حذّر رئيس وزراء سنغافورة، لي هسين لونغ في مقال في صحيفة فايننشيال تايمز، من أن الانتقال إلى نظام عالمي ما بعد أمريكا سيكون “فوضويًا” ومحفوفًا بالشكوك. وأكد أن العالم لن يعود إلى “الوضع الراهن” السابق بسبب السياسات التجارية الأمريكية الشاملة، وخاصةً التعريفات الجمركية التي فُرضت في عهد إدارة ترامب في ولايتها الثانية. ووصف لي الإطار العالمي الحالي بأنه أصبح فعليًا “عالمًا ناقصًا”، ما يعني عالمًا يعمل دون تأثير الولايات المتحدة المُستقر. وأكد أن نظام التعريفات الجمركية الأمريكي العدواني يُسبب دوامة اقتصادية هابطة من خلال تبادل الإجراءات الانتقامية بين الدول، مما يُهدد استقرار التجارة العالمية والنمو الاقتصادي. ويمكن أن تؤثر التعريفات، بما في ذلك تلك التي تستهدف قريبًا قطاعي الأدوية وأشباه الموصلات – وهما قطاعان حيويان لاقتصادات مثل سنغافورة – بشكل كبير على الدول التجارية الأصغر وسلاسل التوريد العالمية. وعلى الصعيد الجيوسياسي، حذّر لي من أن تزايد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، والذي تفاقم بسبب النزاعات التجارية، سيجعل البيئة الدولية أقل استقرارًا وهدوءًا، مما يزيد من صعوبة إدارة الدول لتحالفاتها وتجنب الصراعات بحذر. بالنسبة لسنغافورة، ينطوي هذا النظام العالمي الجديد على تداعيات خطيرة اقتصاديًا وسياسيًا، مما يتطلب دبلوماسية دولية واستعدادًا محليًا لعصر أقل قابلية للتنبؤ وأكثر تجزئة. يُضيف تحذير رئيس وزراء سنغافورة مزيدًا من التحديد إلى القلق الأوسع بشأن نهاية الهيمنة الأمريكية، من خلال تسليط الضوء على العواقب الاقتصادية للسياسات التجارية الأمريكية، والآثار المزعزعة للاستقرار على التجارة العالمية والوضع الجيوسياسي، والتحديات العملية التي تواجهها الدول خلال هذا الانتقال “الفوضوي” إلى نظام عالمي ما بعد أمريكا. ويرى كثير من المحللين أن الصِّدام بين الولايات المتحدة والصين يبدو حتميّاً إلّا إذا سلّمت أميركا بعظَمة الصين وسيادتها العالميّة في اليوم الذي سيأتي، وهو لم يعُد بعيداً.
ويطيب لبعض المحللين الإشارة إلى أن انهيار العملة كان عاملاً محورياً في نهاية الإمبراطوريات التاريخية الكبرى مثل الرومانية والإسبانية والبريطانية، ولعب دوراً اقتصاديًا حاسماً ومُسرِّعاً للانهيار. في معظم الحالات، كانت المشاكل النقدية والاقتصادية عرضاً لتدهور أعمق وأكثر تعقيداً يشمل عوامل سياسية واجتماعية وعسكرية. ويعكس ذلك ما يتداوله عدد كبير من الأكاديميين والاستراتيجيين في مراكز الدراسات الكبرى حول مستقبل النظام الدولي ودور الولايات المتحدة فيه. والحديث اليوم لا يدور حول انهيار أمريكا كقوة في حد ذاتها، بل حول تراجع نموذج الهيمنة الأحادية الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لكن هيئة هذا التراجع قد تحمل مساراً عصيباً قد يهدد الاستقرار العالمي.

هل هو إقرار أمريكي؟
صدرت عن مؤسسة راند، المركز البحثي البارز للمجمع الصناعي العسكري الأمريكي، ورقة بحثية استثنائية تشير بوضوح إلى تحوّل في استراتيجية المؤسسة الأمريكية الحاكمة، حيث تتجه نحو قبول التعايش مع الصين كبديل عن الردع، وهو ما يُعد اعترافًا ضمنيًا بتغير ميزان القوة المادي. وتتمحور خلاصة التوصيات الرئيسية في هذه الورقة حول ثلاثة محاور محورية، أولها التخلي عن وهم النصر وقبول شرعية الخصم، وتُشدد الورقة على أن الولايات المتحدة يجب أن تعيد صياغة أهدافها في التنافس مع الصين عبر الرفض الصريح لأي تصور يمكن أن يفضي إلى النصر، وفي المقابل، قبول شرعية الحزب الشيوعي الصيني. ويُبرر هذا التحول بواقعية مُرّة؛ فالنصر بمعناه الشامل مستحيل (“التدمير الفعلي للطرف الآخر ليس خيارًا ممكنًا”)، والاستمرار في السعي إليه أمر كارثي يهدد “بقاء” الطرفين. ثانيًا: ترسيخ مفهوم التعايش والتسوية المؤقتة، وتوصي راند بضرورة أن يتجذّر القبول لدى صانعي القرار في كل من واشنطن وبكين بأن قدرًا من “التسوية المؤقتة” سيكون جزءًا لا يتجزأ من طبيعة العلاقة الثنائية. ويتطلب هذا التعايش اعترافًا متبادلاً بالشرعية السياسية الأساسية لكلا الجانبين. ثالثًا: إقرار نهج جديد تجاه تايوان يوازن بين طمأنة بكين وكبح تايبيه، وهذا هو الجانب الأكثر لفتًا للانتباه في الورقة، حيث يتكون من شقين أولهما طمأنة الصين بشأن هدف التوحيد، تدعو الورقة الولايات المتحدة إلى إرسال إشارات واضحة تؤكد فيها عدم دعمها لاستقلال تايوان أو معارضتها للتوحيد السلمي، بهدف إعطاء بكين “أقصى حافز” لتبني مسار تدريجي لتحقيق هدفها النهائي وهو إعادة التوحيد، وثانيهما استخدام النفوذ الأمريكي لكبح تايوان، توصي الورقة بأن تستغل واشنطن “نفوذها المحتمل على تايوان” لضمان “الحد من أنشطتها التي تُخل بالوضع الراهن”، منتقدةً تصريحات تايوان التي تؤكد سيادتها. هذا يعني عمليًا الضغط على تايبيه لمنع الاستفزازات التي قد تصعد التوترات مع بكين. وتلخص المؤسسة موقفها بالقول إن هذه التوصيات ليست مبادرات ودية، بل هي قراءة استراتيجية عميقة مفادها أن ميزان القوة المادي العالمي قد تغير بشكل جوهري.

