Posted inأخبار أريبيان بزنس

هل انتهى دور الطباعة في عصر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية؟

استراتيجية الوصول للعملاء في عالم متعدد القنوات: قوة الطباعة في العصر الرقمي،
شادي بخور، رئيس الوحدة التجارية في كانون الشرق الأوسط  يكشف عن تحولات الطباعة ودورها المتجدد في الوسائط المرئية والرسوميات

في عصر تهيمن عليه الشاشات والوسائط الرقمية وسرعة تدفق المعلومات، قد يميل البعض للاعتقاد بأن الطباعة أصبحت جزءاً من الماضي. إلا أن هذه الرواية تغفل حقيقةً جوهرية: الطباعة لم تختفِ، بل تشهد اليوم تحولاً وتطوراً تجعلها أكثر دقة واحترافية، وقابلية للتخصيص، وأشد تأثيراً من أي وقت مضى.

لم تستبدل الثورة الرقمية الطباعة أو تقلل من أهميتها، بل أعادت تعريفها. ويدرك أنجح المسوقين اليوم أن الطباعة والمنشورات الرقمية ليسا خصمين، بل يعملان معاً كقوتين متكاملتين. وعند دمجهما استراتيجياً، يمكن ابتكار تجارب قيّمة للعملاء أكثر تأثيراً مما يمكن لأي منهما تحقيقه بمفرده.

قيمة ملموسة في عالم افتراضي

نعيش اليوم مفارقة فريدة: فمع تزايد اعتماد عالمنا على التكنولوجية الرقمية، ازداد التقدير للتجارب الحسية الملموسة. وتُقدّم المواد المطبوعة المصممة بإتقان، ميزة نادرة بشكل متزايد في هذا الفضاء الرقمي المتسارع، مما يجعلها أداة فريدة تمنح المتلقي لحظة تركيز كاملة، خالية من الإشعارات المشتتة وإغراء التصفح والضوضاء الرقمية.

ويؤكد علم الأعصاب هذه الملاحظة الجوهرية، إذ تُشير الدراسات إلى أن المطبوعات تُحفز استجابة عاطفية أعمق وتُنشئ روابط متينة بين المستهلك والعلامة التجارية مقارنةً بالوسائط الرقمية وحدها. فقد وجدت دراسة أن الدعايات المطبوعة تمتاز بالوضوح وسهولة الحفظ في الذاكرة ولا تتطلب جهداً ذهنياً أكثر من 21% مقابل الوسائط الرقمية. وفي اختبار تم إجراؤه على مجموعة من المشاركين تم عرض إعلان تجاري عليهم وسؤالهم عن العلامة التجارية للإعلان، جاءت النتائج أن نسبة من تذكر العلامة التجارية كانت أعلى 70%، لصالح من حصلوا في وقت سابق على مطبوعات دعائية إذ شكلت نسبتهم 75% مقارنة بمن شاهدوا الإعلان الرقمي فقط والذين شكلت نسبتهم 44%. وتُعد هذه النتائج والمزايا بالغة الأهمية بحيث لا يمكن تجاهلها في عالمٍ تتزايد فيه صعوبة استقطاب وجذب انتباه العملاء.

التخصيص: التحوّل الرقمي في عالم الطباعة

قاد التقدم التكنولوجي مسيرة التحوّل في الطباعة المتقدمة. وغيّرت الطابعات الرقمية الحديثة، مفاهيم الممكنات إذ فتحت آفاق الابداع والانتاج لتقدم مطبوعات عالية الدقّة ومُخصّصة بكفاءةٍ وتنوعٍ لم يشهدهما القطاع من قبل.

ولقد ولّت أيام التخصيص التقليدية البسيطة. فالحملات المطبوعة القائمة على البيانات، أصبحت قابلة للتخصيص بما يتناسب مع التفضيلات والسلوكيات الفردية وسجلات الشراء بشكل كبير. ويمكن لسلسلة متاجر إنتاج آلاف المنشورات الترويجية، يحتوي كل منها على تشكيلة من المنتجات وعروضاً فريدة تناسب كل عميل. ويمكن لشركة خدمات مالية إعداد بيانات تتضمن نصائح مالية شخصية تستند إلى بيانات كل عميل. كما يمكن لشركات الضيافة تطوير مواد ترويجية مبنية بشكل مباشر على تجارب وتفضيلات العميل السابقة وتتوجه إلى اهتماماته بشكل مباشر. ويجسد هذا التخصيص الذكي عملية التحول الرقمي الحقيقي في عالم الطباعة، ويعد بمنزلة دمج ذكاء العصر الرقمي مع قوة التأثير المادي الملموس.

ميزة تعدد القنوات

يدرك خبراه المسوقين اليوم أن عليهم التوقف عن التفضيل بين الطباعة والوسائط الرقمية، والتركيز على كيفية دمجهما معاً. إن بناء رحلة عميل متكاملة يجب أن تجمع بين تفاعل المواد المطبوعة مع التجارب الرقمية ليُنشئ تجربة قيّمة تتجاوز ما يمكن لأي وسيلة منفردة تحقيقه وحدها.

فعلى سبيل المثال، تخيل كيف يمكن لرسالة بريد مباشر مخصصة أن تتضمن رمز استجابة سريعة (QR) يوجّه المتلقي إلى صفحة ويب مخصصة. أو كيف يمكن إرسال رسائل مطبوعة تلقائياً بناءً على سلوكيات محددة عبر الإنترنت. أو حتى كيف يُمكن للواقع المُعزّز أن يُجسّد الترابط بين المواد المطبوعة والمحتوى الرقمي، مُبتكرًا تجارب تفاعلية تبدأ من المحتوى المادي وتمتد إلى العالم الرقمي.

وقد أظهرت الأبحاث أن عملاء القنوات المتعددة ينفقون ثلاثة إلى أربعة أضعاف ما ينفقه عملاء القناة الواحدة. كما بيّنت دراسة أخرى أن الحملات التسويقية عبر قناة واحدة تحقق نسبة نجاح تتراوح بين 10 إلى 20%. بينما تصل الحملات متعددة القنوات إلى نسب نجاح تتراوح بين 50% و100% أو أكثر.

تُؤكد هذه الأرقام على قوة الطباعة، ليس كوسيلة مُستقلة، بل كعنصر أساسي في نهج مُتكامل متعدد القنوات يحقق أقصى تأثير ممكن.

الاستدامة ومستقبل الطباعة

يمتد تطور الطباعة ليشمل بعداً حاسماً: الاستدامة. فقد قلّلت تقنيات الطباعة الرقمية الحديثة من النفايات واستهلاك الموارد بشكل كبير مقارنةً بأساليب الطباعة التقليدية. وباتت المطابع الحديثة، تُتيح إمكانية الإنتاج عند الطلب، مما يُلغي الحاجة إلى مخزونات كبيرة من المواد المطبوعة مُسبقاً والتي غالباً ما تبقى دون استخدام وينتهي بها المطاف في النفايات.

كما أن استخدام تقنيات الحبر المائي، تلتزم بأعلى معايير السلامة البيئية مع ضمان تقديم طباعة عالية الجودة. وتُتيح هذه الابتكارات للشركات تحقيق توازن فعّال بين التزامها بالاستدامة والاستفادة من قدرات وتأثير المواد المطبوعة.

نهضة الطباعة في المملكة العربية السعودية: رؤية طموحة ومستقبل واعد

تشهد المملكة العربية السعودية نهضة جديدة في قطاع الطباعة، تضعها في طليعة هذا التحوّل على مستوى المنطقة. وفي ظل سعي المملكة لتحقيق أهداف “رؤية المملكة 2030” الطموحة في تنويع الاقتصاد وتعزيز التحول الرقمي، تشير التوقعات أن يصل حجم إيرادات قطاع الطباعة إلى نحو 1.9 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 4%. ويعكس هذا النمو الملحوظ إدراك الشركات السعودية المتزايد لأهمية تقنيات الطباعة الحديثة كأدوات أساسية في مجالات التسويق، والتغليف، والاتصالات.

كما تشهد المملكة استثمارات كبرى في البنية التحتية للطباعة المتقدمة، من أبرزها الشراكة الاستراتيجية بين “كانون” وشركة “تناوي” لإنشاء أكبر مطبعة تجارية بالشرق الأوسط، في العاصمة الرياض. ما يؤكد الدور الاستراتيجي الكبير للطباعة في المستقبل الاقتصاد للمنطقة.

المستقبل

في ظل المنافسة المتزايدة اليوم، بات من الواضح أن الشركات التي تريد الحفاظ على مكانتها وعلى النمو في السوق تحتاج إلى دمج الطباعة والوسائط الرقمية معاً ضمن استراتيجيتها التسويقية، أي الاستثمار في تقنيات وشراكات تتيح تنفيذ حملات طباعة مخصصة تستند إلى البيانات، وربط المواد المطبوعة مع باقي مراحل “رحلة العميل” لتقديم تجربة متكاملة.

وعند تطبيق هذا النهج بذكاء، تصبح الطباعة وسيلة متطورة وفعّالة، لا مجرّد وسيلة تقليدية من الماضي، بل وتصبح قادرة على تقديم تجارب عملاء استثنائية من حيث التأثير والفعالية حين دمجها استراتيجياً مع القنوات الرقمية.

المستقبل ليس لمن يختار بين الاثنين، بل لمن يُجيد الجمع بينهما ببراعة.

فريق التحرير

فريق التحرير

فريق تحرير أربيان بزنس يمثل مجموعة من المحترفين. يجمع الفريق بين الخبرة الواسعة والرؤية الابتكارية في عالم الصحافة...