حجم الخط

- Aa +

الأحد 6 يناير 2019 02:45 م

حجم الخط

- Aa +

كيف أصبح عبد القادر الريس من أبرز الفنانين التشكيليين في الوطن العربي؟

عندما انطلق المؤتمر الافتتاحي للمعرض الفني في باريس، لم يتكلم الفنان عبد القادر الريس كثيراً، بل اقتصر خطابه على شكر الحضور قوله «أفضّل أن تتكلم لوحاتي عني». فمنذ أيام الطفولة، كان اهتمام الريس دوماً يتمحور حول الفن فقط، وهو لا يحب الكلام. ولكنه في هذا الحوار يسرد أبرز الأحداث في مسيرته الفنية والتي تمتد حتى الآن إلى أكثر من 50 سنة.

كيف أصبح عبد القادر الريس من أبرز الفنانين التشكيليين في الوطن العربي؟

تجلس أريبيان بزنس مع الفنان الإماراتي عبد القادر الريس ليتحدث عن تطور مسيرته الفنية من أيام دراسته في الكويت إلى عودته للإمارات وبروز اسمه بين الفنانين حول العالم ليقيم أول معرض استعادي له في باريس.

ماذا يعني لك إقامة أول معرض فني استعادي في باريس؟
بالنسبة لكل فنان، فإن الوصول إلى باريس يعتبر حلم. وتقوم فكرة المعرض الاستعادي على تجميع الأعمال منذ دخولي في عالم الفن. أقدم الأعمال التي عرضت كانت من انتاج سنة 1966، وكنت قد رسمتها في الصف السادس الابتدائي. ويشمل المعرض 68 لوحة من ضمنهم عشر لوحات «سكيتشات» بعضها انتجتها في بداية السبعينات وبعضها انتجتها بعد أن عدت إلى الرسم حيث كنت قد توقفت عن الرسم لمدة 12 عاماً.

كيف بدأت مسيرتك الفنية وما هي أبرز توجهاتك في الفن؟
شاءت الأقدار أن توفي والدي حيث كنت صغيراً، واضطرت والدتي لإرسالي إلى الكويت للتعلم في مدارسها. وفي الحقيقة كانت فترة الستينات هي العصر الذهبي للتشجيع الثقافي في الكويت.
وفي العام 1974 أقمت أول معرض شخصي وكان في دولة الإمارات. وشمل ذلك المعرض على أبرز أعمالي حينها من ضمنهم لوحة «عبيد وموزة» ولوحة «خوف»، إلى جانب مجموعة أخرى من اللوحات حول التراث المعماري لدينا في الإمارات.
ويلاحظ زوار المعارض التي أقيمها أن لدي بعض الأعمال التي تتعلق بأمور غير التراث، حيث أن التراث أمر مفروغ منه وأساسي بالطبع. ولكني أملك بعض اللوحات عن اللاجئين ومن ضمنها لوحتين تتعلق ببيروت في فترة الثمانينات.
وفي تلك الفترة، لم أعرف سبب هذا التوجه أو لماذا رسم هذه اللوحات، علماً أني كنت الوحيد من الفنانين الخليجيين الذين يرسمون عن اللاجئين. بعد مرور فترة طويلة وجدت أن السبب كان الرابط الشخصي بيني وبينهم، حيث كنت يتيماً وبعيداً عن بلدي.
فقد مرت حوالي 10 سنوات لم أرجع فيها إلى دولة الإمارات، بسبب الوضع المادي وصعوبة السفر في تلك الأيام.
بدأت بالعودة إلى الإمارات بعد بيع بعض اللوحات في الكويت، حيث كان الناس يقبلون على شراء أعمالي وأنا في المدرسة.

كم كانت قيمة لوحاتك في تلك الفترة؟
أذكر أول لوحة بعتها في حياتي كانت قيمتها 30 دينار كويتي (في العام 1969)، وكانت تلك اللوحة عن اللاجئين أيضاً.
وعندما أقمت اول معرض في دبي، كانت أعمالي لا تتجاوز قيمتها 1000 أو 2000 درهم إماراتي (في العام 1974). وبعد عودتي للرسم، كانت تباع لوحاتي في العام 1987 بحوالي 5000 درهم إماراتي، وبعت إحدى اللوحات في العام الذي يليه بسعر 10000 درهم وكان هذا أعلى سعر حتى تلك الفترة.
بعد ذلك بدأت بالتوجه إلى المزادات. كان أول مزاد دخلت فيه في أواخر العام 1988 وكان لصالح الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حيث رسمت لوحة عن الانتفاضة وتم شراؤها بسعر 63 ألف درهم إماراتي، وهذا السعر كان غير عادي حينها.
أعتقد أن صاحب اللوحة لن يبيعها اليوم ولو عرض مقابلها مليون درهم. فبعض الناس تفضل الاحتفاظ باللوحات بدلاً من بيعها. وللأسف لم نستطع الوصول إلى اللوحة وعرضها في باريس.

ما السبب وراء هذا الارتفاع؟
لا شك أن الرخاء الاقتصادي الذي بات يتوفر حينها كان له دور كبير في الارتفاع بالأسعار، إلى جانب مسألة تنوير الناس حيث بات هناك اهتمام أكبر بالفن واللوحات الفنية.
أعتقد أن اللوحة التي كنت أعرضها بثلاثة آلاف درهم حينها يمكنها أن تباع اليوم بأكثر من 300 ألف درهم بكل سهولة، فهناك تقدير كبير للفن في هذه الأيام.
كان اول دخول لي في الشركات الأجنبية في مزاد كريستيز للأعمال الفنية وذلك في العام 2007.
بعد ذلك اختلفت الأمور وارتفعت قيمة الأعمال كثيراً. بالرغم من أنه في بعض الأحيان، رفع الأسعار لا يكون في صالح الفنان.
والسبب في ذلك هو أنه الذين يشترون اللوحات بأسعار مرتفعة عادة ما يحدون من توفرها على غيرهم مثل المتذوق للفن والذي لا يستطيع دفع مبالغ كبيرة للوحات. قد ينتفع الفنان من ناحية مادية ولكن على المدى البعيد أرى أن الارتقاء عن طريق التدرج أفضل بكثير من الصعود مرة واحدة. قد لا ينطبق هذا الكلام على مسيرتي الفنية ولكنه مهم بالنسبة لعامة الفنانين.

من هم أكثر الزبائن إقبالاً على أعمالك؟
بلا شك، الأكثر هم الإماراتيين، إلى جانب الخليجيين والعرب من جنسيات أخرى والأجانب. ولكن معظم الدعم يأتي على المستوى المحلي. كما أن بعض الأشخاص لهم دور كبير في ارتقاء الأعمال ودعمها.

هل ترى أن هناك تقدير للفنانين بشكل عام في العالم العربي أم أن الأمر محدود على أشخاص معينة؟
من الطبيعي أن يكون التقدير محدود، حتى من الناحية التاريخية فإن معظم الفنانين كانوا فقراء، باستثناء قليل من المشاهير.
ليس من السهل أبداً ترويج وبيع اللوحات الفنية. تحتاج أولاً أن تجعل الناس يعشقون عملك، وهذا أمر في غاية الأهمية. لا شك أن الإعلام والدعاية له دور كبير في إبراز بعض الفنانين وهذا يحصل في كل مكان، إلا أن العمل الفني هو الذي يبيع نفسه، التقنية والمستوى الفني للوحة هو الذي يضفي قيمة على الأعمال الفنية، أما خلفية الفنان فليس لها أي قيمة حقيقية.

كيف يؤثر هذا على أسعار اللوحات؟
من الضروري أن نعرف ان هناك مافيا في عالم الفن. يوجد أشخاص يرفعون فنانين إلى القمة بسرعة كبيرة. مثلاً أذكر أن أحد الفنانين كانت لوحاته حتى العام 2010 تقريباً تباع بأقل من 100 ألف دولار، ولكنها اليوم وصلت قيمتها مرة واحدة إلى الملايين.
ما يحدث هو أن شخص ما يقتني معظم أعمال الفنان، والتي تصل قيمتها إلى 60 ألف دولار مثلاً، ولكنه يحصرها عنده ليرتفع الطلب عليها وفجأة ترتفع قيمة لوحات هذا الفنان نفسه إلى 4 مليون دولار.

إلى أي حد تدفعك هذه الأسعار الكبيرة للأعمال الفنية إلى التوجه للرسم؟
رسمت من فترة 1965 إلى 1969 دون بيع أي لوحة، مع العلم أن مستواي في تلك الفترة لم يكن أقل من خريجي كليات الفنون، وبعضهم قال حتى من مستوى المدرسين في هذه الكليات.
أعتقد الدافع الي أجبرني على الاستمرار هو حب الفن، فلولا الحب لما استطعت أن أتميز. وكان اهتمامي دوماً أن أصبح فناناً. أذكر أن أسعد صورة رأيتها في حياتي كانت صورتي بين اللوحات المنشورة في مجلة الكويت، وكتب تحتها الفنان الناشئ عبد القادر، ولعل هذه الكلمة هي التي دفعتني للاستمرار.

ما هي الأمور التي تفضل التركيز عليها في أعمالك؟
كل من يتابع أعمالي يلاحظ أنها تواكب الظواهر التي شهدها العالم العربي، سواء من حيث الرسم عن اللاجئين وبيروت أو الانتفاضة الفلسطينية وغير ذلك من أحداث.
أتميز عن بقية الفنانين من دول المنطقة من هذه الناحية أيضاً، وذلك أن الحالة الاجتماعية التي تمر بها الأمة عبر السنوات، أتأثر بها وتظهر في أعمالي.


كيف تصف المنافسة في هذا المجال في العالم العربي؟
عادة فإن وجود المنافسين هو حالة صحية خصوصاً في المسائل المتعلقة بالإبداع. إن لم تكن هناك منافسة فإن هذا قد يؤثر على انتاج الفنان. ومن ناحية تاريخية، كل الفنانين الكبار والذين نتحدث عنهم إلى اليوم كانوا متواجدين في نفس العصر.
وجود قرناء جيدين يدفع الفنان إلى العمل باستمرار. وفي عالمنا العربي، المشكلة تكمن أحياناً في أن الفنان لا يجد منافسين.
كما أعتقد ان الفن العربي لم يأخذ مكانته حتى الآن. المنطقة العربية حتى الآن لم ترتقي بالفن مثل بقية الدول. أعتقد أن الوقت قد حان للاستثمار في الأعمال بالعالم العربي لأن اللوحات لا تزال أسعارها معقولة.


ما هي نصيحتك للفنان الناشئ المتواجد اليوم في الإمارات؟
أعتقد أن الفرص المتوفرة اليوم كنا نحلم بها، ليس في الستينات والسبعينات، بل حتى في بداية العام 2000. فحتى العام 1990، لم يكن هناك غير معرض واحد، أما اليوم يوجد أكثر من 90 معرض مختلف.
يجب على الفنان الاستمرار في التعلم. وذلك يشملني أيضاً، فإن ظن الفنان أنه وصل، تكون هذه بداية النهاية.

ما هو أجمل عمل قدمته؟
هناك بعض الأعمال التي أعجب بها لفترة ومن ثم انتقل لعمل آخر، وهذا يعتمد على المزاج. كما أنه ليس من الجيد البقاء على نفس الموال. ولكن بالنسبة لأجمل عمل، فإني أرجو من الله أن لا يكون ظهر حتى الآن.

نبذة عن المعرض الاستعادي في باريس

أقيم مؤخراً، وتحديداً الفترة من 25 سبتمبر إلى 21 أكتوبر 2018، أول معرض استعادي دولي للفنان الإماراتي عبدالقادر الريس في باريس. وقد افتتحت هيئة الثقافة والفنون في دبي (دبي للثقافة)، الهيئة المعنية بشؤون الثقافة والفنون والتراث والآداب في الإمارة، معرض «و» والذي تنظمه الهيئة في معهد العالم العربي.

وضم وفد دولة الإمارات العربية المتحدة إلى العاصمة الفرنسية باريس لحضور افتتاح المعرض كلاً من معالي محمد المر رئيس مجلس أمناء مكتبة محمد بن راشد، حيث قام بافتتاح المعرض رسميًا، ومعالي زكي أنور نسيبة وزير دولة، والأديب الأستاذ عبد الغفار حسين، والسيد أحمد بن عيسى السركال رئيس مجلس إدارة مجموعة السركال، وسعادة علي بن ثالث أمين عام جائزة حمدان بن محمد بن راشد الدولية للتصوير الضوئي. كما زارت المعرض في وقت لاحق معالي نورة بنت محمد الكعبي، وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة.
وقدم معرض «و» عرضًا شاملاً ضمّ أكثر من 50 عملاً فنيًا من فترة الستينيات حتى اليوم، ويغطي فترات مختلفة في مسيرة الفنان، بدءًا من انطلاقته في الكويت، وصولاً إلى حياته الحالية في دبي. ويعتبر عبد القادر الريس، أحد رواد الفن المعاصر في منطقة الخليج العربي، حيث لعب دورًا محوريًا في إثراء المشهد الفني لدولة الإمارات العربية المتحدة. وكان الفنان قد قام بإبداع لوحة خصيصًا لهذا المعرض أطلق عليها اسم «منبع المحبة»، احتفاءً بمبادرة «عام زايد 2018».