في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، تبرز الروبوتات كأحد أهم محركات التقدم والتغيير. ومن خلال قدراتها المتطورة وإمكانياتها الهائلة، تُعيد تشكيل مفهومنا عن العمل والحياة والمجتمع.
ومع ازدياد قدرات الروبوتات وذكائها، تُصبح أكثر ذكاءً وتفاعلًا، وتتخطى حدود المصانع لتدخل منازلنا ومكاتبنا. ونلقي في هذه المقابلة نظرة على أحدث التطورات في عالم الروبوتات، ونستكشف إمكانياتها الهائلة وتأثيرها المتزايد على مختلف جوانب حياتنا.

وفي لقاء حصري مع أريبيان بزنس، سلط البروفيسور أسامة خطيب، مدير مختبر الروبوتات بجامعة ستانفورد، الضوء على التطورات المذهلة في عالم الروبوتات والآفاق الواعدة لهذا المجال الحيوي.
استهل خطيب حديثه بالإشارة إلى التحول الجذري في استخدام الروبوتات، من كونها مجرد آلات ضخمة تعمل في خطوط الإنتاج، إلى أجهزة ذكية قادرة على التفاعل والتكيف في بيئات متنوعة. وأوضح قائلاً: “اليوم، تتجاوز الروبوتات حدود المصانع، لتدخل منازلنا ومكاتبنا، بل وحتى الأماكن التي لا يستطيع الإنسان الوصول إليها”.
وتجدر الإشارة إلى أن عدد الروبوتات الصناعية الجديدة التي تم تركيبها عالميًا في المصانع وصل إلى رقم قياسي بلغ 517,385 روبوتًا في عام 2021، ليصل إجمالي المخزون التشغيلي إلى حوالي 3.5 مليون وحدة وفقًا لتقرير الروبوتات العالمي.
وشدد خطيب على ضرورة إعادة التفكير في علم الروبوتات بشكل جذري، مستلهمين من القدرات البشرية لتطوير روبوتات أكثر مرونة وحساسية وقدرة على التفاعل. وقال: “نحن نمنح هذه الروبوتات المزيد من الاستقلالية، ولكن هذه الاستقلالية لا تزال محدودة بالمهام الوظيفية. أما الاستقلالية البشرية، فهي تشمل العمليات المعرفية والذكاء والحدس المكتسب بمرور الوقت، وهو ما ينقص الروبوتات حاليًا”.
ولسد هذه الفجوة بين الإنسان والآلة، قدم خطيب وفريقه واجهات تفاعلية مبتكرة، تسمح للمشغلين بالانغماس في بيئة الروبوت والتحكم فيه عن بعد.
وأضاف: “الروبوت يدعم الإنسان ويكون بمثابة يديه وعينيه في مختلف المواقف، بينما يتحكم المشغل فيه من مكان آمن، حتى عبر مسافات بعيدة”.

ويلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في هذه التقنيات، خاصةً في بنية التحكم متعددة الطبقات، حيث يساعد في نمذجة المهارات وفهم الأشياء وخصائصها، مستوحيًا من السلوك البشري. وتشير الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكّن من تحليل ملاحظات أكثر تعقيدًا، وتطبيقات ذاتية الضبط، والتكيف الفوري مع التغيرات البيئية.
وتطرق خطيب إلى التحديات التي تواجه الروبوتات في التفاعل المادي، موضحًا: “في الفضاء الحر، تكون أخطاء الحركة طفيفة. ولكن في مهام التفاعل المادي، يمكن لأي خطأ أن يترتب عليه عواقب وخيمة. فإدارة الحركة والتلامس والاستقرار والاقتران الديناميكي تجعل هذه المهام شديدة التعقيد”. وعلى مدار العقدين الماضيين، أدت التطورات في الميكاترونيكس والتحكم والتخطيط إلى تصميمات روبوتات خفيفة الوزن أكثر أمانًا وأنظمة تحكم تفاعلية متطورة.

استبدال الروبوتات للوظائف البشرية
وفيما يتعلق بالمخاوف من استبدال الروبوتات للوظائف البشرية، طمأن خطيب الجميع قائلاً: “هناك الكثير من الضجيج والمخاوف حول هذا الموضوع، ولكن في الواقع، نحن العاملين في مجال الروبوتات ندرك هشاشتها واحتمالية وقوع أخطاء. الروبوتات تحتاج إلى التدخل البشري، خاصةً في المهام المعقدة في العالم الحقيقي”.
وكشفت دراسة حديثة أنه مقابل كل روبوت يتم إضافته لكل 1000 عامل في الولايات المتحدة، تنخفض الأجور بنسبة 0.42٪، وتنخفض نسبة التوظيف إلى عدد السكان بمقدار 0.2 نقطة مئوية، مما يؤدي إلى فقدان حوالي 400,000 وظيفة.
وأكد خطيب على الإمكانات الهائلة للروبوتات في البيئات غير المنظمة، مشيرًا إلى أن المستقبل يكمن في القدرة على العمل في مثل هذه البيئات، مما يتطلب من الروبوتات التعلم الذاتي والتواصل الفعال.
وأضاف: “المستقبل يكمن في المزج بين القدرات المعرفية البشرية والإمكانات المادية للروبوتات. فهذا التعاون والتكامل سيعزز مهارات الإنسان ويمكّن الروبوتات من إنجاز مهام لا يستطيع البشر تحقيقها بمفردهم بنفس الدقة والكفاءة”.
وفي معرض حديثه عن أهمية المبادرات مثل “متحف المستقبل” في نشر الوعي حول علم الروبوتات والتكنولوجيا، قال خطيب: “هذا المتحف يلعب دورًا محوريًا في تقريب العلوم والتقنيات من الجمهور، ويشجع على التفاعل بين التخصصات المختلفة، كما يلهم ويحفز الجيل الشاب على خوض غمار هذا المجال الشيق”.

وأعرب عن إيمانه بالإمكانات الهائلة لمثل هذه المبادرات في العالم العربي، مضيفًا: “هناك طاقات شبابية مذهلة في منطقتنا، وبإمكان مشاريع مماثلة لمتحف المستقبل أن تُنشأ في مختلف الدول العربية، لتصبح مراكز تميز تجذب وتصقل المواهب في مجالات العلوم والتكنولوجيا”.
وختامًا، أكد خطيب على أنه مع استمرار التطور المذهل في الذكاء الاصطناعي وعلم الروبوتات، حيث من المتوقع حدوث تقدم كبير في العقد القادم، خاصةً مع التطورات في الأجهزة والخوارزميات، سيظل الإشراف والتعاون البشري ضروريًا لضمان السلامة والموثوقية والتقدم المستدام في هذا المجال الحيوي.
وشدد على أننا لا ينبغي أن نتوقع من الروبوتات أن تحل محل العقل البشري أو الحدس، بل ستعمل على تعزيز القدرات البشرية وستتعاون مع الإنسان لتحقيق إنجازات غير مسبوقة.

