Posted inأخبار أريبيان بزنس

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قضية عالمية تتجاوز السياسة، حوار مع د. محمد غالي

د. محمد غالي عن مؤتمر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

تعتبر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أحد أهم الموضوعات الاستراتيجية التي تشغل بال الباحثين وصناع القرار حول العالم، لاسيما مع التطور المتسارع لهذه التقنيات وتأثيرها العميق على حياة الأفراد والمجتمعات. في هذا الإطار، كان انعقاد مؤتمر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في جامعة حمد بن خليفة بدولة قطر خطوة محورية لفتح حوار عالمي يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. يأتي تنظيم هذا المؤتمر، الذي يشارك فيه الدكتور محمد غالي، رئيس مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، كاستجابة طبيعية لاهتمام المؤسسة الأكاديمي بهذا الحقل المعرفي الاستراتيجي، وتبنيًا لمسؤولية التصدي لأبعاده الأخلاقية. وقد نجح المؤتمر في جمع كوكبة دولية متنوعة من المتحدثين والمشاركين، ممثلين لطيف واسع من الرؤى الأخلاقية، سواء من المنظور الإسلامي، الغربي، أو الآسيوي، بهدف إدراك مواطن الاتفاق والاختلاف حول التحديات الكبيرة التي يشهدها عصر الذكاء الاصطناعي. في هذه المقابلة، نسعى للتعمق في أصداء المؤتمر وإنجازاته، ومناقشة التوصيات الملموسة التي خرج بها، إلى جانب استكشاف كيفية الموازنة بين الحاجة إلى التنظيم الأخلاقي والقدرة التنافسية للابتكار في ظل التنافس الجيوسياسي العالمي. كما سنتناول دور الأخلاقيات والقيم الدينية في توجيه مسار الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسانية، ويجيب د. محمد غالي عن هذه القضايا ومواضيع عديدة ، ووعن العوامل التي ساهمت باختيار موضوع المؤتمر وتنظيمه حول “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، يجيب بالقول:

أترأس حاليًا مركزًا بحثيًا متخصصًا في الأخلاق الإسلامية (مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق)، وهو مركز تابع لكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة. ومنذ عدة سنوات، بدأ اهتمام مؤسسة قطر والجامعة بموضوع الذكاء الاصطناعي بوصفه حقلًا معرفيًا استراتيجيًا. وكمركز متخصص في الأخلاق التابع للجامعة، أخذنا على عاتقنا مسؤولية التصدي للأبعاد الأخلاقية لهذا الحقل الاستراتيجي، وفتح قنوات حوار وتعاون مع المتخصصين والباحثين وصانعي السياسات في مختلف أرجاء العالم. وبعد تنظيم النسخة ال17 من المؤتمر العالمي لأخلاقيات الطب والحيوي (3-5 يونيو 2024)، وهي النسخة الأولى لهذا المؤتمر العالمي التي تنعقد في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، كان من الطبيعي أيضًا أن يُعقد هذا المؤتمر الدولي عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضمن رحاب الجامعة.

كيف كانت أصداء المؤتمر مع اختتامه بقضايا أثارت اهتمامًا كبيرًا؟

الأصداء كانت إيجابية للغاية، وقد لمسناها بالفعل أثناء فعاليات المؤتمر ومن خلال رسائل الشكر والامتنان التي وصلتنا من المشاركين في المؤتمر. وكان أبرز ما ورد في ردود الأفعال هو اندهاش المشاركين من وجود هذه الكوكبة المتنوعة من المتحدثين والمشاركين التي تمثل طيفًا واسعًا من الرؤى الأخلاقية والتي لم تقتصر فقط على المتخصصين في الأخلاق من منظور ديني إسلامي أو منظور غربي علماني أو منظور صيني أو ياباني، وإنما ضمت كل هذه الأطياف والاتجاهات تحت سقف مؤتمر واحد نتحاور فيه مع بعضنا البعض حتى ندرك مواطن الاتفاق والاختلاف فيما بيننا حول كيفية التعامل مع هذه التحديات الكبيرة التي نعيشها في عصر الذكاء الاصطناعي.

ما الذي خلص إليه المؤتمر؟ ماذا بعد وما التالي؟ وكيف يمكن للمؤتمر ضمان أن تُسفر المناقشات عن مخرجات ملموسة وقابلة للتنفيذ بدلًا من مبادئ مجردة؟

هذا هو المؤتمر الأول الذي تعقده الجامعة حول الموضوع، ولعله من أوائل المؤتمرات المتخصصة في هذا الموضوع في منطقة الخليج وعالمنا العربي. وبالتالي، تمثل أول أهم أهداف المؤتمر في التعرف على الرؤى المتنوعة والمختلفة النابعة من تصورات أخلاقية ذات جذور مختلفة تمثل أديان البشر ومعتقداتهم ومعرفة مواطن الاتفاق والاختلاف، وأظن أن هذا الهدف قد تحقق بشكل كبير ومبهر، حتى للمشاركين أنفسهم، وهناك عدد من الشراكات وأوجه التعاون في البحث العملي قد تشكلت بالفعل أثناء المؤتمر ونتطلع إلى ثمارها قريبًا. الهدف الثاني عملي وله شكل تطبيقي ملموس،  يتمثل في تطوير ما نسميه “أوراق بيضاء (white papers)” شارك في إعدادها نخبة من المشاركين في المؤتمر بالتعاون مع وزارات وهيئات ومؤسسات داخل قطر وخارجها. وتخلص هذه البحوث إلى توصيات عملية تساعد الحكومات والشركات على تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول ومستدام. وتعتمد هذه الأوراق على أحدث البحوث والدراسات الأكاديمية والتقارير الدولية، وكيفية الاستفادة منها في فهم حوكمة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية، والحروب والصراعات المسلحة، والأمور القضائية والقانونية. وقد قطعنا شوطًا مهمًا في هذا الصدد، فقد تم تقديم عدد من هذه الأوراق البيضاء أثناء المؤتمر وتم تخصيص جلسات لمناقشتها وهناك حاليًا مجموعات عمل تعكف على إتمام هذه البحوث والتوصيات ومشاركتها مع الجهات ذات الصلة. هذا بالإضافة إلى عدد من المبادرات التي تهدف إلى تفعيل النقاشات الأخلاقية وتحويلها إلى أداة فعل وتأثير، نعمل على صياغتها حاليًا بالتعاون مع الجامعة ومؤسسة قطر وعدد من الشركاء حول العالم، ونأمل أن نعلن عنها قريبًا بحول الله تعالى.   

يجادل البعض حول جدوى تنظيم “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” مع اندفاع المنافسة عالميًا لمستوى المطالبة في بريطانيا والولايات المتحدة بالسماح بانتهاك الملكية الفكرية بحجة اللحاق بالصين. أين نحن بين التنافس الجيوسياسي بين الكتل الرئيسية (الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي) من صياغة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

لا يمكن فصل أي تقنية عن القيم التي توجهها. فالدول والشركات الكبرى لديها بالفعل “أخلاقيات” تحكمها، حتى لو كانت هذه الأخلاقيات هي الرأسمالية النفعية أو السعي للهيمنة. السؤال ليس “هل نحتاج للأخلاق؟”، بل “أي أخلاق نريد أن تنتصر؟”. مهمتنا هي تقديم بديل قيمي يوجه الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسانية جمعاء. وبالتالي، لا بد أن يكون لأصحاب الأديان والمذاهب الأخلاقية رأي وموقف في هذا الصدد، لأنه لا بد من مقارعة هذه القيم، التي نراها مضرة بالأفراد والمجتمعات، بقيم أخرى بديلة تحل محلها وتوجه أدوات الذكاء الاصطناعي نحو الخير للناس. الإحساس بالإحباط يتأتى غالبًا عندما لا نرى نصرًا سريعًا للمبادئ التي نؤمن بها على أرض الواقع، لكن لا ينبغي أبدًا أن يمنعنا هذا الإحباط من مواصلة السير على النهج الذي نؤمن به ونراه الطريق الأسلم لنا ولغيرنا على هذا الكوكب، أما النتائج فهي في النهاية بيد الخالق سبحانه وتعالى.

كيف يمكن تحقيق توازن بين التنظيم الأخلاقي وقيوده للذكاء الاصطناعي والقدرة التنافسية للابتكار؟

أحد الأبعاد، في مجال الأخلاق عمومًا وتحديدًا في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي يساء فهمها في الغالب هو أن الأخلاق تعني دائمًا المنع والحظر والتقييد، وبالتالي الأخلاق تتعارض دومًا مع حرية الإبداع والابتكار. وفي رأيي، أن سوء الفهم هنا مركب، يتعلق بمفهوم الأخلاق ومفهوم الإبداع والابتكار كذلك. فالأخلاق لا تعني دائمًا المنع والحظر، فالأحكام الشرعية في الفقه الإسلامية، وفي فلسفة الأخلاق بشكل عام، تتضمن الوجوب والاستحباب والإباحة، وهي أكثر من حكمي التحريم والكراهة. وبالتالي، فتح الباب للعمل الإنساني من حيث المبدأ أوسع من سد الذرائع والمنع. أضف إلى ذلك أن مهمة العالم، كما يراها عالِم كبير مثل سفيان الثوري (ت 161/778)، لا تتمثل في الحظر على الناس وإنما في إيجاد مخارج مقبولة شرعًا وخلقًا، حيث يقول “إنما العلم عندنا الرخص عن الثقة، فأما التشديد فكل إنسان يحسنه”. أما بالنسبة للقدرة على الإبداع والابتكار، فأي إبداع يمكن أن يقبله أي مجتمع متحضر لا يراعي فيه أهدافه قيمًا أخلاقية مثل تحقيق منفعة الناس وصلاحهم. وبالتالي، في النهاية، لا يوجد ابتكار حقيقي بدون بوصلة أخلاقية، ولا يوجد إطار أخلاقي متماسك لا يتوافق مع مبدأ تحقيق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم.

قبل سنوات كانت هناك تطلعات وتوقعات بأن يعلو شأن خبراء الأخلاق والممارسات المسؤولة اجتماعيًا لدى الشركات، لكن ما جرى من نكوص بدد ذلك، فما رأيك؟

صحيح أن هناك تطورات لا تبشر بخير كثير وتدعونا إلى القلق والحذر، مثل تقليص الشركات الكبرى للأقسام المتخصصة في دراسة الأبعاد الأخلاقية للتقنيات التي تعمل على تطويرها هذه الشركات، بل والقيام بفصل والاستغناء عن خدمات بعض كبار المتخصصين في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وبشكل تعسفي يفتقر إلى الشفافية. لكن على الجانب الآخر، هناك جوانب أخرى إيجابية للغاية لا يمكن إغفالها، مثل موجات الانتقادات المتكررة من داخل شركات التقنية الكبرى، والتي تصل أحيانًا إلى العلن على شكل استقالات وتنديدات وإنشاء شركات مستقلة تتمكن من الحصول على تمويلات ضخمة يجمعونها في الغالب من عموم الناس. وقد كتبت مقالًا حول هذا الموضوع، أشرت فيه إلى أن هناك قائمة طويلة من المنذرين بمخاطر الذكاء الاصطناعي، والمنزعجين من المسار التنافسي المحموم بين عمالقة التكنولوجيا، والذين فقدوا وظائفهم المرموقة، طوعًا أو كرهًا، بسبب مواقفهم الأخلاقية. وذكرت كأمثلة على ذلك جيفري هينتون (Geoffrey Hinton)، الحائز جائزة نوبل عام 2024 والمُلقب بـ”الأب الروحي للذكاء الاصطناعي”. فقد استقال من منصبه في شركة غوغل عام 2023 ليتمكن من “التحدث بحرية عن مخاطر الذكاء الاصطناعي”، وهناك أيضًا تيمنيت جيبرو (Timnit Gebru)، والتي أثار رحيلها عن غوغل في 2020 جدلًا واسعًا، إذ كانت تشغل منصب الرئيس التقني المشارك للفريق المسؤول عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأخيرًا وليس آخرًا هناك ابتهال أبو السعد، خريجة جامعة هارفارد، والتي غادرت شركة مايكروسوفت بعد جدال علني ضجت به وسائل التواصل الاجتماعي حول دور مايكروسوفت في إعانة الجلاد على الضحية في صراعات وحروب هذا العصر، وخاصة ما يحدث من فظاعات في غزة. وبالتالي، نحن لسنا أمام تيار واحد مسيطر، فالتدافع لا يزال قائما بين أصوات مختلفة، وكل له مشاربه وقيمه التي يدافع عنها.

بدأت بعض دول المنطقة باستكشاف الجانب الأخلاقي والديني والشريعة الإسلامية لدى التعامل مع الذكاء الاصطناعي، كيف ترى مكاسب ذلك؟

يمكن القول إن الاعتماد على الوسائط الرقمية بشكل عام والذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص سيغير بشكل عميق الطريقة التي يتفاعل بها المسلمون مع تراثهم الديني. وبالتالي، فإن الاهتمام بهذه الجوانب أمر محمود من حيث المبدأ، لكن هناك إشكالات وعقبات ومحاذير ينبغي الاهتمام بها .

ففي مجال الدراسات الإسلامية على سبيل المثال، ينبغي أن نعلم أن مجرد توفير المصادر الموثوقة في العلوم الإسلامية بشكل رقمي على شبكة الإنترنت لا يعني بالضرورة قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية على تقديم إجابات موثوقة وتصورات متماسكة. فالمصادر الإسلامية لا تقع في قالب معرفي واحد، بل تتوزع بين علوم متنوعة: من علوم القرآن والحديث، إلى الفقه والعقيدة وعلم الكلام والفلسفة، وغيرها، وكل حقل منها يشتمل على مدارس ومذاهب قد تختلف في تفسير النصوص وتأويلها واستنباط الأحكام. ومن هنا، فإن إدراج هذه المصادر في أدوات الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مدروسًا بعناية، ومشروطًا بمشاركة علماء وباحثين متخصصين في الدراسات الإسلامية، كي لا تؤول الإجابات إلى خبط عشواء، أو يصبح الذكاء الاصطناعي كـ”حاطب بليل”، كما يُقال. وأود أن أنوه في هذا السياق إلى المشروع البحثي الطموح الذي نعمل عليه حاليًا في مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاقي بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد خليفة، والذي يهدف إلى مواجهة هذه التحديات من خلال فريق بحثي يجمع بين التخصصات المختلفة التي أشرت إليها أعلاه. ويمكن الاطلاع على بعض تفاصيل المشروع عبر الرابط التالي (هنا). لذا، فإن الفرصة أمامنا كبيرة. إذا نجحنا في بناء نماذج ذكاء اصطناعي تجمع بين الدقة التقنية والعمق المعرفي لتراثنا، يمكننا أن نقدم للعالم نموذجًا فريدًا في التفاعل المسؤول مع هذه التقنية.

فريق التحرير

فريق التحرير

فريق تحرير أربيان بزنس يمثل مجموعة من المحترفين. يجمع الفريق بين الخبرة الواسعة والرؤية الابتكارية في عالم الصحافة...