بقلم كريستيان جاتيكر، رئيس قسم الأبحاث في جوليوس باير
برزت في عام 2024 اختلافات إقليمية في الاقتصاد العالمي، حيث يشهد الاقتصاد الأمريكي ازدهاراً بفضل الإنفاق الكبير للمستهلكين والتحفيز المالي وقوة سوق العمل. في حين تواجه الدول الأوروبية والآسيوية، ولا سيما الصين، بعض التحديات، إذ يترك تراجع سوق العقارات في الصين أثراً سلبياً على شركائها التجاريين الرئيسيين. ومع ذلك، يمكن ملاحظة بعض علامات التعافي الاقتصادي، حيث بدأت الحكومة الصينية بدعم سوق الإسكان، ومن المتوقع أن تسهم الإجراءات المتعلقة بالسياسات الصناعية في تعزيز التجارة العالمية، ما يعود بالفائدة على الموردين الصناعيين في أوروبا وآسيا. ويشير انخفاض المخزونات العالمية إلى بداية دورة إعادة التخزين، ما قد يؤدي إلى تحفيز الإنتاج الصناعي في نهاية عام 2024.
وبدورها، تتباين توجهات التضخم حول العالم، حيث تواجه الولايات المتحدة صعوبة في ضبط التضخم، في حين تشهد أوروبا انخفاضاً في معدلات التضخم، كما تعاني الصين من ضغوطٍ قد تقود إلى الانكماش الاقتصادي. ويفرض هذا التباين مجموعة من التحديات على المصارف المركزية، توازياً مع التوقعات بتخفيض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا واستمرار التسهيلات في الصين. ومن المحتمل أن تبدأ المصارف المركزية بخفض أسعار الفائدة في أوقاتٍ مختلفة، مما يسهم في تعزيز القدرة على إدارة التضخم.
الانتخابات الرئاسية الأمريكية: فوز كاسح؟
إن الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة في نوفمبر 2024 هي أحد المحركات الرئيسية للأسواق المالية، ومن الممكن أن يؤدي الفوز الكاسح للحزب الجمهوري إلى ارتفاع معدلات الإنفاق الحكومي بما يؤثر على عائدات السندات وقيمة الدولار الأمريكي. وستؤثر نتائج الانتخابات على السياسات الاقتصادية بشكلٍ كبير، مع توقع بحدوث تقلبات في السوق إلى حين صدور النتائج. ومن المرجح أن يحافظ الاحتياطي الفدرالي الأمريكي على الاستقرار ليوفر بيئة داعمة لأصول المخاطر.
العملات: توقعات بحفاظ الدولار الأمريكي على قيمته
توفر عملات الدولار الأمريكي والفرنك السويسري والين الياباني عادةً ملاذاً تقليدياً آمناً، إلّا أن قيمة الين الياباني تشهد تقلباً بسبب تغير السياسات الصادرة عن بنك اليابان. ويستفيد الدولار الأمريكي حالياً من قوة الاقتصاد المحلي، مع احتمال تأثره بالنتائج غير المتوقعة للانتخابات الرئاسية. ومن المتوقع أن يحافظ الفرنك السويسري على استقراره إلا في حال حدوث أزمة غير متوقعة، بالإضافة إلى احتمالية زيادة جاذبية العملات الدورية في نهاية عام 2024، مثل الدولار الأسترالي والكرونة السويدية، مع تراجع قوة الدولار الأمريكي وتعزيز الدورة الاقتصادية العالمية.
الدخل الثابت: من ندرة العرض إلى فائض المخزون
تغيرت نظرة المستثمرين حول السندات السيادية، حيث حلّ القلق من زيادة العرض محل السعي لتحقيق العائدات بسبب ارتفاع معدلات الإنفاق الحكومي. ومن الممكن أن ترتفع معدلات الفائدة بسبب هذا التغيير وعزوف المصارف المركزية عن كونها مشتري الملاذ الأخير. وتشير التوقعات إلى أن عائدات سندات الخزانة الأمريكية المستحقة بعد 10 أعوام ستحقق زيادة تتجاوز 4.5%، مع تقلبات حادة. ويتعين على المستثمرين التركيز على سندات الشركات عالية الجودة وسندات العملة الصعبة في الأسواق الناشئة، لا سيما في آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.
أسهم الأسواق المتقدمة: التناوب الدوري
سجلت أسهم الأسواق المتقدمة أداءً قوياً في مطلع عام 2024 بفضل تحسن آفاق النمو الاقتصادي. وتحافظ أسهم النمو عالية الجودة ذات رأس المال الضخم على مكانتها المميزة، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع تحسن الاقتصاد العالمي، توفر الأسهم الدورية فرص شراء مميزة، وخاصة في القطاع الصناعي، كما توفر الأسهم اليابانية خياراً مثالياً بفضل الإجراءات الإصلاحية للشركات. ومن الممكن أن تستفيد الأسهم ذات رأس المال المتوسط في القطاعات الدورية، مثل القطاعين الصناعي والمالي، من النمو الاقتصادي المتوقع، مع ضرورة اتباع منهجية شاملة تركز على الجودة.
أسهم الأسواق الناشئة: أهمية الأرباح وسياسة الاحتياطي الفدرالي
سجلت أسهم الأسواق الناشئة معدلات نمو أقل من نظيراتها في الأسواق المتقدمة، غير أنها تُظهر تحسناً ملحوظاً منذ نهاية أبريل الماضي. فقد حققت السوق الصينية مكاسب لافتة، ومن المتوقع أن تستمر في تعافيها التدريجي. وترتبط المصارف المركزية في الأسواق الناشئة بشكل وثيق بسياسة الاحتياطي الفدرالي، مع تأثر نمو الأرباح بالانخفاض المحتمل لأسعار الفائدة. ونتوقع تسجيل معدلات نمو متساوية في الأسواق الناشئة، وخاصة في الهند وكوريا الجنوية وتايوان والبرازيل. وأصبحت الصين مركز ثقل اقتصادياً نتيجة الإصلاحات الإيجابية في السياسات والزخم في سوق الأسهم.
التحليل التقني: تجاوز القلق السائد
تواصل أسواق الأسهم تسجيل تحسن ملحوظ في ضوء اتساع السوق وبدعمٍ من توجهات المستثمرين، مع تفضيل أسهم الولايات المتحدة، وخاصة في قطاعات النمو. ومن المتوقع انخفاض معدلات الفائدة العالمية مع ثبات الدخل، ما يؤدي إلى تعزيز السندات مرتفعة العائد. وتسجل عملتا البيزو المكسيكي والريال البرازيلي تحسناً ملحوظاً في سوق العملات، وتشير التوقعات إلى أن قيمة الذهب والفضة ستُظهر ارتفاعاً واضحاً مع ازدياد دعم المصارف المركزية وارتفاع معدلات الطلب خاصة في الصين.
السلع الأساسية: النفط والذهب
تعافت سوق السلع في مطلع عام 2024 بفضل انتعاش الذهب والنفط والمعادن الصناعية، حيث ارتفعت قيمة الذهب بفضل عمليات الشراء التي أجرتها المصارف المركزية مع تزايد الطلب على الشراء، خاصة في آسيا. ومن المرجح انخفاض أسعار النفط مع تراجع أقساط التأمين ضد المخاطر الجيوسياسية. ومن غير المحتمل أن تشهد أسواق السلع أية أزمات في ضوء تراجع خطورة تحديات ندرة الموارد.
الجيل القادم: أتمتة وإصلاح
أثرت العوامل الدورية على مجالات استثمارات الجيل القادم، ومن المتوقع أن تستفيد مجالات الأتمتة والروبوتات ومدن المستقبل من التحسن المستمر لمشهد العوامل الدورية. ويعود تزايد الطلب على حلول الأتمتة إلى تقدّم سن القوى العاملة، وأمن سلاسل التوريد، والتوجه لاعتماد المركبات الكهربائية. وتتميز مدن المستقبل بالأبنية التي تعزز كفاءة استهلاك الطاقة، مع أهمية متزايدة للاستثمار في الكفاءة وتكنولوجيا البناء. ويدعم التحسن الدوري في أسواق العقارات هذا التوجه، ما يسلط الضوء على أهمية التجديد وتعزيز مستويات الكفاءة.
ملخص
تبرز الاختلافات الإقليمية في الاقتصاد العالمي لعام 2024، بما يشمل الازدهار في الولايات المتحدة والتحديات التي تواجه أوروبا وآسيا، خاصة الصين. ولكن من المتوقع أن تسهم تدابير السياسات الصينية في تعافي التجارة العالمية، ما يعود بالفائدة على الموردين الصناعيين. كما تختلف معدلات التضخم لتدفع المصارف المركزية إلى اتخاذ إجراءاتٍ متنوعة. وتلعب الانتخابات الرئاسية الأمريكية دوراً محورياً في الأسواق المالية، مع آثارٍ محتملة على معدلات الإنفاق الحكومي وعائدات السندات. كما يواصل الدولار الأمريكي الحفاظ على قيمته، ومن المتوقع أن تشهد العملات الدورية تحسناً ملحوظاً في وقتٍ لاحقٍ من هذا العام.
وفي سوق الدخل الثابت، يهيمن القلق حول زيادة عرض السندات وارتفاع معدلات الفائدة. بينما حققت أسهم الأسواق المتقدمة انطلاقة قوية بفضل أسهم النمو عالية الجودة ذات رأس المال الضخم. ومع تحسن الاقتصاد العالمي، توفر الأسهم الدورية فرص شراء مميزة، وخاصة في القطاع الصناعي. أما أسهم الأسواق الناشئة، فتظهر تحسناً ملحوظاً مع تحول الصين إلى مركز ثقل اقتصادي بفضل التغيير الإيجابي للسياسات المتبعة.
