لم يأت وصول ريشي سوناك إلى مركز رئاسة وزارة المملكة المتحدة بمحض الصدفة، بل جراء عمل دؤوب تنقل خلاله في المناصب الحكومية حتى غدا رئيساً لحزب المحافظين ليخلف منافسته السابقة على الزعامة ليز تراس.
ويمثل وصول سوناك إلى حكم المملكة المتحدة حدثاً غير مسبوق، إذ سيكون أول رئيس وزراء لبريطانيا من أصول آسيوية، إلى كونه أصغر من يتولى هذا المنصب منذ أكثر من قرن، عدا عن أنه سيكون اول رئيس للحكومة من الطائفة الهندوسية. ويتهم بأنه يدفع الكثير لشركات العلاقات العامة لإخفاء طوله الحقيقي-170 سم- ليبدو طويل القامة، علما أنه أقصر رئيس وزراء لبريطانيا منذ وينستون تشرشل وكان طول الأخير 169 سم.


لكن من هو ريشي سوناك؟ وكيف وصل الشاب البالغ 42 عاماً ذو الأصول الهندية إلى داونينغ ستريت؟
المولد والدراسة
وُلد سوناك في مدينة ساوثهامبتون الإنكليزية في 12 أيار/مايو 1980 من عائلة ذات أصول هندية، حيث هاجر أجداده من إقليم البنجاب في شمال غرب الهند إلى تنزانيا.
واتخذت بسراكشا جدة ريشي لوالدته أوشا في عام 1966 قراراً شجاعاً ببيع مجوهرات زفافها لشراء تذكرة ذهاب فقط إلى المملكة المتحدة.
سافرت وحدها، تاركة وراءها زوجها وأطفالها الصغار. شقت طريقها إلى ليستر ووجدت عملا كمحاسبة. وبعد مرور عام، كانت قد وفرت ما يكفي من المال لبقية أفراد الأسرة لمتابعة.
درست أوشا، والدة ريشي بجد وفازت بمكان في جامعة أستون حيث درست الصيدلة. وهناك التقت ياشفير طالب طب عبر أصدقاء العائلة. تزوجا عام 197، وانتقلا إلى ساوثهامبتون، وأنجبا ثلاثة أطفال ريشي وسانجاي وهو طبيب نفساني سريري وأخصائي نفسي عصبي والإبنة راخي التي تعمل في الأمم المتحدة.
التحق بالمدرسة الخاصة المرموقة “وينشستر كوليدج”، ثم التحق بجامعة أكسفورد لدراسة الفلسفة والسياسة والاقتصاد.
عمل سوناك خلال إجازات فترة الدراسة نادلا في مطعم “كاري هاوس” في ساوثهامبتون، كما ساعد والدته في طفولته في الصيدلية التي تديرها ما ساعده على اكتساب خبرة في ريادة الأعمال.

بعد تخرجه من أكسفورد عام 2001، عمل سوناك محللًا في شركة جولدمان ساكس، وفي شركة الخدمات المصرفية الاستثمارية حتى عام 2004، حيث أصبح شريكا في اثنين من صناديق التحوط.
ونال سوناك درجة الماجستير في إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد، وهناك التقى بزوجته أكشاتا مورثي، ابنة نارايانا مورثي، الملياردير الهندي وأحد مؤسسي عملاق التكنولو جيا إنفوسيس (Infosys).
ووفقاً لصحيفة “صنداي تايمز” فإن الزوجان جمعا ثروة تقدر بنحو 730 مليون جنيه إسترليني (877 مليون دولار) بفضل نجاحه في الأعمال التجارية وحصة زوجته البالغة 0.91% في إنفوسيس.
من العمل إلى السياسة
في عام 2010 بدأ سوناك العمل لحزب المحافظين، وخلال هذه الفترة انخرط أيضاً في Policy Exchange، وهي مؤسسة بحثية رائدة في مجال المحافظين، حيث أصبح رئيساً لوحدة أبحاث السود والأقليات العرقية (BME) في عام 2014. وفي ذات السنة نشر موقع المؤسسة كتاباً بعنوان “صورة بريطانيا الحديثة”، وهو كتيب كتبه سوناك مع ساراتا راجيسواران، نائب رئيس الوحدة.
اختير سوناك عام 2014 كمرشح لحزب المحافظين لمجلس العموم ممثلاً لريتشموند في شمال يوركشاير، وهو مقعد في شمال إنجلترا شغله لفترة طويلة زعيم الحزب (1997-2001) ويليام هيغ. وأعيد انتخابه للبرلمان في عامي 2017 و2019، وصوت ثلاث مرات لصالح خطط رئيسة الوزراء تيريزا ماي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت)، وقال لصحيفة يوركشاير بوست إنه يعتقد أن ذلك سيجعل المملكة المتحدة “أكثر حرية وعدلا وازدهارا”.
كما يعد ابن المهاجرين الهنديين من أكثر المطالبين بالتشدد في قوانين الهجرة إذ قال “أعتقد أن الهجرة المدروسة يمكن أن تفيد بلادنا.. لكن يجب أن نسيطر على حدودنا”.
ومن 2015 إلى 2017 كان عضواً في لجنة اختيار البيئة والغذاء والشؤون الريفية وسكرتيراً برلمانياً خاصاً في وزارة الأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية.
في كانون الثاني/يناير 2018 تم تعيينه في أول منصب وزاري له كوكيل دولة بوزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي.
وتمت ترقيته إلى منصب وزير الخزانة في شباط/فبراير 2020، وكان مؤيدا بارزا لرئيس الحكومة السابق بوريس جونسون في البداية، لكنه استقال قائلا إنه شعر أن مقاربته للاقتصاد كانت “مختلفة تماما” عن نهج رئيس الوزراء.
أب لطفلتين معتز بانتمائه وأصوله

يشتهر سوناك والد الطفلتين أنوشكا وكريشنا من زوجته أكشاتا مورتي باعتزازه بقيمه الهندوسية وبالخيط الأحمر الذي يزين به معصمه دائماً، وقال في مقابلة مع “بي بي سي” عام 2019: “فيما يتعلق بالتنشئة الثقافية، أنا أذهب للمعبد في عطلة نهاية الأسبوع – أنا هندوسي – لكنني أحضر مباراة نادي ساوثامبتون لكرة القدم أيضاً يوم السبت – يمكنك أن تمزج بين الثقافتين وهذا ما أفعله”.

