Posted inأخبار أريبيان بزنس

نمو الشرق الأوسط يتطلب “قادة قادرين على البناء” في عصر التحولات الكبرى

نمو الشرق الأوسط يتطلب “قادة قادرين على البناء” في عصر التحولات الكبرى، بحسب توم كلارك، شريك في مكتب “هايدريك آند سترغلز”

توم كلارك، شريك في مكتب "هايدريك آند سترغلز" بدبي، ورئيس مشارك لممارسات التكنولوجيا والخدمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
توم كلارك، شريك في مكتب "هايدريك آند سترغلز" بدبي، ورئيس مشارك لممارسات التكنولوجيا والخدمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يشهد قطاع التكنولوجيا في الشرق الأوسط نمواً بوتيرة نادرة في أي قطاع آخر، إذ يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي للمنطقة بشكل جذري. ومن المتوقع أن تسهم استراتيجية التحول الرقمي لحكومة أبوظبي 2027-2025 بأكثر من 6.5 مليار دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، في حين بلغ حجم الاقتصاد الرقمي في السعودية 132 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 15% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

الاستجابة للاضطرابات المتسارعة

وبغض النظر عن ضخامة هذه الأرقام، فإن هذا النمو المدفوع بالتكنولوجيا يفرض على مختلف القطاعات مواجهة اضطرابات متسارعة، مما يجعل نماذج القيادة التقليدية عاجزة عن مواكبة الوتيرة الجديدة. تكشف أحدث دراسات “هايدريك آند سترغلز” عن فجوة حرجة، فعلى الرغم من أن قادة الشرق الأوسط يبدون قلقاً أكبر من نظرائهم العالميين بشأن جذب القيادات وتطويرها والاحتفاظ بها، فإن ثلثهم فقط يثق بقدرة مؤسساتهم على معالجة هذه التحديات بفاعلية. وفي ظل هذا الواقع، تتجه مؤسسات المنطقة بشكل متزايد إلى البحث عن “قادة قادرين على البناء”، أي التنفيذيين ذوي العقلية الريادية الشبيهة بالمؤسسين، القادرين على الابتكار، والتوسع، وإعادة ابتكار الأعمال في الوقت الفعلي. ورغم أن هذه الفئة من القادة كانت مطلوبة سابقاً في مبادرات دخول الأسواق الجديدة أو في بيئات النمو السريع، إلا أن التحولات الحالية في الأسواق باتت تتطلب هذه العقلية البناءة في مختلف الإدارات: من الإدارة العامة والتمويل إلى التكنولوجيا والمنتجات وغيرها، حيث يجب أن يلتقي الابتكار بالتنفيذ الفعال.

تعريف القائد القادر على البناء

لم تعد القيادة في عصر الاضطرابات اليوم مجرد توجيه استراتيجي تقليدي، بل أصبحت تتطلب قادة قادرين على تحقيق الرؤية رغم تغير المشهد باستمرار، أي قادة يتحملون المسؤولية الشخصية ويمارسون القيادة من الخطوط الأمامية. ويزدهر القادة القادرون على البناء في البيئات التي توازن بين حرية الابتكار والمساءلة عن النتائج، مما يجعلهم عنصراً لا غنى عنه في فترات النمو أو التحول أو إعادة الهيكلة. فكما ينجحون في المراحل الأولى من المشاريع الناشئة التي تتطلب تجريباً سريعاً، أو في الشركات المتوسعة التي تواجه تعقيدات النمو المتسارع، فإنهم يجلبون الطاقة والعزيمة اللازمتين لقيادة التحول التنظيمي الذي يحتاجه سوق الشرق الأوسط الديناميكي اليوم. ويمتاز هؤلاء القادة بأربع قدرات مترابطة تشكل معاً مكونات القيادة البناءة، وهي قدرات لا تتناولها برامج تطوير القيادات التقليدية بالعمق ذاته.

1. المسؤولية والرؤية المستقبلية تشكل المسؤولية والرؤية المستقبلية الأساس، فهي تجمع بين التفكير الطموح والانضباط في التنفيذ. وعلى عكس القادة الذين يكتفون بصياغة الأفكار الكبرى دون خوض تفاصيل التنفيذ، يتمتع القادة القادرون على البناء بقدرة على استشراف تحولات السوق، ورؤية الفرص حيث يرى الآخرون العقبات، وقيادة ترجمة الاستراتيجيات إلى نمو مستدام. ويعد نموذج شركة “ريفولوت” في قطاع التكنولوجيا المالية مثالاً بارزاً، إذ يصف الرئيس التنفيذي نيك ستورونسكي فلسفتهم القيادية بأنها “بناء الآلة التي تبني الآلة” في إشارة إلى حرص الشركة على استقطاب قادة موجهين نحو التنفيذ والنتائج من المستويات الإدارية الوسطى وحتى التنفيذية العليا. ومن الأمثلة على ذلك، تعيين أمبرين موسى رئيسةً تنفيذية لـ”ريفولت الخليج”، حيث تجمع بين خبرة استشارية واسعة وسجل ريادي ناجح في المنطقة.

2. التنفيذ الحاسم ترتبط عقلية الملكية مباشرة بالقدرة الثانية وهي التنفيذ الحاسم، إذ يتميز القادة القادرون على البناء بانحياز قوي نحو الفعل وتجنبهم لحالة “الشلل التحليلي”، مما يميزهم عن “إطفائي الأزمات” الذين يبرعون في معالجة المشكلات الفورية دون بناء أنظمة مستدامة. ويركز القادة القادرون على البناء على ترسيخ الهياكل طويلة الأمد التي تضمن الاستقرار والنمو المستقبلي، وليس الحلول السريعة. وتعد شركة أمازون مثالاً راسخاً على ترسيخ ثقافة التنفيذ الحاسم ضمن منظومتها القيادية من خلال مبادئ مثل “المسؤولية” و”التفكير على نطاق واسع” و”تحقيق النتائج”، وهي مبادئ ضمنت للشركة الحفاظ على الزخم وتقديم نتائج ملموسة حتى في أوقات عدم اليقين.

3. جذب المواهب يعد جذب المواهب سمة محورية لهؤلاء القادة، إذ إن قدرتهم على العمل وسط الغموض والتأقلم السريع مع التحديات تجعلهم يجذبون فرقاً تشاركهم المرونة والثقة في بيئة متقلبة. ويتجاوز القادة القادرون على البناء مفهوم الإدارة التقليدية إلى دور المرشد والمحفز، فيجمعون الفرق حول هدف مشترك ويقودونهم نحو النجاح الجماعي. ومن خلال توظيف مهارات، مثل القيادة التعاطفية والذكاء العاطفي، يتمكنون من تحفيز الآخرين وبناء فرق عالية الأداء، وهي ركيزة أساسية في المؤسسات الطامحة للنمو. فعلى سبيل المثال، اعتمدت إحدى المنصات العالمية للذكاء الاصطناعي، عند توسعها في الشرق الأوسط، على تصميم ثقافة مؤسسية مرنة تستند إلى مبدأ “ابحث عن الطريقة” لتمكين الأفراد والفرق من اتخاذ القرارات باستقلالية، مما أسس لبيئة عمل تحتفي بالتجريب والتعلم، حيث يرغب أصحاب المواهب الطموحة بالبقاء والنمو.

4. الابتكار العملي

تلتقي القدرات الثلاث السابقة في السمة الرابعة المميزة للقادة القادرون على البناء: الابتكار العملي. فهؤلاء لا يكتفون بتحسين الأنظمة القائمة، بل يبتكرون حلولاً جديدة من خلال تحدي المألوف وتجريب أساليب غير تقليدية في المنتجات والعمليات وتجارب العملاء. إلا أن على المؤسسات التمييز بين القادة القادرين على البناء الحقيقيين و”المحسنين المتخفين” الذين يجيدون تحسين الأنظمة القائمة دون القدرة على بناء أنظمة جديدة. ولذلك، يتعين على الشركات تطوير معايير تقييم القيادات لتكون أكثر دقة وعمقاً. ففي إحدى عمليات البحث عن مدير الدولة لإحدى منصات الذكاء الاصطناعي الناشئة التي دخلت سوق الإمارات، استبعدت الشركة السير الذاتية التقليدية والعروض المنمقة، وطلبت من المرشحين تقديم خطة عملية مفصلة لما سينجزونه خلال أول 90 يوماً، بما في ذلك العلاقات والشراكات وقيمة الأعمال المقترحة. ويتطلب تحديد القادة القادرون على البناء وتطويرهم آلية تقييم أكثر نضجاً، تتجاوز المظاهر السطحية. فالخلط بين السمات الشكلية والقدرات البناءة الحقيقية، أو تجنب التعامل مع هؤلاء القادة لكونهم معقدين، قد يؤدي إلى تباطؤ التحول وفقدان الزخم والميزة التنافسية في أسواق الشرق الأوسط التي تعتمد على سرعة التكيف بوصفها شرطاً للبقاء.

بناء قيادات قادرة على التوسع في عصر التحول

يتطلب التحول الرقمي في الشرق الأوسط، من مشروع مدينة لوسيل الذكية وبرنامج “تسمو” للابتكار الرقمي في قطر إلى رؤية السعودية 2030 ورؤية الإمارات 2031، قادة يسهمون في صياغة المستقبل وتحقيق تأثير فوري. ومع محدودية عدد القادة القادرين على البناء، على المؤسسات أن تنتقل من نهج التوظيف التفاعلي إلى التخطيط الاستباقي لتأمين مسارات قيادية قوية. ويستلزم ذلك وضع استراتيجيات متقدمة للتعاقب الوظيفي تركز على استقطاب وتطوير القادة القادرين على النجاح في مناصب وظروف سوق قد لا تكون موجودة بعد. وفي نهاية المطاف، سينجح أولئك الذين يدركون أن تطوير القادة القادرين على البناء ليس تجربة في تنمية المواهب، بل ضرورة استراتيجية للأعمال. ففي عالم أصبح فيه التطور الثوري هو الثابت الوحيد، يظل القادة القادرون على البناء الجسر الحيوي الذي يربط بين الطموحات الإقليمية الجريئة والتأثير الفعلي في بيئة الأعمال.

توم كلارك، شريك في مكتب “هايدريك آند سترغلز” بدبي، ورئيس مشارك لممارسات التكنولوجيا والخدمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

فريق التحرير

فريق التحرير

فريق تحرير أربيان بزنس يمثل مجموعة من المحترفين. يجمع الفريق بين الخبرة الواسعة والرؤية الابتكارية في عالم الصحافة...