أعلنت الأمم المتحدة عن نيتها تسريح آلاف الموظفين لديها عقب خفض غير مسبوق في ميزانيتها للعام 2026 بقيمة تصل إلى 500 مليون دولار أميركي، وذلك عقب قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوقف أكثر من مليار دولار من التمويل المخصص للمنظمة الدولية. القرار يضع المنظمة أمام تحديات مالية وإدارية ضخمة، أبرزها التخفيضات الحادة في الوظائف والبرامج الأساسية.
وفق الأرقام الرسمية، ستتراجع الميزانية الأساسية للأمم المتحدة من 3.7 مليار دولار في عام 2025 إلى نحو 3.2 مليار دولار في عام 2026، أي بخفض نسبته 15.1% مقارنة بالعام السابق. ويعني ذلك أن المنظمة ستضطر إلى تقليص 18.8% من الوظائف المعتمدة ضمن ميزانيتها الأساسية.
سيبدأ الأمر بتسريح ما لا يقل عن 3,000 موظف من أصل القوة العاملة الأساسية التي يبلغ حجمها 35,000 موظف، على أن يصل إجمالي خسائر الوظائف في نهاية المطاف إلى قرابة 7,000 وظيفة إذا استمرت الأزمة. هذه النسبة تعني أن واحداً من كل خمسة موظفين تقريباً معرّض لفقدان وظيفته.
كانت الولايات المتحدة لعقود المساهم الأكبر في مالية المنظمة، ما جعل اعتماد الأمم المتحدة على التمويل الأميركي “هيكلياً وخطيراً” وفق خبراء. ومع غياب الاستعداد من غالبية الدول الأعضاء لتعويض هذا العجز، يبدو أن فجوة التمويل ستستمر خلال السنوات المقبلة. وتشير التقديرات إلى أن أميركا كانت تغطي ما يزيد عن 25% من الميزانية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يجعل العجز الحالي بالغ الصعوبة في تعويضه. الدول الكبرى الأخرى، مثل الصين أو الاتحاد الأوروبي، لم تُبدِ حتى الآن نية لزيادة مساهماتها بما يكفي لسد الفراغ.
على الرغم من الأزمة، يواصل الأمين العام أنطونيو غوتيريش الدفع بمشروعه المعروف بـ”ميثاق المستقبل”، الذي يركز على وضع سياسات تنظيمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة. إلا أن محللين يشككون بقدرة المنظمة على إدارة مثل هذه المبادرات في ظل تقليص الموارد المالية والبشرية.
يرى منتقدو السياسة الأميركية أن تقليص انخراط واشنطن في الأمم المتحدة يعيد إلى الأذهان تجربة فشل “عصبة الأمم” بعد الحرب العالمية الأولى حين رفضت الولايات المتحدة الانضمام إليها، وهو ما ساهم في انهيار النظام الدولي آنذاك واندلاع الحرب العالمية الثانية لاحقاً. الإدارة الأميركية من جهتها أكدت صراحة أنها تعتزم تقليص ارتباطها بالمؤسسات الدولية بشكل شامل، بعد أن أعلنت بالفعل انسحابها من منظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونسكو، إضافة إلى وقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. كما تجري واشنطن مراجعة مدتها 180 يوماً لتحديد هيئات دولية إضافية قد تُلغى مشاركتها فيها. مع هذه التطورات، تقف الأمم المتحدة أمام تحدٍ لم يسبق أن واجهته منذ تأسيسها عام 1945، ليس فقط في ضمان استمرار برامجها الإنسانية والتنموية، بل وفي الحفاظ على قدرتها البيروقراطية التشغيلية بعد تسريح آلاف الموظفين وخفض مئات الملايين من ميزانيتها.

