بنك سعودي يستخدم القهوة والذكاء الاصطناعي للوصول إلى الشباب

يستخدم أقدم بنك في المملكة العربية السعودية -وهو على أعتاب اندماج تاريخي- كل من الذكاء الاصطناعي والقهوة، للوصول إلى الشباب السعودي المطلّع على أحدث التوجهات التقنية.
بنك سعودي يستخدم القهوة والذكاء الاصطناعي للوصول إلى الشباب
بواسطة تميم الحكيم
الإثنين, 04 مارس , 2019

تخيّل أنك موجود في مركز تسوّق بالمملكة العربية السعودية، وقد قضيت ساعات تتجوّل باحثًا عن الحذاء المثالي، أو حتى أحدث الأدوات التقنية، وقد أصبحت منهكًا وعطشًا وتحتاج إلى تناول مشروب منعش، ومن ثم فإنك بحثت عن أقرب مقهى وطلبت قهوة وكرواسون غني بالجبن واسترخيت على كرسي أريكة مريح، إلا أن الحقيقة هي أنك لست في مقهى من الأساس، بل أنت موجود في أحد أفرع أقدم بنوك المملكة العربية السعودية، وهو «البنك الأول».

لكن لا تنخدع بتاريخه الممتد لعقود من الزمان، فهو ليس بنكًا قديماً، فليس عليك سوى أن تنظر حولك إلى الشاشات المُشغّلة بالذكاء الاصطناعي التي تجذب المتسوّقين بالعروض على المنتجات، والخدمات، وبطاقات الائتمان، وطبعًا القهوة.


إن الأدوات ذات التقنية الحديثة التي يستخدمها البنك الأول – المعروف سابقًا باسم البنك السعودي الهولندي – تجعل حاله مختلفًا تمامًا عما كان عليه في وقت تأسيسه في عام 1926، قبل ست سنوات من تأسيس الملك عبد العزيز بن سعود للمملكة العربية السعودية.
لقد تأسس أصلًا هذا البنك – الذي يعني اسمه في اللغة العربية «الأول» – في مدينة جدة على يد كيان هولندي يدعى جمعية التجارة الهولندية (the Netherlands Trading Society). وفي ذلك الوقت كان الحجاج المسلمون القادمون من جزر الهند الشرقية الهولندية (المعروفة الآن باسم دولة إندونيسيا) في حاجة ماسة إلى الخدمات وهم في رحلتهم الطويلة إلى مكة.


يقول السيد سورين نيكولاجسن، المدير العام للبنك الأول، أن «الملك فيصل ذهب إلى أمستردام، ولم تكن رحلة كهذه سهلة في تلك الأيام كما هو الحال الآن. وبعدها حصل الهولنديون على الموافقة التي أرادوها وفتحوا بنكًا».


وخلال السنوات التي تلت رحلة الأمير فيصل التاريخية، لعب البنك دورًا رئيسيًا في تنمية اقتصاد المملكة العربية السعودية الناشئ قبل اكتشاف النفط. وكان للبنك دورًا في أول عملات ورقية تُطبع في المملكة، وموّل أول استيراد لسيارات شركة فورد، والأهم من ذلك أنه سهّل سداد أول صادرات النفط السعودي – وكل هذا في وقت كان يحتفظ فيه وزير المالية السعودي بالسجلات الاقتصادية للدولة في دفتر كتابي في جيبه.

أوقات جديدة وتدابير جديدة
وبالانتقال إلى القرن الواحد والعشرين، وبعد استحواذ رويال بنك أوف سكوتلاند (RBS) وبنك سانتاندر وبنك فورتيس على بنك ايه.بي.ان امرو في عام 2007، وتغيير العلامة التجارية للبنك في عام 2016، ليصبح اسمه البنك الأول، نجد أن الروابط التي تربط بين البنك وهولندا قد اختفت. وقد أصبح البنك الآن مؤسسة سعودية خالصة، وهو أحد بنوك الفئة المتوسطة في المملكة، وقد بلغ ربحه الصافي في عام 2018 أكثر من 301 مليون دولار أمريكي.
ويولي البنك اهتمامًا أكبر في هذه الأيام لكيفية الوصول إلى سكّان السعودية البارعين في أمور التكنولوجيا – 65 في المائة منهم تحت سن 30 عامًا. يقول السيد نيكولاجسن «إن هواتفهم المحمولة جزء أساسي في جميع جوانب حياتهم، ويعني هذا أن علينا أن نجيد هذا الأمر للغاية حتى تعرف كيفية التعامل مع العملاء. إننا نستمع لعملائنا بصفة مستمرة فيما يخص ما يريدونه من حيث سهولة إمكانية الوصول.»
وهذا هو دور مقهى/فرع «ابدأ» الخاص بالبنك الأول. وافتُتح ذلك الفرع التجريبي في عام 2017، على سبيل الشراكة بين البنك الأول وكوستا كوفي، في مول النخيل دائم الازدحام بالرياض. ويقول السيد نيكولاجسن أن الفرع يستخدم القهوة والكرواسون «كوسيلة جذب» لجذب العملاء المحتملين، ويحدث هذا عادةً دون أن يعرف هؤلاء الأشخاص المكان الموجودين فيه.
فيقول السيد نيكولاجسن «أن العملاء يدخلون مركز التسوّق هذا ويتجهون مباشرةً إلى ردهة الطعام، ويجدون أنفسهم فجأة في أحد المقاهي». وأضاف «إنهم يكتشفون فجأة المكان المتواجدين فيه، ولم يعرفوا من الأساس أنهم بداخل بنك، فلا يذهب أي شخص إلى البنك لأنه يرغب في ذلك، بل يذهب لأنه يكون مضطرًا إلى ذلك.»
وقد نجحت تلك الطريقة الذكية حتى الآن، فيقول السيد نيكولاجسن أن هذا الفرع هو الفرع الأكثر نشاطًا «على الإطلاق» من بين أفرع البنك الأول الأخرى الموجودة في مختلف انحاء المملكة، والتي يبلغ عددها 65 فرعًا.
ويقول السيد نيكولاجسن، وهو يهز رأسه «لم نتوقع هذا نهائيًا. إننا نتعلم الكثير من الأمور من خلال وجود هذا الفرع، فلدينا نسبة أكبر من العملاء الشباب ونسبة أكبر من العملاء الإناث، لأن تلك هي نوعية الأشخاص الذين يدخلون مركز التسوّق.»
وأضاف أن الفرع مُشغّل بأنواع التكنولوجيا التي يسعى البنك الأول في ردائه الجديد بشكلٍ فعال لاستخدامها.
ويقول أيضًا «يمكنك طلب كوب كابتشينو والجلوس. وإذا كنت ترغب في الحصول على حساب بنكي جديد أو بطاقة خصم مباشر، فيمكنك إدخال بياناتك والحصول على بطاقة الخصم المباشر في الموقع خلال 10 دقائق، وقبل حتى أن يبرد كوب الكابتشينو. وكان هذا الأمر في السابق يستغرق بضع ساعات في أفضل الحالات، أو حتى أسبوعين».

العودة إلى مدرسة الذكاء الاصطناعي
وأضاف السيد نيكولاجسن أن الواقع الجديد يتطلب وجود عمالة جديدة مُجهّزة لتلبية مطالب بنوك القرن الواحد والعشرين. وتحقيقًا لهذه الغاية، فقد أصبح البنك الأول، في شهر يناير، هو أول بنك في الشرق الأوسط يقدّم التدريب الأساسي على الذكاء الاصطناعي لجميع العاملين فيه، ومنهم السيد نيكولاجسن نفسه.»
ويقول السيد نيكولاجسن «إن هذا التدريب ليس متاحًا لموظفي تكنولوجيا المعلومات أو العاملين في الخدمات البنكية للأفراد فقط، بل إنه متاح لجميع موظفي البنك، من الإدارة العليا وما دونها».
وحسب كلام السيد نيكولاجسن، فإن الدورة المُقدّمة عبر الإنترنت، التي صممتها الشركة الفنلندية ريكتور (Reaktor)، تتضمن ورش عمل يديرها خبراء تم إحضارهم من فنلندا لإعطاء موظفي البنك الأول نظرة عامة عما بإمكان الذكاء الاصطناعي تقديمه في القطاع البنكي. ويعترف السيد نيكولاجسن بأنه «لم يكن متأكدًا» بخصوص كيفية تلقي تلك التعليمات داخل الشركة، إلا أن الدورة الأولى جذبت ثلاثة أضعاف الموظفين الذين يمكن للدورة استيعابهم.
ويشير السيد نيكولاجسن إلى أن «الهدف من (الدورة) لم يكن جعل الجميع خبراء في الذكاء الاصطناعي، وأن ما استفدته من الدورة هي حقيقة الذكاء الاصطناعي وما يمكنه فعله. وما حققته الدورة أيضًا هو إلقاء الضوء على الأوصاف التي لا تنطبق على الذكاء الاصطناعي، حيث هناك قدر كبير من المبالغة في هذا الخصوص.»


وتشديدًا على هذه النقطة، فيشير السيد نيكولاجسن إلى الصور التي تظهر عند البحث عن الذكاء الاصطناعي على الإنترنت. فيقول وهو يبدو عليه الاستياء بعض الشيء «ابحث عن صور للذكاء الاصطناعي على جوجل، ولن تظهر لك سوى شاشة مليئة بمجموعة من الصور الزرقاء لرجال آليين يشبهون المدمر من فيلم Terminator وأمخاخ بشرية. وهذه بالضبط هي الأوصاف التي لا تنطبق على الذكاء الاصطناعي، فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع التفكير ولا يتمتع بالوعي أو الإدراك، وهو لا يستطيع سوى فعل الأمور التي نحددها نحن البشر له.»
وفي حالة البنك الأول، فيقول السيد نيكولاجسن أنه يعتقد أن بإمكان الذكاء الاصطناعي المساعدة في معالجة البنك وتحليليه للقدر الهائل من البيانات التي يعالجها، وكشف عمليات الاحتيال، وتحسين تجربة العملاء، ومساعدة السعوديين في تعليم الثقافة المالية.
وأضاف السيد نيكولاجسن «إن إحاطة الجميع (في البنك الأول) بماهية الذكاء الاصطناعي وحدوده هو أمرٌ في غاية الأهمية. ويجب علينا جميعًا أن نعلم أن طريقة العمل تتغير، لأن عملاؤنا يريدون أداء الأعمال البنكية بشكلٍ مختلف، وعلينا أن نكون مستعدين لذلك».

البنك الأول في ردائه الجديد
إن تعليقات السيد نيكولاجسن قد جاءت في وقت أصبحت فيه أيام البنك الأول بشكله الحالي معدودة. ففي شهر أكتوبر، أعلن البنك السعودي البريطاني (ساب) – وهو بنك سعودي عريق آخر تعود بدايته إلى خمسينيات القرن الماضي – عن موافقة مجلسي إدارة البنكين على الاندماج، وهو ما سيسفر عن وجود ثالث أكبر بنك في المملكة بشكلٍ عام، وثاني أكبر بنك شركات في المملكة من حيث الأصول المجتمعة.
ويقول السيد نيكولاجسن أن مؤسستا الإقراض ستصبحان قانونًا مؤسسة واحدة في النصف الأول من عام 2019، وسيستفيد العملاء من وجود بنك أكبر وأفضل بإمكانه فعل جميع الأمور التي يمكن للبنك الأول فعلها في الوقت الحالي وفعل أمور أكثر من ذلك.
وأضاف السيد نيكولاجسن «إننا نستهدف إنشاء أفضل بنك في المملكة على مستوى شرائح العملاء المختلفة. إن البنكان متشابهان نسبيًا، فهما بنكي شركات تقليديان، وكان معظم التركيز يصب على خدمات الشركات (إلا) أن البنكان يبذلان جهودًا لزيادة الخدمات البنكية المُقدّمة للأفراد.»
ويحدث الاندماج في وقت يشهد فيه اقتصاد المملكة العربية السعودية تغييرات هائلة تركّز بدرجة أكبر على القطاع الخاص.
ويقول السيد نيكولاجسن «عندما تنظر إلى ما يتطلّبه تمويل الأشياء في القطاع الخاص، وتمويل المشاريع والخصخصة من منظور البنوك، فستحتاج إلى تحجيم وقدرة. وإن الاندماج في انسجام تام مع التغييرات التي تجري في المملكة.»
وقد سارع السيد نيكولاجسن بالإشارة إلى الأهمية البالغة للرسالة التي سيرسلها الاندماج إلى البنوك السعودية الأخرى وإلى العالم أجمع، بخصوص ما يمكن في الاقتصاد السعودي، وهي أن المملكة يتوفر لديها البنية التحتية والبيئة الرقابية التي ستحتاج إليها في المستقبل.
فيقول السيد نيكولاجسن « يُسمح للسوق المالي بالمملكة العربية السعودية فعل ما يُسمح للأسواق المالية فعله، فينظر السوق إلى الأمور من منظور تجاري، هل هي منطقية بالنسبة للطرفين؟». وأضاف أن «كان هناك تصوّرًا بأن هذا لم يكن سيُسمح به في المملكة العربية السعودية... ويرسل هذا رسالة قوية للغاية إلى باقي العالم.»

نظرة إلى الماضي
حتى مع اتجاه البنك الأول وبنك ساب إلى مستقبل مندمج جديد، يقول السيد نيكولاجسن – الذي يضع في مكتبه صورة للأمير فيصل مع المسؤولين البنكيين التنفيذيين في أمستردام في عام 1926 – أن البنك لن ينسى تاريخه أبدًا. ويقول أنه كما أن الذكاء الاصطناعي والقهوة سيقودان البنك إلى المستقبل، فسيكون لعلاقة البنك الطويلة مع السعوديين نفس الدور.
«يرتبط عملاؤنا بالبنك بطريقة لا يمكن شراؤها. فلا أحصي عدد الاجتماعات التي عقدتها مع عملاء وتطرقت فيها المحادثة إلى عندما فتح والد العميل أو جده أول حساب بنكي لدينا، فبيننا وبين العملاء ترابط، وهو أمر لا يُقدّر بثمن. ويجب علينا أن نتأكد من حماية هذا الإرث.»

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج