جف نهر العاصي لأول مرة في التاريخ، والنهر هو شريان حياة الزراعة في سوريا ويبلغ طوله 571 كيلومترًا، ليتحول إلى وديان قاحلة متشققة تمتد عبر الأراضي الغربية للبلاد. ولا يعد هذا الجفاف غير المسبوق مجرد كارثة بيئية، بل هو تهديد وجودي متواصل للأمن الغذائي والنشاط الاقتصادي، ويستفحل الخطر وتتكشف أبعاده في الوقت الذي تحاول فيه البلاد التعافي الهش بعد الحرب.
النهر الذي يتدفق عادةً شمالًا من وادي البقاع اللبناني عبر محافظات حمص وحماة وإدلب السورية، أصبح الآن ممزقًا إلى صخور مكشوفة وبرك راكدة. وأظهرت مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع في وقت سابق من هذا الشهر قرب جسر الشغور وحماة الأزمة بوضوح، حيث أظهرت قصبًا ذابلًا ومواشي ترعى في مكان كانت مياهه تفيض فيه. الصيادون يتحدثون في حزن، واصفين ذلك بأنه “موت لأسلوب حياة بأكمله”.
يعاني 12 مليون شخص بالفعل من سوء التغذية الحاد، و من المتوقع أن ترتفع أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة 30 إلى 50%.، فيما يواجه مزارعو سهل الغاب، البالغ عددهم 100 ألف مزارع، خطر الإفلاس.
أسباب وعوامل تتضافر
انخفاض قياسي في هطول الأمطار: شهد شتاء 2025 هطول أمطار بالكاد 30% من المعدلات الطبيعية، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1956.
استنزاف احتياطيات المياه: تضاءلت الاحتياطيات الحيوية في سد الرستن، وهو عصب تدفق نهر العاصي في سوريا، بشكل حاد.
إجهاد المنبع: أدت الاضطرابات المناخية وتدهور البنية التحتية، اللذان تفاقما بفعل سنوات من الصراع، إلى استنزاف ينابيع المنبع.
تضافر الاضطرابات المناخية :مع موجات جفاف في شرق البحر الأبيض المتوسط غذّتها ارتفاعات في درجات الحرارة بلغت 1.2 درجة مئوية – والإهمال الجيوسياسي، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية للمياه.
يُمثل هذا الواقع المرير تصعيدًا حادًا منذ آخر انحسار كبير للنهر قبل 54 عامًا، حيث انخفضت التدفقات بشكل محفوف بالمخاطر لكنها لم تختفِ تمامًا.
–
كارثة زراعية وأزمة صحية عامة
يقع التأثير الأكثر تدميرًا على الزراعة، وهي أكثر مناطق نهر العاصي ولاءً. يروي النهر مساحات شاسعة في حماة وحمص وإدلب، ويدعم ما يصل إلى 70% من الزراعة في بعض المناطق. أدى توقفه المفاجئ إلى قطع شرايين الحياة لقنوات الري، مما أجبر المزارعين على اللجوء إلى بدائل يائسة. في ريف حماة، يلجأ بعض المزارعين إلى استخدام مياه الصرف الصحي لري محاصيلهم، وهي مخاطرة محفوفة بالمخاطر قد تؤدي إلى تلويث المنتجات بمسببات الأمراض والمعادن الثقيلة، مما يُعرّض الصحة العامة للخطر على الفور.
انخفضت محاصيل المواد الغذائية الأساسية مثل القمح والشعير والقطن والخضراوات الصيفية بنسبة 50 إلى 70%. ومع تسبب الحرب والنزوح في تقليص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا إلى النصف، يُفاقم هذا الجفاف العجزَ القائم مسبقًا، مما يدفع البلاد نحو الاعتماد على استيراد الحبوب بنسبة 80% بحلول عام 2026.

