مؤشرات إيجابية تبشر بتنامي زخم أداء الأسواق الخليجية في 2019

مع ارتفاع أسعار الفائدة واستقرار أسعار النفط، بدأت اقتصادات منطقة دول مجلس التعاون الخليجي تُظهر علامات تحسنٍ على مستوى محركات أسواقها المحلية والذي يتزامن معه زخمٌ متصاعد من الانتعاش وظهور مؤشرات إيجابية.
مؤشرات إيجابية تبشر بتنامي زخم أداء الأسواق الخليجية في 2019
بقلم: نادي البرغوثي، مدير تنفيذي - رئيس خدمات إدارة الأصول في "بنك الإمارات للاستثمار"
بواسطة أريبيان بزنس
الثلاثاء, 08 يناير , 2019

يمكن لهذه البوادر المُبشِّرة أن تساعد في تعويض التأثير السلبي للأوضاع الجيوسياسية التي لا تزال تشكل مصدر قلقٍ بالنسبة للمستثمرين، بما من شأنه تحسين معنوياتهم مع دخولنا عام 2019.

إذا ما نظرنا إلى القطاع المصرفي على سبيل المثال، نجد بأن أسعار الفائدة التي هي في مرحلة إرتفاع  إلى جانب تراجع المخصصات- تماشياً مع المتطلبات التنظيمية- قد خلقت بيئةً مواتية للبنوك لتحقيق أداءٍ قوي خلال العام 2018. وقد ساعد ذلك المصارف الإماراتية على تحقيق نموٍ إيجابي خلال العام لا سيَّما "سوق أبوظبي للأوراق المالية" الذي سجل خلال الربع الثالث نمواً بنسبة 1.8% على أساس سنوي في إجمالي أرباح الشركات المدرجة.

في الواقع، شهدت بنوك أبوظبي نمواً صحياً في الأرباح خلال الربع الثالث بنسبة بلغت 10.5٪ مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي، في حين حققت بنوك دبي نمواً بنسبة 8.5٪ خلال الفترة نفسها. ونرجح استمرار زخم النمو الإيجابي هذا في ظل التوقعات بأن  تواصل أسعار الفائدة ارتفاعها خلال العام 2019.

وفي المقابل، نجد بأن التوقعات بخصوص القطاع العقاري أكثر تبايناً، فمن جهة نشهد عدداً من التطورات الإيجابية في هذا القطاع والتي من المفترض أن تسهم في تحسين الأداء من الناحية النظرية، مثل انخفاض أسعار العقارات والحوافز الجذابة التي يقدمها المطورون المحليون لتسهيل الاستثمار العقاري بحيث يصبح معقولاً بشكل أكبر. ومن جهة أخرى، فإن استمرار نمو المعروض ليتجاوز حجم الطلب الفعلي في السوق واستمرار أسعار الفائدة في مسارها الصعودي، يجعل احتمال تعافي القطاع في المدى القريب أمراً غير مُرجّح. وبدلاً من ذلك، قد نشهد فترة تصحيح بحيث تستقر فيها الأسعار لبعض الوقت قبل أن تبدأ في الارتفاع مرة أخرى. فارتفاع أسعار الفائدة المصرفية، وبالتالي ارتفاع معدلات الفائدة على قروض الرهن العقاري، بجانب زيادة الرسوم الإدارية المرتبطة بالرهن العقاري والتي تفرضها مؤسسات الإقراض، تمثل مجتمعة عقبات إضافية يضعها المستثمرون بعين الاعتبار قبل التفكير في إجراء استثمار عقاري.

ويمثل النشاط الملحوظ في قطاع الاندماج والاستحواذ ظاهرة إيجابية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عموماً، ومنطقة دول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص حيث بلغت قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ هذا العام أكثر من 10 مليارات دولار، ما يمثل زيادة بنسبة 3% مقارنة بالعام الماضي. ويشهد القطاع المصرفي الخليجي بالفعل مستوى متصاعداً من التحالفات والاندماجات التي من شانها أن تنتج كيانات متكاملة وبنوكاً تتسم برسملة أفضل وكفاءة أعلى وتكاليف أقل في سوق عالية التنافسية. وينطبق ذلك بصفة خاصة على هذه المنطقة التي اتسمت تاريخياً بكثرة عدد البنوك العاملة فيها والتي تزيد عن حاجة السوق.

وبعد اكتمال الاندماج بين "بنك أبوظبي الوطني" و"بنك الخليج الأول" بنجاح هذا العام، من المتوقع أن نشهد المزيد من الاندماجات في السوق، حيث تم الإعلان عن وجود محادثات في مراحلها المبكرة (أو شائعات) بخصوص نية عدة بنوك في المنطقة الاندماج فيما بينها، بما في ذلك "بنك أبوظبي التجاري" و"بنك الاتحاد الوطني" و"بنك الهلال" في دولة الإمارات، و"بنك الشارقة" و"بنك الاستثمار" أيضاً في دولة الإمارات، و"البنك السعودي البريطاني" و"البنك الأول" في المملكة العربية السعودية، و"بنك عُمان العربي ش.م.ع.م" و"بنك العز الإسلامي ش.م.ع.ع" في سلطنة عمان.

ولا يقتصر هذا الاتجاه الإيجابي في أنشطة الاندماج والاستحواذ على القطاع المصرفي، حيث شهدنا زيادة مماثلة على هذا الصعيد في قطاعات أخرى كالرعاية الصحية والتعليم والتكنولوجيا. وتشير التوقعات إلى أن هذا الاتجاه سيستمر في العام 2019، ومع استمرار القطاعات المذكورة في جذب استثمارات أجنبية مباشرة وتنامي التركيز عليها ودعمها من جانب الحكومات الإقليمية، فمن المتوقع أن تحقق المزيد من النمو خلال العام المقبل.

في الواقع، تلعب الحكومات في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي دوراً متناماً في تحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز ثقة المستثمرين في الأسواق الإقليمية. وباعتباره أحد القطاعات الناشئة في المنطقة، ما زال قطاع التكنولوجيا على رأس جدول أعمال الحكومات التي أولته اهتماماً خاصاً، كما شهد إطلاق مجموعة واسعة من المبادرات وحاضنات الأعمال الداعمة بهدف دعم و استقطاب مواهب طموحة في هذا المجال إلى المنطقة. وعلى الرغم من أنه ليس واضحاً جداً حتى الآن، إلا أن الاستثمار في التكنولوجيا قد ارتفع خلال الأشهر الـ18 إلى الـ24 الماضية، ومن المتوقع أن يستقطب القطاع المزيد من الاهتمام والدعم خلال العام 2019 وما بعده.

وتشهد أسواق الأسهم الإقليمية حتى الآن تراجعاً ملحوظاً في الأداء، الأمر الذي يمكن اعتباره أيضاً مؤشراً على تراجع معنويات المستثمرين. وعلى الرغم من أن تقييمات أسهمها تعتبر جذابة عند هذا المستوى السعري وتقدم واحداً من أفضل عوائد الأرباح في العالم، إلا أن المستثمرين يواصلون تجنبها والإبقاء على السيولة جانباً بانتظار محفز قوي للدخول. وتمثل العوائد الجذابة التي تقدمها الأسهم المدرجة في المنطقة أساساً طبيعياً لتقييمات أسعارها كما تساعد في خلق الاستقرار المطلوب في السوق، وهو ما يفسر التفوق النسبي لأداء الأسهم المدرة للعوائد المرتفعة. وبطبيعة الحال، يحتاج المستثمرون إلى التحرك بحذر واختيار أسهم الشركات التي تطبق نهجاً حكيماً في إدارة ميزانياتها العمومية ويمكنها توليد تدفقات نقدية إيجابية على نحو مستدام. ومع ذلك، لا تزال السيولة تمثل تحدياً في الأسواق الإقليمية، ويبدو أن التقييمات والعوائد الجذابة لا تكفي لاستقطاب المستثمرين وعودة رؤوس الأموال إلى الأسواق من جديد. ولوضع الأمور في نصابها، يعتبر "سوق دبي المالي" في الوقت الراهن أكثر الأسواق جاذبية في منطقة الخليج من حيث أسعار الأسهم، حيث يبلغ مكرر ربحية السوق حالياً 8.7 مرة، ومن المتوقع أن يبلغ مستقبلاً 7.3 مرة، كما يوفر عائداً بنسبة 6% في المتوسط من توزيعات الأرباح. 

والشيء نفسه ينطبق على مكونات السوق والمشاركين فيه عموماً، حيث يعتبر المشترون المحركون لنسق أداء السوق في الوقت الراهن، وتعد الانتقائية أبرز سماتهم. ولكي تتحسن معنوياتهم، لا بد من وجود محفز يشجعهم على ضخ سيولتهم في السوق بثقة وطمأنينة.

وعلى الرغم من الخطوات العديدة والمهمة التي اتخذتها حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لجذب المستثمرين والاحتفاظ بهم، إلا أن ثمار تلك المبادرات لم تظهر بعد حيث لا يزال المستثمرون بانتظار المزيد من الإصلاحات، لا سيما على المستوى التنظيمي. ويُعتبر تحسين الرقابة التنظيمية على الأسواق من أهم متطلبات المستثمرين الإقليميين والأجانب من أجل إعادة ضخ رؤوس أموالهم في أسواق المنطقة، على أن تتزامن هذه الخطوات الإصلاحية مع إدخال تحسينات كبيرة على مستوى حوكمة الشركات والشفافية.

وإن حدث ذلك، فيسهم ليس فقط جذب رؤوس الأموال مجدداً، بل سيشجع على الأرجح الشركات الإقليمية الخاصة على اختيار الإدراج في الأسواق المحلية بدلاً من اختيار الأسواق الدولية التي تتمتع بمستويات أفضل من حيث التنظيم والأمان والنضج. وأخيراً، من شأن تحسُّن الوضع الجيوسياسي، على الرغم من كونه خارجاً عن إرادة الجهات التنظيمية، إعادة الثقة إلى الأسواق وتقديم محفزٍ رئيسي لعودة المستثمرين بوتيرة أقوى.

لا شك بأن ثمار هذه التغييرات والخطوات المختلفة لتحسين أداء الأسواق ستستغرق بعض الوقت لكي تتجسد على أرض الواقع، ولكن التقدم التدريجي في الاتجاه الصحيح، وإن كان بطيئاً، سيعطي المستثمرين سبباً كافياً لتغيير نظرتهم تجاه أسواق المنطقة وبالتالي معاودة ضخ استثماراتهم فيها.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة