Posted inأخبار أريبيان بزنس

صوت عالمي قادم من السعودية، المخرجة السينمائية جيجي حزيمة

المخرجة السعودية تتحدث عن رؤيتها الفنية وتأثير تنقلها بين مكة ولندن ونيويورك مؤكدة أن الصدق والالتزام الجمالي أهم من أي ميزانية..

 المخرجة السعودية جيجي حزيمة ليست مجرد اسم صاعد في المشهد السينمائي، بل حالة فنية تتخطى الجغرافيا نحو تأمل الذات الإنسانية بعمقها وتعقيدها. منذ بداياتها، اختارت أن تصنع أفلامها كما تعيش — بصدق، وحدة، وتساؤل دائم. من مكة إلى لندن، ومن نيويورك إلى باريس، تشكّل تجربتها خطّ عبور بين الثقافات، لكن صوتها يظل سعوديّ الهوى وإنسانيّ الجوهر.

فيلم ‘And Then Comes Winter’ للمخرجة جيجي حزيمة يُعرض ضمن أمسية السينما السعودية المستقلة في قلب مدينة السينما العالمية، باريس. هذا العرض يضع الصوت السعودي المستقل في مساحة عالمية تُعيد تعريف البصر والخيال. يأتي ذلك ضمن أمسية السينما السعودية المستقلة التي تنظمها شركتها Look at The Wall، وهي أمسية تُعدّ الأولى من نوعها، وتجمع بين أبرز الأصوات السعودية المستقلة مثل ريم البيات ومحسن أحمد.جيجي حزيمة ليست مجرد اسم صاعد في المشهد السينمائي، بل حالة فنية تتخطى الجغرافيا نحو تأمل الذات الإنسانية بعمقها وتعقيدها. منذ بداياتها، اختارت أن تصنع أفلامها كما تعيش — بصدق، وحدة، وتساؤل دائم. من مكة إلى لندن، ومن نيويورك إلى باريس، تشكّل تجربتها خطّ عبور بين الثقافات، لكن صوتها يظل سعوديّ الهوى وإنسانيّ الجوهر.

في هذا الحوار، تتحدث حزيمة عن عرض فيلمها   And Then Comes Winter  في باريس، عن معنى “سينما العزلة”، وعن الإيمان بأن الصدق والالتزام الجمالي أهم من أي ميزانية أو تصنيف إنتاجي. تقول إن السينما بالنسبة لها ليست صناعة بقدر ما هي كشف… وتطهّر، وإن الصورة الصادقة يمكن أن توحّد ما تفرّقه اللغات.

هل توضحين أكثر حول العرض الخاص لفيلمك في باريس في ديسمبر؟ وكيف تضطلعين في عملية صناعة فيلم بموارد محدودة؟

العرض في باريس بالنسبة لي ليس مجرّد محطة ترويجية، بل لحظة تأمل واستعادة لمعنى الصورة. باريس مدينة تعيد تعريف البصر والخيال، وفيها وُلد مفهوم المؤلف السينمائي — المخرج كصوت ورؤية وفلسفة، لا كمنفّذ تقني. مشاهدة فيلمي هناك، أمام جمهور متنوّع وغريب عن سياق الفيلم، جعلتني أستشعر عالمية التجربة الإنسانية التي يحملها العمل، وأن القلق والوحدة والبحث عن المعنى ليست مشاعر مرتبطة بمكان محدد، بل بطبيعة الإنسان نفسه.

وسيعرض الفيلم ضمن أمسية السينما السعودية المستقلة إلى جانب أفلام قصيرة لكل من المخرجة ريم البيات والمخرج أحمد محسن، وهذا حدث حالم و مهمّ جدًا، لأنه يضع الصوت السعودي المستقل في قلب مدينة تُشكّل ذاكرة السينما العالمية.

أما الحديث عن صناعة الأفلام بـ«موارد محدودة»، فهو مفهوم لا أؤمن به كثيرًا. هذه العبارة تُستخدم عادةً بطريقة تُوحي بأن العمل أقل احترافية، بينما الواقع أن كثيرًا من أجمل وأصدق الأفلام في تاريخ السينما صُنعت بالصدق، وبالحد الأدنى من الإمكانيات. ما هو محدود فعلًا ليس الموارد… بل الموهبة والالتزام والأمانة الفنية.

المؤسف أن كثيرًا من المهرجانات والمؤسسات الإنتاجية تنظر إلى ميزانية الفيلم قبل النظر إلى قيمته الفنية. هذا يقزّم السينما ويحّولها إلى سلعة قابلة للتسعير. السينما بالنسبة لي ليست رقمًا في ملف التمويل، بل تجربة إنسانية تُحَسّ وتُفكَّر وتُعاش.

وعندما يذهب المشاهد إلى السينما، هو لا يبحث عن مواصفات سيارة جديدة. الفيلم ليس منتجًا استهلاكيًا. الفيلم روح، موقف، وجملة حقيقية تُقال بالصورة. أمّا ما يُسمّى اليوم بـ“الإنتاج الكبير” الخالي من الروح، فهو في كثير من الأحيان مجرد ضجيج بصري وحركات كاميرا مضطربة تسبّب صداعًا للمشاهد بدل أن تمنحه لحظة صدق.

عن فيلم    And Then Comes Winter

يضم الفيلم في بطولته ماريتزا فيفِس، الممثلة الأرجنتينية-الأميركية ذات الخلفية المسرحية، و جان كاليكست غرو، الممثل الفرنسي الذي يجسّد شخصية ‘أندريا’. كما يشارك في العمل الممثل الأميركي جودي باين والممثلة إيمي وايت دال، في أداءين يعكسان التنوّع الثقافي والإنساني الذي يحتضنه الفيلم. تولّى كريستيان بينتو إدارة التصوير والمونتاج، وشارك في الإنتاج هاري شيلد كمنتج منفّذ، ضمن إنتاج شركة Look At The Wall Productions التي أسستها جيجي حزيمة. تم تصوير الفيلم خلال سبعة أيام فقط، في تجربة مكثّفة تجمع بين الحسّ الشعري والبناء البصري الدقيق، ليقدّم رؤية إنسانية عميقة حول هشاشة العلاقات والتوق إلى التواصل.

أنتِ تصفين أعمالك بأنها تنتمي إلى ما تسمّينه «سينما العزلة». ماذا يعني لكِ هذا المفهوم، خصوصًا في عرضك لفيلمك في باريس؟ وهل تخاطبين جمهورًا عالميًا؟

أن أقدّم صوتًا سعوديًا في باريس يعني أن أضع التجربة الإنسانية في مركز الحكاية لا الجغرافيا. سينما العزلة بالنسبة لي هي مساحة داخلية، مكان أستعيد فيه ذاتي، حيث يتحول الصمت إلى معنى. لا أكتب لأخاطب جمهورًا محددًا، بل الإنسان أينما كان. الصورة حين تكون صادقة، تتجاوز اللغة والمكان.

ما الخطوة التالية بعد And Then Comes Winter؟

لا أرى السينما كسلسلة مشاريع، بل كرحلة داخلية متصلة. ، أحاول أن أترك للزمن مساحة كي يُعيد ترتيب رؤيتي. الخطوة التالية بالنسبة لي ليست فيلمًا جديدًا، بل وعيٌ جديد بما أريد أن أقول. الفيلم التالي سيأتي حين أكون مستعدة له، لا حين أبحث عنه.

يقال إن الهوية مسألة ذاتية تنبع من التجربة. ماذا عن التحول الفني مع التباس الهوية؟

الهوية بالنسبة لي كالماء، تتغيّر شكلها لكنها تبقى جوهر الحياة. أنا ابنة أماكن متناقضة — مكة منحتني الصمت، لندن منحتني المسافة، ونيويورك منحتني الجرأة. كل مدينة تركت أثرًا في رؤيتي، لكنها لم تُعرّفني. أنا أعيش بين الثقافات لا لأختار إحداها، بل لأصنع منها لغتي الخاصة..

ما قصدك بـ”السينما المستقلة”، وهل تعتبرينها علاجًا للمشاهد؟

عندما أتحدث عن السينما المستقلة فأنا أقصد السينما التي تغوص في العمق، تلك التي تنبع من التجربة الشخصية والجرح والصدق، لا من السطح أو الاستعراض. هي سينما تُصنع بدافع داخلي حقيقي، من حاجة للقول والفهم والمواجهة، وليس بدافع السوق أو الخوارزميات.

والشق الثاني المهم هو أن كلمة مستقل أصبحت تُستخدم اليوم بطريقة فضفاضة. الكثير من الاستوديوهات الكبيرة تسوّق أعمالها على أنها أفلام مستقلة وهي ليست كذلك. الفيلم المستقل الحقيقي هو الفيلم الذي يُموَّل ويُصنع بعيدًا عن المؤسسات والقوى المسيطرة على الصناعة — فيلم يولد من جهد شخصي، من مخاطرة فردية، من حرية كاملة في الشكل والمحتوى.

لهذا أؤمن أن السينما يمكن أن تكون علاجًا — ليس العلاج السريري، بل علاج الروح والذاكرة. حين يشاهد الإنسان فيلمًا صادقًا، يلتقي بجزء من ذاته، وقد يجد فيه شفاءً صغيرًا أو مواجهة كانت مؤجلة. السينما الحقيقية بالنسبة لي عمل شجاع:
تكشف… وتطهّر في الوقت نفسه.

في And Then Comes Winter نشعر أن العلاقات تتداعى بصمت، وأن هناك ظلّ حرب يخيّم على كل شيء، هل يمكن أن نقول إن الفيلم عن الوحدة؟

ليس فقط عن الوحدة، بل عن اختبار للعلاقات بين الناس. الحرب في الفيلم ليست حدثًا سياسيًا، بل حالة وجودية — هي الحرب التي تجمعنا أو تفرّقنا، الحرب التي تحدث بيننا ونحن نحاول أن نحبّ وننجو في الوقت نفسه. لم أرد الحديث عن حرب محددة، بل عن الحروب الخفية التي تسكننا جميعًا — تلك التي تُشكّل طريقتنا في الحب والخوف والفقد. بالنسبة لي، And Then Comes Winter هو عن المسافة بين القرب والبعد، وعن الصمت الذي يملأ الفراغ حين يتوقف الكلام. أردت أن أُظهر كيف يمكن أن تكون العلاقات البشرية في زمن الخوف أكثر هشاشة من الزجاج، لكنها في الوقت نفسه أكثر صدقًا من أي وقت آخر.

أفلامك تتحرك بين الصمت والمحادثات الفلسفية والإيقاع البطيء، كيف تترجمين هذا العالم الداخلي إلى لغة بصرية؟

الصمت والمحادثة بالنسبة لي ليسا نقيضين، بل امتدادان لبعضهما. أحيانًا تصل الفكرة بالصمت أكثر مما تصل بالكلام، لذلك أتعامل مع اللقطة كمساحة تأمل، وليس كحدث. الإيقاع البطيء يمنح الصورة روحها الخاصة، ويتيح للمشاهد أن يعيش داخلها لا أن يمرّ فوقها. أنا لا أتعامل مع الزمن كخلفية للأحداث، بل ككائن حيّ يتنفس، حتى نسمع ما هو خافت. الصورة عندي ليست ترجمة لما يُقال، بل لما يُحسّ — هي اللغة التي يفهمها القلب أولًا.

كيف أثّر تنقلك بين مكة، لندن، ونيويورك على رؤيتك السينمائية؟

كل مدينة منحتني درسًا مختلفًا. مكة غرست فيّ الإحساس بالسكينة والروح، لندن علّمتني المسافة النقدية، ونيويورك منحتني الجرأة في التعبير. هذه المدن لم تُشكّل هويتي، لكنها وسّعت إدراكي، ومن هذا الخليط تولد لغتي السينمائية الخاصة.

كيف توازنين بين السينما الشعرية المستقلة والمشهد التجاري المتنامي في المنطقة؟

أرى أن السينما، سواء كانت مستقلة أو تجارية، تشترك في هدف واحد وهو التواصل مع الإنسان. السينما الشعرية تمنحني مساحة للتعبير الفني الحر والبحث الجمالي، بينما المشهد التجاري في المنطقة يشكّل تطورًا طبيعيًا للصناعة ويخلق فرصًا مهمة للمواهب وصنّاع الأفلام. بالنسبة لي، التحدي الحقيقي هو الحفاظ على النزاهة الإبداعية وسط هذا النمو المتسارع — أي أن تظل الرؤية الفنية صادقة، حتى عندما نعمل ضمن منظومات إنتاج أكبر. أؤمن أن التوازن ممكن حين نتمسك بروح القصة وبقيمتها الإنسانية، لأن الجمهور في النهاية يتفاعل مع الصدق قبل أي شيء آخر. فالتنوّع بين التجاري والمستقل ليس تناقضًا، بل دليل على نضج المشهد السينمائي في المنطقة.

هل يصعب ترجمة مفاهيم مثل استكشاف الذات المتعددة بلغة بصرية؟

السينما بطبيعتها تتحدث بلغة التناقض. يمكن للمشهد الواحد أن يحمل ذوات متعددة، وزوايا متضادة. حين أعمل على الصورة، أترك المجال للغموض أن يتنفس — لأن الحقيقة لا تكون واضحة دائمًا. السينما الجيدة لا تشرح، بل تشعر.

ذكرتِ أنكِ عانيتِ من “تقولب قصصك في الثقافة الغربية”، ما شكل الولادة الجديدة؟

كانت الولادة الجديدة حين توقفت عن السعي لإرضاء أي عين خارجية. القصة السعودية لا تحتاج أن تُترجم لتُفهم، بل تحتاج أن تُروى بصدقها الداخلي. عدت إلى جذوري، إلى البساطة، إلى التجربة الإنسانية كما هي. تلك كانت ولادتي الحقيقية كمخرجة: حين بدأت أروي من الداخل، لا من الصورة التي يريدها الآخر عني.

هل يوحّد الخوف والرعب بين الجميع؟ وما هي الأسئلة الوجودية التي تثيرها أعمالك؟

الخوف هو أكثر المشاعر إنسانية. لكنه أيضًا بوابة الوعي. في أفلامي لا أبحث عن إجابات، بل عن الأسئلة التي تذكّرنا بأننا ما زلنا أحياء: كيف نعيش مع الصمت؟ كيف نحافظ على إنسانيتنا وسط الفوضى؟ السينما بالنسبة لي ليست هروبًا من الألم، بل طريقة لفهمه.

هل تخافين أن تكوني صادقة أكثر من اللازم في أفلامك؟

الصدق فضيلة في الحياة، وكما في السينما.

فريق التحرير

فريق التحرير

فريق تحرير أربيان بزنس يمثل مجموعة من المحترفين. يجمع الفريق بين الخبرة الواسعة والرؤية الابتكارية في عالم الصحافة...