تحت المجهر: ميناء الملك عبد الله

يعدُ تدشينُ ميناءِ الملك عبد الله الجديد في مدينتهِ الاقتصاديةِ بمثابةِ معلمٍ بارزٍ لأحد أكثر المشاريع الإنشائية طموحا على مستوى دول الخليج، وعلى مستوى العالم أيضا. وقد قال الرئيس التنفيذي القائم على المشروع إنه من الصعوبة تلبية جميع طلبات العديد من الشركات الريادية للاستثمار في هذا الميناء.
تحت المجهر: ميناء الملك عبد الله
يقود فهد الرشيد مشروع بناء مدينة الملك عبد الله الاقتصادية منذ 7 سنوات.
بواسطة Edward Attwood
الثلاثاء, 01 يوليو , 2014

خلال زيارتنا الأولى قبل عامين لمدينة الملك عبد الله الاقتصادية -الواقعة على بعد ساعة إلى الشمال من مدينة جدة- لم يكن في المكان إلا حفارة واحدة ترفع المئات من الأطنان من الرمال المتواجدة في قاع البحر، لإنشاء ميناء يعد من أضخمِ و أعمق الموانئ التي صنعها الإنسان. ومع التقدم السريع في عام 2014 ارتفع عدد الرافعاتِ في الميناء لتضمّ 8 رافعاتٍ ضخمة، يمكن أن ترفع 2 من حاوياتِ السفنِ العملاقة في نفس الوقت، مع العلم أن هذا الميناء يعدّ ميناء المملكة الأول الذي يموّله القطاع الخاص.

ويعتبر هذا المشروع من أكثر المشاريع العملاقة طموحا في العالم. حيثُ أُعلن عن إنشائه عام 2005، كما تتضمن الخطة الرئيسية لمشروع مدينة الملك عبد الله الاقتصادية بناء مدينة بأكملها، من الصفرِ حتى النهاية على قطعة أرض تبلغ مساحتها مساحة العاصمة الأمريكية واشنطن تقريباً، فيما تبلغ تكلفة المشروع عند اكتماله 100 مليار دولار.

ويرى الرئيس التنفيذي فهد الرشيد المشرف على إنجاز مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، أن البنيةَ التحتية للميناء، وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر يصنعان علامةً فارقة لكل من مدينة مكة المكرمة بشكلٍ خاص، والمملكة العربية السعودية بشكل عام، وصرّح قائلاً «تلقينا الكثير من طلبات الاستثمار في هذا الميناء لذلك هو كنز فريد من نوعه». وأردف قائلاً: «لدينا الآن القدرة على استيعاب 1.3 مليون حاوية، ونخطط لاستيعاب 4 مليون أخرى في العامين القادمين، و7 مليون بحلول عام 2017».

وتابع الرشيد: «نحنُ نتكلمُ هنا عن حوالي 24 % من التجارةِ العالمية التي تستثمر عبر البحر الأحمر، وهذا توجهٌ لم يسبق لأحد أن قام به في ميناء البحر الأحمر؛ لذلك نعتقد أن ميناء الملك عبد الله ذو أهميةٍ كبيرةٍ للمملكة العربية السعودية، وذلك لأن من شأنه أن يخفف من تكاليف الخدمات اللوجستية، أضف إلى ذلك أنه سيمنحنا القدرة التنافسية في مختلف المجالات، لكنه أيضا سيعمل على تغيير الخريطة اللوجستية عالمياً».

واعترف الرشيد بأن هناك نوع من المخاطرة في بناء مثل هذا الميناء والذي بلغ حجم الاستثمار فيه 665 مليون دولار حتى الآن، و ذلك لعدم توفر أي ضمانات مقدمة من خطوط الشحن العالمية لتسهيل عمل هذه المنشأة، لكنهم الآن وأقصدُ خطوط الشحن «يعيدون كتابة شبكاتهم» لإضافة هذا الميناء. وما افتتاح ميناء الملك عبد الله إلا جزء من مشروع مدينة الملك عبد الله الاقتصادية. كما وسيحيط الميناء وادي المدينة الصناعي، وستخصص مناطق للمجتمعات السكنية، ومجموعات التكنولوجيا والجامعات والمستشفيات وهكذا.

وعلى الجانب الشرقي من المدينة ستكون محطة الحرمين نقطة الربط الرئيسية الثانية مع العالم الخارجي، وعندما يتمّ افتتاح الميناء في نهايةِ العامِ المقبل ستصبحُ المدينةُ أحدَ أحدثِ أربع محطاتِ شبكات السكّة الحديدية ذات السرعة الخارقة في المملكة، وهذا من شأنه أن يربط المشروع الضخم مع جدة ومكة والمدينة، وعلى القرب منها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، بينما في الشمال تقع شركة بترورابغ للتكرير والبتروكيماويات أحد أكبر شركات التكرير في العالم.

كثيرةٌ هي الأعمال التي يجبُ أن تُنجز قبل أن تبدأ محطة الحرمين بالعمل، وقد بدأ مشروع المدينة الاقتصادية للملك عبد الله بإقامة قواعد في موقع العمل من خلال 70 شركة، بما فيها شركات متعددة الجنسيات مثل: «شركة مارس وفايزر، وشركة دانون» وشركات محلية عملاقة مثل: «شركة عبد اللطيف جميل ومجموعة الناغي» حيثُ يعمل الجميعُ جاهدين لاستقطاب شركاتٍ متوسطة الحجم، وكذلك شركات ليست في قطاعات محددة استهدفت من قبل. كل هذا يحدثُ تزامنًا مع الخدمات التي تقدمها الهيئة العامة للاستثمار في المملكة العربية السعودية، والتي تقدم التراخيصَ للشركاتَ الأجنبية التي ترغبُ في العملِ في المملكة، معَ العلمِ أنّ هذه الهيئة شهدت تعيين عبد اللطيف العثمان بمنصب محافظٍ جديدٍ قبل عامين.

وقد علق الرشيد على هذا الأمر قائلاً: «بعد تعيين المحافظ الجديد أصبح هناك الكثير من التركيز على قطاعات معينة، سيكون تركيزنا على شركات الأدوية، وعلى السلع الاستهلاكية سريعة الحركة، والبلاستيك، والخدمات اللوجستية. ونعتقد بأن مشروع الوادي الصناعي هو مشروع قوي، كما نعمل على تطويرِ أكثر من نصفه خلال العامين المقبلين».

وأردف الرشيد قائلاً: «هذا يعني 8 مليون متر مربع وزيادة بمقدار 10 أضعاف في تطوير الجبهة الصناعية. في الحقيقة لدينا شركاتٌ ملتزمة بالعمل على معظم هذه الأرض. ولكن هذا لا يعني أننا نعمل على التطوير بناءً على مواصفات العمل، لكننا نعمل على تطويرها بناءً على الطلب.»

كما وتبحث المدينة أيضًا عن استقطابِ شركات التكنولوجيا والاتصالات، مثل شركة الاتصالات المحلية موبايلي التي تنشئ مركز بيانات في المدينة، وشركة طيران الخطوط الجوية العربية السعودية التي ستنقل مكتب المساندة الخلفي، وقسم تكنولوجيا المعلومات بالكامل إلى مدينة الملك عبد الله الاقتصادية. وأضاف الرشيد: «لقد ركزنا كثيرا على استقطاب شركات مراكز البيانات كجزء من التكنولوجيا الخارقة، كما وأعتقد أن المجال الصناعي أصبح تحت السيطرة الآن، ولذلك فإننا سنركزُ الآن أكثر على الصناعات القائمة على المعرفة، لدينا الآن شركات ضخمة لتكنولوجيا المعلومات مثل شركة المراسي لتقنية المعلومات، مما سيسهل انضمامَ شركات تكنولوجيا المعلومات لمدينة الملك عبد الله الاقتصادية».

يندر وجود مثل هذا المشروع العملاق في المملكة السعودية، فالحكومة تستفيد من أسعار البترول المرتفعة لزيادة الإنفاق المباشر على البنية التحتية، بينما تعتمد مدينة الملك عبد الله الاقتصادية على نموذج شراكة القطاعين العام والخاص بمعنى أنها اعتمدت على استثمارات القطاع الخاص حتى خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة. بالإضافة إلى شركة إعمار المدينة الاقتصادية، وهي الشركة التي تتولى بناء مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، والشركة المدرجة داخل سوق الأسهم السعودية، وقد رفعت رأس مالها بقيمة 4 مليار دولار، ورفع مستثمرين آخرين رؤوس أموالهم بقيمة 10 مليار دولار، ومن مبيعات الأرض في تطوير 168 كيلو متر مربع، وكما أن شركة إعمار المدينة الاقتصادية حققت أرباحًا بقيمة 73 مليار دولار خلال عام 2013.

تعمل الحكومة على تقديمِ دعمها ضمن بوتقة القانون العام للمدن الاقتصادية، و الذي وضعته هيئة المدن الاقتصادية، وهي التي تعتبر الهيئة الضابطة، وقد كان لهيئة المدن الاقتصادية دورٌ فاعلٌ في ضمان تقديم مدينة الملك عبد الله الاقتصادية لقيمة مختلفة عن المواقع المنافسة في المملكةِ، وعبر الخليج، حيث عُرض على كل من الأفراد والشركات على حد سواء ما نسبته 100 % من الملكية الأجنبية، ومنطقة للمستبعدين تسمح بمرور البضائع دون وضع أي جمارك عليها. بالإضافة إلى خدمات الحكومة في المدينة التي تقدم على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع.

وفي أثناء بناء المدينة بالكامل من الصفر، واجه الرشيد وفريقه لغزاً محيراً: هل نبني المدينة أولاً ثم ننتظر وصول طلبات الاستثمار؟ أو هل نحصل على طلبات الاستثمار ومن ثم نبني المدينة؟

أما الإجابة فقد أكدت أن الطريقتين لن تكونا مثاليتين، فالذي حاولت مدينة الملك عبد الله الاقتصادية القيام به في الوادي الصناعي هو إقامة البنية التحتية كالطرقات والكهرباء والمجاري وهكذا في مكانها، حتى تتمكن الشركات من التقدم في عملياتها عند التوقيعِ، وبالنسبة للإسكان تقرر بناء المنازل على فترات في محاولة لتلبية طلبات الاستثمار.

وقال الرشيد: «هذه المشاريع كانت صعبة جدًا لأن مدينة الملك عبد الله ليست مدينةً فضائيةً، وليست بناءً مقابل طلبِ الاستثمار في مدينة قائمة. إذ إنّ ساعة تفرقنا عن جدة تعتبر بمثابةِ مسافةٍ كافيةٍ لتجعل من عمليةِ التنقل مستحيلةً، لذلك كان على الناس الاختيار، كما واجهنا الكثير من الطلبات على العقارات لفترة طويلة».
وأضاف الرشيد: «لكننا توجهنا بعد ذلك نحو تحقيق هذه المطالب من خلال توفير هذا الدعم وتغير الأمر تمامًا، حيثُ أنّ جميع الشقق لدينا كاملةٌ، ولدينا قوائم انتظار لمئات الأشخاص».

وأشار المدير التنفيذي إلى أن كل 70 شركة تنتقل إلى المدينة ستجلب معها ما بين 100-500 موظف، بينما وصلت قائمة الانتظار للشقق الفردية إلى 500 اسم.

وأضاف الرشيد: «ما زلنا متخلفين عن توفير عدد الشقق المناسبة، لذلك نعمل حالياً على بناء 5000 وحدة سكنية لكن هذا لن يكون كافياً من وجهةِ نظري، ولن أبالغ إن قلت إنه يجب أن نبني 12000 وحدة سكنية خلال الثلاث سنوات القادمة».

«إن قضية َالإسكان لا تشغل المدينة الاقتصادية وحدها، بل هي مصدرُ قلقٍ بالغٍ للمملكة بشكل عام، فارتفاع الأسعار جعل الكثير من السعوديين غير قادرين على شراء منزل جديد، بينما الخطط التي وضعت حديثًا من وزارة الإسكان لبناء مئات الآلاف من المنازل يشوبها البطئ عند تنفيذها على أرض الواقع، ستكون هناكَ خطة برنامج الإسكان بأسعار معقولة ذات أهمية كبيرة للمدينة، وهو برنامج لطالما ناقشناه لكنه لم يلقَ أي صدى من مجلس التعاون الخليجي».

ويردف الرشيد قائلاً : «إن مشروعَ مدينة الملك عبد الله الاقتصادية سيوفر منازل بأجورٍ مناسبة لكافة طبقات المجتمع من طبقة العمال إلى الطبقة الراقية، و إن برنامج الإسكان سيكون بأسعاٍر معقولة حيثُ سينطلق بعد شهرين ، لكنه اعترف أيضا بأن تكاليفَ البناءِ، والقدرة على تحملِ التكاليفِ هما بمثابةِ التحدي الأكبر الذي يواجه المدينة في الوقت الراهن، ولذلك ربما ينتج عنهما بعض الفجوات في الميزانية العمومية.

وأضاف الرشيد: «إن كنت تحاول معالجة ما نسبته 100 % من السوق، فإن 15 % فقط من السوقِ ستكونُ في ارتفاع، وأن 85 % المتبقية ما هي إلا أسعار حساسة، لذلك إن حصلت أيةُ تغييراتٍ في التكاليفِ بنسبة 10 % على سبيلِ المثال، فإن هذا البرنامج مآلهُ الفشل».

تكمن مشكلة برنامجِ الإسكانِ بأسعارٍ معقولةٍ في أنّ الأسعار يجب أن تكون أسعارًا معقولة وإلا فإنها لن تستطيع إنشاءها ، وليس هناك أي طريقة أخرى، و سيوفر البرنامج منازل جيدة الحجم ومستدامة بيئيًا، ولن نستهدف جميع قطاعات الإسكان لكننا سنستهدف الحد الأدنى لكلمة «معقول»، وإلى جانب المنازل فهناك البنية التحتية الاجتماعية حيثُ أنشأنا أكاديمية العالم التي تديرها مؤسسة جيمس GEMS وهي المدرسة الأولى في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، وفي عامها الدراسي الثاني، وتستضيف 250 طالبًا بقدرة استيعابية تصل إلى 600 طالب.

ومرة أخرى فإن المطلب لهذه المدرسة هو زيادة قدرتها الاستيعابية إلى 1100، لكن الرئيس التنفيذي يقول بأن هناك خطط لإنشاء مدرستين متوسطتين. وتتفاوض مدينة الملك عبد الله الاقتصادية مع الحكومة لبناء 3 مدارس عامة أخرى، كما و تتوفر عيادة في المدينة ويبنى مستوصف، ويقول الرشيد بأن القائمين على المدينة يجرون محادثاتٍ مع السلطات حول اقتراح شراكة بين القطاعين العام والخاص لإنشاء مستشفى جديد.

افتتح فندق المدينة الأول و فندق «مارينا بي لا سن» منذ 7 أشهر، إلى جانب العمل على إنشاء 8 أو 10 فنادق أخرى، بالإضافة إلى إنشاء ملعب للغولف، وحديقة للنشاطات، ونادٍ رياضي مع نهاية العام المقبل. وعند إلقاء نظرة على قسم العقود لمدينة الملك عبد الله نرى أن هناك مؤشرا على العمل القائم في المدينة وحصولها على 100 عقد في عام 2013، و7 عقود أخرى حتى الآن خلال هذا العام، كما وسيتم بناء مركز تسوق بالقرب من محطة الحرمين.

أما عن مركز التسوق فقد قال الرشيد: «نريد أن نوفر كل ما تحتاجه الأسرة في هذا المركز، كما وسنضع فيه كل أدوات التسلية والترفيه، وسنقدم أشياء أخرى غير موجودة في أي مكان آخر، فنحن نسعى ليكون مكاناً يستحق التوجه إليه، ويستحق عناء استخدام السكة الحديدة عالية السرعة للوصول إليه خلال نصف ساعة».
وأضاف قائلاً: «سنضع الكثير من الخطط لنجعله مكانا مثيرا للاهتمام في السعودية؛ لأننا نعتقد أنه عناءٌ يستحق التفكير، وسنعملُ على استثمار أموالنا فيه كما فعلنا في الميناء».

ويعد مركز التسوق عنصرًا أساسيًا ضمن استراتيجية مدينة الملك عبد الله الاقتصاديةِ المستقبليةِ لاستقطابِ وجذبِ السياح، حيث سيزدادُ عدد الحجاج إلى المملكة العربية السعودية من أجل الحج والعمرة من 10 مليون إلى 20 مليون، ويربط موقع المدينة على سكة حديدية عالية السرعة بين مدينتين مقدستين يُجذب إليهما عددٌ هائلٌ من الزوار.

ويقول الرشيدُ أن السياحة «طريقتنا الكبيرة للتقدم إلى الأمام، وتستهدف عطلةَ نهايةِ الأسبوعِ، وعطلة المسافرين من العربية السعودية، وتستهدف كذلك رجال الأعمال والسياح من خلال المعارض والمناسبات والمنتديات وهكذا. كما ونأمل أن يروق الوضع للعديد من السعوديين الذين يزورون المدينة، ويبحثون عن وظائف، وبالتالي المكوث هناك». حيث يؤكد الرشيد أن مدينة الملك عبد الله الاقتصادية قد خلقت 17000 وظيفة وتسعى للوصول إلى 27000 وظيفة بحلول عام 2020. بصراحة يبدو أنه مرتاح جدا من حجم الضغط الملقى على عاتقه. لكن النتائج المترتبة حتى الآن مدهشة جدًا!

ويختم الرشيد بالقول: «إنها مدينةٌ ممتعة، كل يوم هناك شيءٌ جديد، وهذا يمنحك الحافز للقيام بشيء أكبر. هذا عامي السابع والأمر مدهش، وأعمل بجد أكثر من ذي قبل».

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج