون أن ارتفاع نسبة تحويلات العمالة الوافدة بمعدل 20 % خلال الثلاث سنوات الماضية ووصلت الى 120 مليار ريال سنويا، فضلا عن ارتفاع خدمات الشحن والارساليات من مقتنيات. «دليل على أن السعودية سوق مهم للعمل بالنسبة للوافدين وهو ما أهل المملكة لتصبح ثاني أهم رافد للتحويلات المالية عالميا.