Posted inآخر الأخبارأخبار أريبيان بزنستكنولوجياذكاء اصطناعيمقالاتهواتف ذكية

الذكاء الاصطناعي على الجهاز… المرحلة الجديدة لثورة الحوسبة الذكية

التوجّه نحو الذكاء الاصطناعي على الجهاز لا يتمحور فقط حول القدرة الحسابية الخام؛ بل يتعلق أكثر بتحسين تجربة المستخدم والسرعة والحفاظ على الخصوصية.

الذكاء الاصطناعي

لقد تابعت المؤتمر العالمي للجوال لسنوات عديدة، ويمكنني القول بكل ثقة إن نسخة عام 2025 لها طابعٌ خاص ومميز. فبينما ظلّ الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة في المشهد التقني منذ فترة، إلا أنني هذا العام لاحظت نقلة أعمق بكثير. الفكرة التي كانت يوماً ما خيالية، أن يقوم الذكاء الاصطناعي بمهام معقّدة على هاتفك أو حاسوبك بدلاً من خادم بعيد، باتت واقعاً ملموساً.

وقد برز هذا التحوّل مراراً وتكراراً في أحاديثي مع المسؤولين التنفيذيين في المجال التقني وفي جولاتي بين أروقة المعرض. خلال جلستين أقامتهما شركة كوالكوم، قدّماهما إنريكو سالفاتوري، نائب الرئيس الأول ورئيس كوالكوم في أوروبا ودورجا مالادي، نائب الرئيس الأول والمدير العام لتخطيط التكنولوجيا وحلول الحافة في شركة كوالكوم وتلاهما نقاشٌ مستفيض على طاولةٍ مستديرة، استطاع الحاضرون استيعاب السبب وراء حماس قطاع التكنولوجيا الكامل حيال مفهوم “الذكاء الاصطناعي على الجهاز” بدلاً من الاعتماد الكلي على السحابة.

unsplash

الذكاء الاصطناعي في كل مكان ولكن جهازك هو النجم الحقيقي

لطالما كان مفهوم الذكاء الاصطناعي المحلي يتبلور منذ مدة، لكنه لم يصبح ممكناً على نطاق واسع إلا مؤخراً. منذ بضع سنوات، كانت نماذج مثل ChatGPT الأولى تمتلك 175 مليار معامل (Parameter)، وكان تصوُّر تشغيلها على هاتف ذكي أمراً شبه مستحيل. أما في عام 2025، فقد صار الحديث عن تشغيل ذكاء اصطناعي توليدي على جهازٍ صغير في مقدمة المشهد. التقنية السحرية التي تجعل هذا ممكناً تُعرَف باسم “تقنية التقطير” (Model Distillation)، حيث يبدأ المطوّرون بنموذج ضخم يلعب دور “المعلّم”، ثم يدرّبون نموذجاً أصغر حجماً يقوم بنفس المهام تقريباً ولكن بعدد أقل بكثير من المعامِلات.

وها نحن نرى الآن نماذج مصغّرة لا تتجاوز بضعة مليارات من المعاملات، وما زالت قادرة على إنتاج نتائج فائقة الذكاء. خلال جولاتي في أروقة المعرض ببرشلونة، صادفتُ عروضاً توضيحية لهواتف تتعامل بسلاسة مع توليد النصوص وتحليل الصور دون أي تباطؤ ملحوظ.

وقد أوضح إنريكو سالفاتوري في كلمته أن هذا التوجّه نحو الذكاء الاصطناعي على الجهاز لا يتمحور فقط حول القدرة الحسابية الخام؛ بل يتعلق أكثر بتحسين تجربة المستخدم والسرعة والحفاظ على الخصوصية. فعندما يتم تنفيذ عملية الاستدلال (Inference) محلياً على الجهاز، لا تحتاج في كل مرة إلى الاتصال بخوادم بعيدة. وهذا يعني استجابات فورية تقريباً، ما يتيح تطبيقات تتطلب ردوداً في أجزاء من الثانية، مثل أنظمة الواقع المعزز أو الترجمة الفورية للغة.

كما أن هذه السرعة الآنية تمنحك تجربة خالية من التأخير المزعج الذي كنا نراه في النماذج المعتمدة على السحابة. وإذا كنت في مكان تتذبذب فيه الشبكة، فإن وجود “العقل” داخل الجهاز نفسه يلغي عامل عدم الاستقرار.

هناك أيضاً جانبٌ مهم يتعلق بالخصوصية؛ فمع اشتداد قيود حماية البيانات حول العالم، ولا سيما في أوروبا، يوفّر الذكاء الاصطناعي على الجهاز فرصة لتقليل كمية المعلومات الشخصية التي تنتقل إلى الخوادم السحابية أو تعود منها. وبما أن مرحلة الاستدلال، أو ما يمكن تسميته بـ “التفكير”،تحدث محلياً، يمكن الاحتفاظ بالمعلومات الحسّاسة على هاتفك.

هذه النقطة تلقى صدى واسعاً في المناطق التي تلتزم بلوائح صارمة مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، لكنها أيضاً تروق للمستخدمين العاديين الذين لا يرغبون في إرسال بياناتهم الشخصية إلى أطراف بعيدة. فإذا كان الأمر يتعلّق ببيانات صحية أو سجلات مالية أو حتى موقعك الجغرافي، فإنّ معالجتها محلياً تحدّ من انكشافها على المحيط الخارجي.

unsplash

تجدر الإشارة هنا إلى أن آثار هذا التوجه امتدت لتشمل قطاعات تفوق مجرد التقنية الاستهلاكية. فالسيارات، على سبيل المثال، تدخلها شرائح مصممة خصيصاً لتنفيذ مهام الذكاء الاصطناعي. يمكنك تخيّل نظام داخل المركبة يتعرّف على إيماءات السائق ويتوقّع الازدحام المروري في الوقت الفعلي أو يراقب البيئة المحيطة بالسيارة دون حاجة مستمرة إلى الاتصال بالشبكة.

وفي المجال الصناعي، بات “جهاز الحافة (Edge Device)” جزءاً أساسياً في مصانع تدمج الذكاء الاصطناعي لتفحّص المنتجات أو إدارة الروبوتات المحلية.

وقد ساهمت التطورات في مجال الاتصال أيضاً، مثل الجيل الجديد من مودمات الجيل الخامس 5G بسرعات تصل إلى 12 جيجابت في الثانية واقترابنا من Wi-Fi 7في جعل هذه الأنظمة قادرة على الارتباط بالسحابة عند الحاجة، دون أن تكون عاجزة تماماً في حال انقطاع الانترنت.

في صميم هذا التحول، نرى توازناً جديداً بين التدريب القائم على السحابة والتنفيذ على الحافة. فلا تزال الشركات تستفيد من مراكز البيانات الضخمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام كميات هائلة من البيانات.

وعقب عملية التدريب، يتم تقليص حجم هذه النماذج وتنزيلها على أجهزة المستخدم النهائي. إنها مقاربة هجينة تجمع بين ميزة التعلم واسع النطاق في السحابة وميزة الاستجابة السريعة والتحكم المحلي في الجهاز نفسه. ومن الواضح من أجواء المؤتمر أن هذه البداية فقط؛ إذ إنه كلما تحسّنت تصميمات الشرائح وزادت كفاءة خوارزميات الذكاء الاصطناعي المصغّرة، تسارعت وتيرة انتشار “الذكاء” في كل أصناف الأجهزة.

unsplash

الذكاء الاصطناعي وما بعده

بالرغم من أن معظم الحديث في المؤتمر العالمي للجوال لهذا العام تمحور حول الذكاء الاصطناعي، فإن ما لفت الانتباه هو الكيفية التي قد يغيّر بها هذا الذكاء طبيعة تعاملنا مع أجهزتنا وتقنياتنا اليومية. كانت هناك نقاشات مستفيضة حول كيفية اندماج الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب حياتنا، بدءاً من الهواتف الذكية ووصولاً إلى البيئات الصناعية والسيارات. لكن المثير للاهتمام حقاً هو فكرة أن الذكاء الاصطناعي قد لا يكون مجرد ميزة إضافية؛ بل سيغدو بمثابة “طبقة” جديدة تتيح لنا التفاعل مع التقنية بطرق أكثر سهولة وسلاسة.

خلال الجلسة الحوارية التي تلت الكلمة الرئيسة، تحدّث الحاضرون عن مستقبل الواجهات بين الإنسان والآلة في ظل صعود ما يسمى بـ”الذكاء الاصطناعي كواجهة استخدام (AI as the new UI)”. تخيّل أن تتعامل مع هاتفك أو حاسوبك من خلال التحدث إليه باللغة الطبيعية بدلاً من التمرير بين القوائم أو الضغط على الأزرار. إذا رغبت في تثبيت تطبيق معين، قد تكتفي بقول: “ثبّت التطبيق الذي يُتيح لي تتبع حالتي الرياضية ويعطيني نصائح غذائية”، فيُنفَّذ الأمر دون أن تضطر للبحث اليدوي. المفهوم نفسه يمتد إلى العديد من المجالات الأخرى؛ فيمكن أن تطلب من سيارتك تشغيل وضع القيادة الاقتصادية أو حجز موعد صيانة، أو من حاسوبك المحمول ترشيح أفضل الصور من مجموعتك الهائلة الموزعة على مساحات تخزين خارجية.

لكن من المهم إدراك أن تحقيق هذه الرؤية يثير عدداً من التساؤلات: كيف يمكن ضمان الخصوصية والأمان إن كان الذكاء الاصطناعي يتعامل مع كمّ كبير من البيانات الشخصية أو المؤسسية؟ هنا ظهر مصطلح “الرسم البياني المعرفي الشخصي(Personal Knowledge Graph)” في أحاديث الخبراء. الفكرة أن يقوم جهازك بإنشاء قاعدة بيانات محلية، منظمة ومشفرة، تخزن معلوماتك الشخصية، تفضيلاتك، ملفاتك، وجهات الاتصال المهمة، وحتى عاداتك اليومية. وعندما يلبّي الذكاء الاصطناعي طلبك، سواء كان حجز موعد عند الطبيب أو تقديم نصائح لتخفيض الضغط النفسي، يستطيع الوصول إلى هذه البيانات محلياً، دون الحاجة لإرسال أي معلومات حساسة إلى خوادم بعيدة. هذه المقاربة تسهّل أيضاً الامتثال للوائح مثل الـGDPR في أوروبا، إذ تبقى البيانات تحت سيطرة المستخدم بالكامل.

النقاشات لم تتوقف عند حدود الأجهزة المحمولة؛ فالمجال الصناعي كان حاضراً بقوة. المصانع وخطوط الإنتاج بدأت تتبنّى الذكاء الاصطناعي على أطراف الشبكة (Edge AI) لتسريع عمليات المراقبة والجودة وتقليل أوقات التوقف. إن توفُّر قدرات الاستدلال (Inference) مباشرةً على أجهزة محلية يتيح للروبوتات الصناعية تعديل حركتها أو اكتشاف العيوب دون تأخير أو اعتماد مستمر على اتصال بشبكة خارجية. ومن ناحية أخرى، يمكن للسيارات الحديثة المزودة بوحدات معالجة عصبية (NPUs) اتخاذ قرارات سريعة فيما يتعلق بأنظمة مساعدة السائق، مثل تفادي العقبات وتحليل حالة الطريق، وكل ذلك في أجزاء من الثانية، ودون الارتباط الدائم بخادم خارجي.

unsplash

يرى كثير من الخبراء أن هذا التوجّه نحو الذكاء الاصطناعي المدمج داخل الأجهزة لن يلبث أن ينتشر إلى فئات سعرية أوسع. حالياً، تظل معظم الشرائح المتقدمة موجودة في الهواتف الرائدة أو السيارات الفاخرة أو حلول الشركات الكبرى. لكن مع تضاعف جهود البحث والتطوير، وانخفاض تكلفة تصنيع الشرائح المتخصصة، ستصبح هذه التقنيات أكثر شمولاً وتنوّعاً. قد نشهد قريباً حواسيب محمولة متوسطة السعر قادرة على إدارة مهام تعلم الآلة بسهولة، أو سيارات اقتصادية بميزات مساعدة ذكية غير مسبوقة، أو حتى منازل ذكية حقيقية تعتمد على حوسبة محلية للذكاء الاصطناعي في إدارة الطاقة والأجهزة دون إرسال بياناتنا باستمرار إلى السحابة.

بالطبع، كل ابتكار جديد له تحدياته. هناك أسئلة متعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في حال استخدامه لتحليل سلوك المستخدمين بدقّة شديدة. كما أن تطبيقات الإعلانات الموجهة يمكن أن تصبح أكثر تطفّلاً إذا كانت قادرة على الفهم العميق لعاداتنا واهتماماتنا بمجرد وجود قدرات استدلال عالية على جهازنا ذاته. لذا يؤكد المختصون مراراً على ضرورة وضع أطر قانونية وأخلاقية واضحة تحكم كيفية تجميع البيانات والتعامل معها، بحيث لا تنقلب مزايا التقنية إلى عوامل انتهاك أو استغلال.

تبدو الرسالة الأساسية التي خرجتُ بها من جلسات كوالكوم والنقاشات حولها في المؤتمر واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على الحوسبة السحابية الهائلة؛ بل بدأ يستقر شيئاً فشيئاً في أجهزتنا وحياتنا اليومية. وبينما قد يفتح ذلك الباب أمام تجارب استخدام ثورية، مثل التعامل مع الأجهزة بأسلوب حواري طبيعي أو تمكين عمليات صناعية فائقة الدقة، علينا أيضاً أن نكون واعين للتوازن بين الراحة والسرعة من جهة، والخصوصية والأمان من جهة أخرى. فالعالم يتجه نحو حقبة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي عضواً أساسياً في كل جهاز نملكه، مما يغير نظرتنا للتقنية نفسها ويدفعنا لإعادة تقييم علاقاتنا الرقمية يومًا بعد يوم.

هذا التحوّل، الذي يدمج الذكاء الاصطناعي مباشرة في أجهزتنا، يُبشّر بقفزة نوعية في العديد من القطاعات. وليس مستبعداً أن نرى في السنوات القليلة المقبلة تكاملاً أكبر بين الهواتف والسيارات والأجهزة المنزلية الذكية وجميع التقنيات الأخرى، ليشكّلوا معاً ما يشبه نظاماً بيئياً متكاملاً يدور حول الذكاء الاصطناعي. وحين نتساءل عما بعد هذا التحوّل، قد نجد أنفسنا أمام سؤال أكثر جذرية: هل سيستمر الذكاء الاصطناعي في التوسّع ليصبح ببساطة نمط التشغيل الافتراضي لجميع أجهزتنا، أم سنشهد ثورة أخرى تأتي لتعيد رسم المشهد برمّته من جديد؟

فريق التحرير

فريق التحرير

فريق تحرير أربيان بزنس يمثل مجموعة من المحترفين. يجمع الفريق بين الخبرة الواسعة والرؤية الابتكارية في عالم الصحافة...