ذكرت مؤسسة “غالوب” أن أقل من نصف الأميركيين باتوا يعتبرون الدين جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية، في مؤشر على تراجع التدين ودخول الولايات المتحدة مرحلة جديدة من تاريخها الثقافي والاجتماعي. الرقم لم يكن مجرد إحصاءٍ عابر، بل إشارة على تحوّل عميق يعيد رسم حدود الإيمان، الهوية، والسياسة في أكثر المجتمعات الغربية تدينًا تقليديًا. وحتى وقت قريب، كانت الولايات المتحدة استثناءً بين الدول الغنية، فهي ذات اقتصاد صناعي متقدم، وكنائس مكتظة. لكن اليوم، انقلب الحال مع تراجع تلك الصورة بسرعة، حيث أظهر أحدث استطلاع أن 49% فقط يرون الدين جزءًا محوريًا من حياتهم، انخفاضًا حادًا من 66% قبل عقدٍ واحد. خلف هذا الانخفاض تقف جملة من الأسباب المتشابكة تمتد من السياسة إلى التكنولوجيا.
هل أفسدت السياسة العقيدة الدينية والتدين؟
بدأ تراجع التدين مع التسييس المتزايد للدين، خاصة منذ الثمانينيات عندما تحالف التيار الإنجيلي مع الحزب الجمهوري تحت شعار “القيم العائلية”. هذا الارتباط الوثيق بين العقيدة والسياسة خلق رد فعل معاكسًا في أوساط الشباب والليبراليين، الذين رأوا أن الكنائس فقدت حيادها، لتتحول من فضاء روحي إلى منصة حزبية. ومن هنا ظهرت فئة “اللامنتمين دينيًا” أو “Nones”، الذين لم يتخلوا عن الإيمان بالضرورة، لكنهم رفضوا الانتماء المؤسسي لأي طائفة.
البديل الرقمي
إلى جانب السياسة، ساهم الإنترنت والثقافة الرقمية في إعادة تشكيل علاقة الأفراد بالمعرفة والهوية. لم تعد الكنيسة المصدر الوحيد للمعنى أو التواصل الاجتماعي، إذ أتاحت المنصات الرقمية بدائل فكرية وروحية، وجعلت الانتماء الديني أكثر اختيارية وأقل إلزامًا. وزاد من حدة التحول تراجع الثقة بالمؤسسات بعد فضائح الانتهاكات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية، ما دفع كثيرين إلى إعادة النظر في العلاقة بين العقيدة والسلطة.
العولمة والتعلم والقيم
العوامل التعليمية والديموغرافية لعبت أيضًا دورًا حاسمًا. فكلما ارتفع التعليم ومستوى الدخل، تراجع حضور الدين في الحياة اليومية. المدن الكبرى، حيث تتركز الجامعات والفرص، أصبحت بؤرًا للعلمنة، بينما تقود نساء الجيل زد موجة الرفض للدين المنظم، مدفوعات بوعي متزايد بالمساواة الجندرية واستقلالية الهوية. لكن للانحدار الديني وجه سياسي لا يقل أهمية. ففي الوقت الذي تتآكل فيه الروابط الدينية للحزب الديمقراطي التقليدي، تظهر كتلة علمانية متماسكة تميل بوضوح نحو الليبرالية الاجتماعية. على الجانب المقابل، يزداد اليمين الديني تماسكًا داخل الحزب الجمهوري، حيث يمثل الإنجيليون البيض — الذين منحوا 85% من أصواتهم للرئيس السابق دونالد ترامب عام 2024 — قاعدة انتخابية صارمة تدفع بالبوصلة السياسية نحو معارك “القيم” مثل الإجهاض وحقوق الأقليات الجندرية.
صراع الهوية
نتيجة ذلك، يتعمق الانقسام في المجتمع الأميركي. لم تعد الخلافات تدور حول الضرائب أو السياسات الخارجية بقدر ما أصبحت صراعًا هوياتيًا يحدد فيه الموقف من الدين الانتماء الحزبي نفسه. وبينما تتراجع أهمية القضايا الدينية التقليدية في أوساط الجيل الجديد، تبرز أسئلة حول مستقبل العلاقة بين الكنيسة والدولة وحجم تأثير المؤسسات الدينية في السياسة. هكذا تدخل الولايات المتحدة مرحلة “العلمنة البطيئة”، التي لا تعني اختفاء الإيمان بقدر ما تعني انتقاله من ساحة الحياة العامة إلى المجال الفردي. في مجتمع ولد على فكرة “الحرية الدينية”، يبدو أن الحرية اليوم تدفعه نحو شكل جديد من الإيمان أي تدين فردي ومتغير، وأحيانًا بعيد عن الكنيسة تمامًا.
الفضائح الأخلاقية
ساهمت عدة عوامل في تقليص الدور المجتمعي والروحي للمؤسسات الدينية وأبرز هذه العوامل الفضائح الأخلاقية، التي كان لها صدمات أبرزها فضائح الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة الكاثوليكية وطوائف بروتستانتية أخرى دور كبير في تآكل ثقة الجمهور، مما جعل الكثيرين يشعرون بأن الكنيسة لم تعد “مسيحية جداً” في أعينهم.
(فضيحة كنيسة جيت واي التي تورط فيها روبرت موريس، القس الإنجيلي البارز والمستشار السابق للرئيس دونالد ترامب آنذاك، والذي اعترف بسلوك جنسي غير لائق مع قاصر في الثمانينيات الصورة : Alex Brandon/AP.)


