Posted inأخبار أريبيان بزنسأخبار السعودية

التمويل المستدام عامل حاسم لنجاح مشاريع البنية التحتية الكبرى في السعودية

 بول هيرست، رئيس قطاع النقل وشريك في شركة آدِلشو جودارد، يكشف أبرز مقومات نجاح مشاريع كبرى في السعودية

 بول هيرست رئيس قطاع النقل وشريك في آدِلشو جودارد
 بول هيرست رئيس قطاع النقل وشريك في آدِلشو جودارد

تقف المملكة العربية السعودية اليوم عند مفترق طرق في مسيرتها الاقتصادية. وأين يقف التمويل المستدام، فـرؤية السعودية 2030 تُمهّد الطريق لموجة غير مسبوقة من مشاريع البنية التحتية الطموحة، بدءًا من المبادرات المستقبلية مثل مدينة “القدية”، وصولًا إلى شبكات النقل الواسعة ومراكز الطاقة المتجدّدة. ولا تكفي الخبرات التقنية والتخطيط الحكيم لتحقيق هذه الطموحات على أرض الواقع، بل لا بدّ أيضًا من وضع أطر تمويلية قوية ومستدامة، قادرة على الصمود أمام تقلّبات الأسواق واختبارات الزمن.

بناء أُطر تمويلية مستدامة

لعلّ النموذج الأمثل لتمويل مشاريع البنية التحتية العملاقة في المملكة العربية السعودية يقوم على ثلاث ركائز أساسية، ألا وهي الجدوى المالية طويلة الأمد، والشفافية، والقدرة على التكيّف. فرغم ضخامة طموحات المملكة على صعيد البنية التحتية، تبقى التحديات المالية موازية لها في الحجم والتعقيد، ما يستدعي حلولًا مبتكرة وهيكلية تمويلية توازن بين الطموح والاستدامة. لذا يُستحسن أن تعتمد المملكة نهجًا تمويليًّا متعدّد المستويات، يجمع بين الاستثمار الحكومي المباشر، ومشاركة القطاع الخاص، والاستفادة من رؤوس الأموال الدولية.

ولا سبيل لتحقيق ذلك من دون وجود سياسات وتشريعات واضحة وقابلة للتنبؤ.  فلا مفرّ من اعتماد آليات شفّافة في عمليات الشراء، إلى جانب تقييم دقيق للمشاريع ومعايير صارمة للتقارير المالية. تُساهم هذه العناصر في ضمان تنفيذ المشاريع ضمن الجداول الزمنية والميزانيات المحدّدة، كما تُعزّز ثقة المستثمرين وأصحاب الشأن، وهي الثقة التي تُشكّل حجر الأساس لأي نموذج تمويلي ناجح ومستدام. تتمتّع المملكة العربية السعودية بموقع قوي في هذا السياق، ما يتيح لها الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية لتطوير أطرها التنظيمية حيث يقتضي الأمر، فبإمكانها الرجوع إلى  الكتاب الأخضر في المملكة المتحدة لتقييم المشاريع، أو معايير الاتحاد الأوروبي للمشتريات الحكومية.

كما يُمكن للمملكة أن تدرس إنشاء صناديق مخصّصة للبنية التحتية، مدعومة بثروتها السيادية الحالية ورؤوس الأموال الخاصة، لتُشكّل مصدرًا مستقرًا وطويل الأمد لتمويل المشاريع ذات الأولوية. ويمكن هيكلة هذه الصناديق بطريقة تُمكّنها من إعادة تدوير العائدات المُتأتّية من المشاريع المُنجزة وضخّها في استثمارات جديدة، بما يُسهم في خلق دورة تنموية مستدامة.
وقد أثبتت تجارب بعض دول مجلس التعاون الخليجي جدوى هذا النموذج، حيث أدّت الصناديق المُتخصّصة إلى تحفيز تطوير البنية التحتية عبر توفير رؤوس أموال طويلة الأجل.

دور الشراكات بين القطاعَين العام والخاص

تُعدّ الشراكات بين القطاعَين العام والخاص من الركائز الأساسية لتمويل مشاريع البنية التحتية المستدامة حول العالم. وفي المملكة العربية السعودية، يُمكن تصميم هذه الشراكات بطريقة تُوزّع المخاطر والعوائد بعدالة بين الطرفَين. ويتطلّب ذلك تحديدًا دقيقًا لمسؤوليات كل جهة، حيث تتولّى الجهات الحكومية عادةً مهام مثل الاستحواذ على الأراضي، والحصول على التراخيص، والإشراف التنظيمي، في حين يُسهم الشركاء من القطاع الخاص بخبراتهم التقنية، وقدرتهم على الابتكار، ورؤوس أموالهم. لقد أحرزت المملكة تقدّمًا ملحوظًا من خلال المركز الوطني للتخصيص في وضع أفضل الممارسات وتطوير نماذج عقود تُراعي متطلّبات المستثمرين العالميين، مع إدراك واضح لأهمية وجود أطر تعاقدية شفّافة، وآليات فعّالة لنقل المخاطر، ونظم دفع قائمة على الأداء. ويُمكن تطوير هذه الأطر بشكل أكبر في قطاعات أكثر تخصّصًا مثل مشاريع المترو والقطارات الخفيفة، بما يُراعي خصوصية كل فئة من الأصول والبُنى التحتية وتداخلاتها التشغيلية ضمن سياقها المحلي. ويُسهم ذلك في ضمان شفافيّة عقود الشراكة بين القطاعَين العام والخاص شفافة، وتوافقها مع المعايير الدولية، وقابلية تنفيذها.

تُعدّ اللوائح التنظيمية الواضحة من العوامل الأساسية في استقطاب القطاع الخاص ليُشارك بدور أكبر.  فالمستثمرون بحاجة إلى الوضوح بشأن قضايا محورية مثل آليات تسوية النزاعات، وتحديد التعرفة، وخطط الخروج من المشروع. ويُشكّل إنشاء المركز الوطني للتخصيص والشراكة بين القطاعَين العام والخاص (NCP) في المملكة خطوة إيجابية في هذا الاتجاه، كما ذكرنا سابقًا. إلا أنّ تطوّر الأسواق يتطلّب مواصلة صقل الإطار التنظيمي، بما يشمل تبسيط إجراءات الموافقات، وتوحيد شروط العقود، وتوفير وسائل إنصاف قانونية فعّالة في حال نشوب النزاعات.

التمويل المشترك والأساليب المبتكرة

يُمثّل التمويل المشترك، أي دمج مصادر التمويل من القطاعَين العام والخاص وجهات التمويل متعدّدة الأطراف، أداة واعدة لفتح آفاق استثمارية جديدة في مشاريع البُنية التحتية العملاقة التي تشهدها المملكة العربية السعودية. ومن خلال الاستفادة من التمويل التفضيلي، أي التمويل الذي يُقدَّم بشروط ميسّرة مقارنة بأسعار السوق، مثل القروض منخفضة الفائدة، وفترات السداد الأطول، أو المنح المباشرة، بالتوازي مع رأس المال التجاري، يُمكن للمملكة تقليص مستوى المخاطر في المشاريع، واستقطاب شريحة أوسع من المستثمرين.

تلعب الضمانات المدعومة من الحكومة دورًا محوريًا في تعزيز ثقة المستثمرين، ويُمكن أن تتّخذ أشكالًا متعدّدة مثل ضمانات الإيرادات، أو ضمانات الحد الأدنى من حركة المرور لمشاريع النقل، أو التأمين ضد المخاطر السياسية. من شأن هذه الأدوات أن تحدّ من حالات عدم اليقين، وتجعل المشاريع أكثر قابلية للتمويل المصرفي، لا سيّما في القطاعات التي قد تتّسم بالتقلّب أو عدم استقرار تدفّقات الإيرادات أو التي لم تخضع للاختبار بعد. وعند تقديم مثل هذه الضمانات، ينبغي على الحكومة السعودية توجيهها نحو مجالات المخاطر الجوهرية التي يتعذّر على القطاع الخاص تحمّلها أو إدارتها بفعالية.

تُعدّ الأدوات التمويلية المبتكرة مثل السندات الخضراء والتمويل المرتبط بالاستدامة أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظلّ سعي المملكة العربية السعودية لتحقيق أهداف رؤيتها لعام 2030. فمن جهة، تُتيح السندات الخضراء توجيه رؤوس الأموال نحو مشاريع الطاقة المتجدّدة، وحفظ المياه، والنقل منخفض الانبعاثات؛ ومن جهة أخرى، تُكافئ القروض المرتبطة بالاستدامة المُقترضين عند التزامهم بتحقيق أهداف واضحة في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG). ومن خلال تطوير إطار تنظيمي قوي لإصدار هذه الأدوات ومراقبة أدائها، يُمكن للمملكة أن تستقطب قاعدة متنامية من المستثمرين العالميين الذين يولون الأولوية لاستثمارات تتماشى مع مبادئ الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة الرشيدة.

جذب الاستثمارات الدولية

يُفضّل المستثمرون الدوليون المشاريع التي تُوفّر عوائد متوقّعة، وحوكمة شفّافة، وحماية قانونية قوية. وقبل ضخّ رؤوس أموالهم، يبحث هؤلاء عن وضوح تامّ بشأن المخاطر المرتبطة بالمشروع، ونماذج الإيرادات، واستراتيجيات التخارج.

ويكمُن جوهر هذا التوجّه في تطبيق العقود بفاعلية، وحماية حقوق الملكية، وتوفير آليات فعّالة لفضّ النزاعات. وقد شكّلت الإصلاحات الأخيرة التي نفّذتها المملكة في مجالات القانون التجاري والتحكيم والاستثمار الأجنبي خطوة مشجّعة، إلا أنّ الحفاظ على حوار مستمرّ مع المستثمرين الدوليين يبقى أمرًا محوريًا لضمان أن تبقى الأطر التنظيمية ملائمة ومرنة وقادرة على مواكبة تطوّرات السوق. وعلاوة على ذلك، ينبغي على المملكة أن ترسّخ ثقة المستثمرين من القطاع الخاص في إجراءات المشتريات الحكومية، مع الحرص على إيصال حجم الفرص الاستثمارية المتاحة بوضوح وشفافية، إذ إنّ تأجيل أو إلغاء أو تقليص نطاق المناقصات قد يُقوّض هذه الثقة، ويُضعف حماسة المستثمرين الدوليين لضخّ رؤوس أموالهم في السوق السعودية.

يُمكن أن تلعب البنوك العالمية والمؤسسات المالية متعدّدة الأطراف، مثل البنك الدولي، وبنك الاستثمار الآسيوي للبُنى التحتية، والبنك الإسلامي للتنمية، دورًا محفّزًا ومحوريًا في دعم نمو مشاريع البنية التحتية الكبرى في المملكة. فمشاركة هذه الجهات لا تُوفّر التمويل فحسب، بل تُضيف أيضًا خبرات فنية متقدّمة، وأدوات لتخفيف المخاطر، ومصداقية دولية تعزّز ثقة المستثمرين. ومن هذا المنطلق، ينبغي على المملكة، حيثما تسنّى لها، أن تعزّز تعاونها الفعّال مع هذه المؤسّسات لتمويل المشاريع ذات الأولوية بشكل مشترك، والاستفادة من شبكاتها العالمية الواسعة.

وهنا نصل إلى مكاتب المحاماة التي تؤدّي دورًا محوريًا في مساعدة الحكومات والمستثمرين على فهم النماذج التمويلية المتطوّرة والتعامل معها بفعالية.  وفي شركة أدلشو غودارد، نُقدّم الاستشارات القانونية المتخصّصة في هيكلة الشراكات بين القطاعَين العام والخاص، وصياغة أدوات تمويل مبتكرة، وضمان الامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) المعترف بها عالميًا. وبفضل خبرتنا في أسواق دولية متعدّدة، فإنّنا نمتلك القدرة على دعم عملائنا في إدارة المخاطر، والتفاوض بشأن العقود المعقّدة، وفضّ النزاعات.

ا

إنّ مسيرة المملكة العربية السعودية نحو تطوير بنية تحتية عالمية الطراز هي مسيرةٌ طموحة، لكنّها ليست بعيدة المنال أبدًا. ومن خلال بناء أطر تمويلية مستدامة، وتوسيع نطاق الشراكات بين القطاعَين العام والخاص، وتبنّي أساليب التمويل المبتكر والمشترك، إلى جانب استقطاب الاستثمارات الدولية، تستطيع المملكة إنجاز مشاريع نوعية تُحدث تحوّلًا حقيقيًا يُسهم في تحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز الازدهار الاجتماعي على المدى البعيد. فعنوان المستقبل هو الابتكار، والتعاون، والالتزام الراسخ بالشفافية والاستدامة. ومع وجود أسس قانونية وتنظيمية ومالية متينة، تمتلك المملكة العربية السعودية المقوّمات الكاملة لتحقيق أهداف رؤية 2030، وترسيخ مكانتها كمرجع يُحتذى به إقليميًا وعالميًا في تطوير مشاريع البنية التحتية العملاقة، بما يُحدث نقلة نوعية في هذا القطاع المحوري لعقود قادمة.

 بول هيرست رئيس قطاع النقل وشريك في آدِلشو جودارد

فريق التحرير

فريق التحرير

فريق تحرير أربيان بزنس يمثل مجموعة من المحترفين. يجمع الفريق بين الخبرة الواسعة والرؤية الابتكارية في عالم الصحافة...