يشهد القطاع المالي في المملكة العربية السعودية تحولاً عميقاً يعكس الطموحات الاقتصادية الواسعة التي تتبناها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030. ويتصدر قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة هذا التحول، بعد أن انتقل من كونه ركيزة مساندة للاقتصاد إلى لعب دور محوري باعتباره أحد أكثر المحركات ديناميكية في تعزيز الأنشطة غير النفطية، لا سيما مع النمو الملحوظ في حجم الإقراض الموجه لهذه المنشآت خلال السنوات الأخيرة. فالزخم الريادي يشهد نمواً متسارعاً في مختلف مناطق المملكة، ويترافق مع التعاون الاستراتيجي بين الجهات التنظيمية والبنوك وروّاد التكنولوجيا المالية، ضمن المساعي الوطنية الأوسع الرامية إلى تعزيز الشمول المالي وفتح آفاق جديدة للنمو المستدام.
ووفقاً للبيانات الصادرة عن البنك المركزي السعودي، فقد تجاوز إجمالي التمويل الممنوح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة حاجز 420 مليار ريال سعودي خلال الربع الثاني من عام 2025، مسجلاً نمواً سنوياً يفوق 37%،[1]وذلك في ضوء التوسع المستمر في برامج ومبادرات التمويل الخاصة بهذا القطاع. ويعكس هذا التوجه انتشار حلول الائتمان في السوق، وازدياد ثقة البنوك السعودية في أهمية هذه الشريحة الحيوية وضرورة تلبية احتياجاتها. ومع ذلك، فإن عمق التحوّل لا يكمن في الأرقام، بل في التغيير الهيكلي المتشكل خلفها، والذي يتجلى في نماذج الأعمال الجديدة، والابتكارات الرقمية، والالتزام الجماعي لدى جميع الأطراف بالتأسيس لاقتصاد متنوع وتنافسي في المملكة.
انسجام دعم السياسات مع الطلب في السوق
شهد إقراض المنشآت الصغيرة والمتوسطة نمواً لافتاً، مدفوعاً بعوامل جوهرية تميّز السوق السعودي، في مقدمتها الدور التمكيني للجهات ذات الارتباط الحكومي، مثل الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) وبنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والتي أسهمت في تسهيل وصول الشركات إلى الائتمان، خصوصاً بالنسبة للشركات الناشئة وسريعة النمو. كما أسهم التوسع في برامج الضمان، وعلى رأسها برنامج كفالة، في الحد من انكشاف المقرضين على المخاطر، الأمر الذي حفّز البنوك على توسيع قاعدة التمويل لتشمل شرائح إضافية، من بينها المنشآت متناهية الصغر التي أصبحت تحظى اليوم بفرص أوسع للوصول إلى الائتمان.
حازم المقرن، مدير إداري للخدمات المالية لدى ألفاريز آند مارسال، الرياض

وفي ضوء المساعي المستمرة نحو تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 الخاصة بتعزيز ريادة الأعمال، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، ودعم التنمية الاقتصادية على المستوى الإقليمي، فقد باتت المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحظى بمكانة استراتيجية مؤثرة ضمن أجندة النمو الوطني. وأدى هذا الزخم المتنامي إلى تزايد أعداد التراخيص التجارية، واتجاه مزيد من الشركات نحو تنظيم عملياتها ضمن هياكل رسمية، مما أسهم في ارتفاع الطلب بشكل ملحوظ على رأس المال العامل، وحلول تمويل الأصول، وتمويل خطط التوسع والنمو. وبناءً على ذلك، حدّدت البنوك قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة ضمن الشرائح الواعدة التي تتيح لها تنويع محافظها وتحقيق نمو مستدام على المدى الطويل.
القطاع المصرفي يواصل مواجهة التحديات بثبات
وقفت البنوك أمام واقعٍ جديد فرض عليها مواءمة نماذجها التشغيلية بشكل عاجل ودقيق، لمواكبة النمو السريع في حجم الائتمان المقدم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. وقد دأبت البنوك في المملكة على تعزيز إداراتها المتخصصة بخدمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتطوير قدرات خدمة العملاء لديها، إضافة إلى استقطاب خبرات نوعية في مجال الاكتتاب الائتماني. كما يتجه المقرضون إلى تقسيم سوق المنشآت الصغيرة والمتوسطة عبر التفريق بين المنشآت المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتصميم أطر مخاطر تتلاءم مع خصائص كل فئة على حدة.
وعلى الرغم من التعقيد الهيكلي المرتبط بعمليات إقراض المنشآت الصغيرة والمتوسطة، أظهر هذا القطاع قدرة لافتة على التكيف ظهرت في تحسين كفاءة التكاليف، والانضباط في إجراءات الاكتتاب، وتعزيز آليات إدارة المخاطر، مما أسهم في تمكين البنوك من توجيه مسار النمو بصورة مسؤولة. والأهم من ذلك أن البنوك لا تقتصر اليوم على تقديم مزيد من الائتمان، بل أصبحت توفر حلولاً شاملة تغطي جميع مراحل الخدمة، وتدمج منتجات الإقراض مع خدمات إدارة النقد، ومنصات الدفع الرقمية، وخدمات التجار، والدعم الاستشاري، مما يشير إلى انتقال واضح من المعاملات المصرفية التقليدية إلى نمط مصرفي قائم على بناء العلاقات وترسيخها.
دور البنية الرقمية وشركات التقنية المالية في تعزيز الشمول المالي
أدى التوسع الملحوظ في المنظومة الرقمية بالمملكة العربية السعودية دوراً جوهرياً في استيعاب شريحة أكبر من المنشآت الصغيرة والمتوسطة ضمن الإطار المالي الرسمي. وتشير نشرات “استثمر في السعودية” الصادرة عن وزارة الاستثمار، إلى جانب التقارير السنوية لفنتك السعودية، إلى أن المملكة باتت تضم اليوم أكثر من 200 شركة تعمل في مجال التقنية المالية[2]. ويستند هذا التوجه بوضوح إلى تطورات تنظيمية بارزة، لا سيما اعتماد إطار المصرفية المفتوحة والبيئة التشريعية التجريبية التابعة للبنك المركزي السعودي، مما أسهم في توسيع فرص الوصول إلى الائتمان، خصوصاً أمام المنشآت الأصغر حجماً التي تبحث عن حلول تمويلية سريعة وأكثر اعتماداً على التقنيات الرقمية.
وبدورها، تؤدي منصّات الإقراض الرقمي دوراً محورياً في تمكين تقييمات ائتمانية أكثر شمولاً في المملكة، لا سيما أنها تسهم في تسريع عمليات اتخاذ القرار الائتماني، وتقليل الوثائق المطلوبة، والاستفادة من بيانات بديلة تمتدّ من نشاط نقاط البيع إلى سجلات معاملات التجارة الإلكترونية. ويُسهم هذا التطوّر في توسيع آفاق الحصول على التمويل للمنشآت الصغيرة، بما يعزّز مشاركتها في النظام المالي الرسمي ويدعم ترسيخ قواعد أوسع للشمول المالي.
وتشكل الشراكات بين البنوك وشركات التقنية المالية ركيزة أساسية في تحقيق هذا التقدم. فالبنوك تقدم ميزانيات قوية وإشرافاً تنظيمياً صارماً وآليات متقدمة لإدارة المخاطر، بينما تضيف شركات التقنية المالية جانب المرونة، وتصاميم موجهة نحو العملاء، وقدرة على التحليلات الفورية. ويؤسس هذا التعاون بنيةً تحتية ائتمانية متطورة تلبي الاحتياجات المتغيرة والمتنامية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة على نطاق واسع.
تعزيز دعائم التنويع الاقتصادي
يعود ارتفاع وتيرة الإقراض للشركات الصغيرة والمتوسطة بالفائدة على جميع جوانب الاقتصاد؛ بدءاً من توفير فرص عمل جديدة مع توسيع الشركات نطاق أعمالها، إلى اتساع مظلة الشمول المالي بفضل انتقال الشركات إلى الهيكلة الرسمية وتأسيسها لسجلات ائتمانية. كما يساعد توسيع الوصول إلى التمويل على تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، العاملة خارج المراكز الحضرية الكبرى، من توسيع مساهمتها في النشاط الاقتصادي، وبالتالي دعم النمو الاقتصادي على مستوى المملكة. أما تسهيل إجراءات التمويل، فتشجع المنشآت على الابتكار، وتزوّدها بالموارد اللازمة لتجربة الأفكار الجديدة، والمنافسة في السوق، والإسهام في تطوير المشهد الاقتصادي المتنامي في المملكة.
الفرص القائمة لتعزيز مشهد تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة
إن النجاح في تعزيز كفاءة التمويل، وإيصاله إلى شريحة أكبر يتطلب تحديثاً مستمراً للإمكانات الرقمية وحلول البيانات، لا سيما في ضوء النمو المتواصل لمنظومة المنشآت الصغيرة والمتوسطة؛ إذ يمكن تسهيل عمليات التقييم الائتماني، خاصةً للمنشآت الصغيرة، من خلال تطوير أدوات التقارير الرقمية، والمنصات المالية الموحدة، والبنية التحتية للمدفوعات الآنية.
ولا بدّ في المستقبل المنظور من الاعتماد على نماذج العمليات الرقمية القابلة للتوسعة، لتمكين البنوك من توفير خدمات أكثر كفاءة وعلى نطاق أكبر لهذه المنشآت. وعلى هذا الصعيد، تحرز الشركات في مختلف أنحاء المملكة تقدماً ملحوظاً، حيث تستثمر بشكل متزايد في الأتمتة، ومسارات الائتمان الرقمية الشاملة، وتعزيز كفاءة عمليات مكاتب الدعم.
وتواصل شركات التقنية المالية ترسيخ دورها على الساحة، مستفيدةً من الأطر التنظيمية المتينة في المملكة. فالبنوك وشركات التقنية المالية باتت اليوم تلتزم بمعايير موحدة على صعيد إدماج التكنولوجيا، والحوكمة والامتثال، ما يسهم في بناء منظومة مالية تتسم بالمرونة والابتكار، قادرة على دعم النمو المستدام للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والحفاظ على الاستقرار المالي.
الموجة التالية من الفرص
فيما تواصل منظومة المنشآت الصغيرة والمتوسطة مسيرة نضوجها، تبرز فرص جديدة لكلّ من الجهات المقرضة والمبتكرين على حدّ سواء، تسهم في توسيع دائرة الوصول إلى الائتمان أمام القطاعات ذات الإمكانات العالية. ونشأت هذه الفرص من الحلول المبتكرة مثل التمويل المدمج، الذي يدمج المنتجات المالية ضمن منصات سلسلة التوريد مباشرةً؛ وأنظمة نقاط البيع؛ والأسواق المخصصة لقطاعات محددة. ويمكن للبنوك الاستفادة أيضاً من الفرص التي توفرها القطاعات المدرجة ضمن أولويات رؤية السعودية 2030، مثل الخدمات اللوجستية، والسياحة، والخدمات الرقمية، والطاقة المتجددة، من أجل تصميم حلول مخصصة لكل قطاع. ومن جهة أخرى، تُعد الشركات الناشئة والموظفون المستقلون شريحة واعدة للبنوك، خاصةً مع التطورات المستمرة في مجال المصرفية المفتوحة، وأنظمة التصنيف الائتماني البديلة، والحلول الرقمية للتحقق من الهوية، التي تنسجم تماماً مع الالتزام بممارسات إدارة المخاطر المدروسة والمتينة.
سوقٌ مهيأة لتحقيق النمو المستدام
يرتكز مشهد الإقراض للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة على الانسجام العالي بين السياسات الطموحة، وجاهزية القطاع المالي، والابتكار التقني، ووجود الحافز لريادة الأعمال. وتمهّد الأسس المتينة، التي ترسخت خلال الأعوام الأخيرة، الطريق أمام المملكة للانتقال إلى المرحلة القادمة من النمو المستدام، والتي لا ينحصر دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة فيها كمستفيدٍ من النمو الاقتصادي، بل يرسخ مكانتها كأطراف رائدة تسهم في تحقيق الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل.
ويعتمد النجاح المتواصل في هذا القطاع على التعاون بين جميع الأطراف المعنية، من البنوك وشركات التقنية المالية إلى الهيئات التنظيمية وأصحاب الشركات، الذين يسهمون معاً في رسم ملامح مشهد مالي يتّسم بالمرونة والتنافسية والشمول. كما تمتلك المملكة جميع العوامل اللازمة لتحقيق الاستفادة القصوى من قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مثل المناخ الاستثماري المواتي، والسياسات الداعمة، والتنفيذ المنضبط، والانتشار المتزايد لثقافة الابتكار.
ويمكن القول إن الإنجازات التي تحققت حتى الآن هي مجرد البداية، إذ ما زالت الجهات المقرضة توسّع نطاق إمكاناتها، وتواصل المنشآت الصغيرة والمتوسطة تعزيز مساهماتها في الاقتصاد غير النفطي. وفي ضوء الزخم الكبير، ووضوح الهدف، يسير قطاع تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية بخطىً ثابتة نحو مستقبل واعد بالفرص الاستثنائية.
[1]بيانات البنك المركزي السعودي كما وردت في تقرير وزارة الاستثمار على منصة استثمر في السعودية، النشرة الشهرية لأداء أبرز المؤشرات الاقتصادية والاستثمارية في المملكة العربية السعودية – أكتوبر 2025، شريحة “إجمالي التسهيلات المقدمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر (بحسب المصدر) (الربع الأول 2023 حتى الربع الثاني 2025)”.
[2]فنتك السعودية، التقرير السنوي 2023-2024، البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية.
حازم المقرن، مدير إداري للخدمات المالية لدى ألفاريز آند مارسال، الرياض

