شهد البيت الأبيض اليوم الجمعة، الموافق 28 فبراير 2025، استقبالاً متوتراً للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لقاء كان من المفترض أن يركز على اتفاقية الموارد المعدنية وجهود السلام، لكنه انتهى بمواجهة كلامية حادة بين الزعيمين أمام وسائل الإعلام.
بدأت الزيارة بمصافحة رسمية على شرفة البيت الأبيض، وانتهت بتبادل انتقادات علنية حول مستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا والمفاوضات مع روسيا، مما يعكس التوتر المتزايد في العلاقات بين البلدين في ظل إدارة ترامب الجديدة وتطورات الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات.

استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عند مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض بطريقة رسمية لكنها اتسمت بالتحفظ والفتور. صافح ترامب زيلينسكي على شرفة البيت الأبيض لدى وصوله، لكن لوحظ أن اللقاء افتقر إلى الحرارة المعتادة في مثل هذه المناسبات الدبلوماسية الرفيعة.
وكانت هذه الزيارة الخامسة لزيلينسكي إلى البيت الأبيض، وأول زيارة رسمية له منذ عودة ترامب إلى السلطة. وكان آخر لقاء بينهما في ديسمبر الماضي في باريس خلال حفل إعادة افتتاح كاتدرائية نوتردام المرممة، عندما لم يكن ترامب قد تولى منصبه رسمياً بعد.
استُقبل زيلينسكي بحضور أفراد من القوات العسكرية الأمريكية حاملين 56 علماً تمثل جميع ولايات ومناطق الولايات المتحدة، إضافة إلى علمي الولايات المتحدة وأوكرانيا. لكن اللافت في الاستقبال هو اختيار ترامب لـ “قبضة التحدي” بدلاً من الإبهام المرفوع الذي استخدمه لتحية رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في وقت سابق من الأسبوع، كما بدا زيلينسكي صارماً ومتحفظاً خلال مراسم الاستقبال.
وصل زيلينسكي إلى البيت الأبيض بعد اجتماعه مع أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، وكان من المقرر أن يدلي كلا الزعيمين بتصريحات موجزة للإعلام، تليها تصريحات من كلا الزعيمين ومؤتمر صحفي مشترك في الساعة الواحدة ظهراً بالتوقيت المحلي (الثامنة مساءً بتوقيت كييف).

مفاوضات حول اتفاقية الموارد المعدنية
كان محور زيارة زيلينسكي هو مناقشة اتفاقية محتملة تتعلق بالمعادن النادرة في أوكرانيا، وهي مواد أساسية في صناعة مختلف الأجهزة التكنولوجية. وخلال اجتماع لمجلس الوزراء يوم الأربعاء، ألمح ترامب إلى تقدم في المحادثات بين البلدين بشأن صفقة ستمنح الولايات المتحدة حصة ملكية كبيرة في هذه المعادن مقابل دعمها المستمر لأوكرانيا منذ الغزو الروسي في فبراير 2022.
سبقت الزيارة أسابيع من المفاوضات المتوترة حيث رفضت أوكرانيا مسودتي الاقتراح الأوليتين، معتبرة إياهما التزامات من جانب واحد على أوكرانيا دون أي تعهدات أمنية من جانب واشنطن. وتنص الاتفاقية المتنازع عليها طويلاً على إنشاء صندوق ستساهم فيه أوكرانيا بنسبة 50% من عائدات التحويل النقدي المستقبلي للموارد المعدنية المملوكة للدولة، بما في ذلك النفط والغاز والبنية التحتية اللوجستية.
كان زيلينسكي قد قدم لترامب في وقت سابق “خطة النصر” التي اقترحت تبادل الموارد الطبيعية الأوكرانية والمعادن الحيوية مقابل الدعم الأمريكي، وكان من المتوقع أن يتم توقيع اتفاق إطاري حول هذه المسألة خلال الزيارة الحالية.
شهد المكتب البيضاوي مواجهة كلامية حادة بين الرئيسين خلال المؤتمر الصحفي الذي استمر لمدة 45 دقيقة. بدأت المشادة عندما تحولت المناقشة إلى موضوع المساعدات الأمريكية لأوكرانيا، مما أدى إلى تبادل انتقادات علنية بين الزعيمين.
قال ترامب لزيلينسكي بلهجة حادة: “أنتم تقامرون بإشعال حرب عالمية ثالثة.. إما أن تبرموا اتفاقاً أو أننا سنبتعد”. وأضاف: “أنت لا تتصرف على الإطلاق وكأنك ممتن. هذا ليس تصرفاً لطيفاً”. علق ترامب بعد المشادة قائلاً: “سيكون هذا تلفزيوناً رائعاً”، مشيراً إلى الجدل العلني الذي وقع بينهما.
من جانبه، أكد زيلينسكي أنه لا ينبغي أن تكون هناك “تسويات” مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التفاوض على اتفاق سلام. وخلال اللقاء، عرض زيلينسكي على ترامب صوراً لفظائع الحرب، مضيفاً: “أعتقد أن الرئيس ترامب في صفنا”.
خلفية العلاقات المتوترة وجهود السلام
جاءت زيارة زيلينسكي بعد رحلات مماثلة عبر المحيط الأطلسي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر هذا الأسبوع.
وتأتي في ظل توترات متزايدة بعد أن وصف ترامب مؤخراً زيلينسكي بأنه “ديكتاتور” – وهي تصريحات أثارت جدلاً كبيراً، رغم أن ترامب قال لاحقاً إنه لا يتذكر استخدامه لهذه الكلمة.

كما أعرب ترامب في اليوم السابق للقاء عن ثقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قائلاً إنه يعرفه منذ فترة طويلة ولا يعتقد أنه سيخرق اتفاقية سلام لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية بمجرد توقيعها.
في هذا الشهر، بدأ مسؤولون أمريكيون محادثات سلام مع ممثلين روس في المملكة العربية السعودية، بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو. كان هذا أول اجتماع شخصي بين مسؤولين روس وأمريكيين خلال رئاسة ترامب يهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.
تعكس المواجهة الكلامية والتوتر الظاهر بين الرئيسين التحديات الكبيرة التي تواجه مستقبل العلاقات الأمريكية الأوكرانية في ظل إدارة ترامب الجديدة. فمن جهة، تسعى أوكرانيا للحفاظ على الدعم الأمريكي المستمر في مواجهة العدوان الروسي، ومن جهة أخرى، يبدو أن ترامب يسعى لتحقيق اتفاق سريع ينهي الصراع، مع تأمين مصالح اقتصادية أمريكية متمثلة في الاستفادة من الموارد المعدنية الأوكرانية.
رغم التوتر الظاهر، يدرك كلا الرئيسين أهمية الحفاظ على علاقات إستراتيجية. فقد أشار ترامب خلال اللقاء إلى أنه سيكون من الرائع إذا تمكن هو وزيلينسكي من وقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، في حين يسعى زيلينسكي لضمان أن تحافظ أي اتفاقية سلام محتملة على سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها.
تبقى نتائج هذه الزيارة المتوترة غير واضحة بعد، لكنها تشير إلى تحول محتمل في الموقف الأمريكي تجاه الصراع الروسي الأوكراني، وقد تؤثر بشكل كبير على مستقبل المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية لأوكرانيا في المرحلة المقبلة.

