يواجه النظام الغذائي العالمي تحديات غير مسبوقة بسبب تغير المناخ، والنمو السكاني، واضطراب سلاسل التوريد، مما كشف عن عجز الأساليب الزراعية التقليدية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة. وفي هذا السياق، تبرز البروتينات البديلة، سواء المستخلصة من النباتات، أو المزروعة في المختبرات، أو المنتجة عبر “التخمير الدقيق” ، كحلٍّ واعدٍ يُمهّد الطريق لنظام غذائي أكثر أمانًا واستدامة. ومن المتوقع أن يصل حجم هذا القطاع إلى 290 مليار دولار بحلول العام 2035، مدفوعًا بالطلب المتنامي على بدائل غذائية صديقة للبيئة. وعلى رغم من القدرات الهائلة التي تتمتع بها هذه الصناعة، إلى أنها تواجه عقبات تنظيمية تعيق تقدمها، بدءًا من تعقيدات الموافقات وصولًا إلى عدم كفاءة الإجراءات، مما يُبطئ وصول هذه المنتجات إلى الأسواق ويحدّ من انتشارها عالميًا. وفي بداية ظهورها، كانت البروتينات البديلة مجرد خيارات غذائية تستهدف فئة محدودة من الأشخاص، لكنها اليوم تحظى بانتشار واسع وباتت هذه المنتجات جزءًا من حياتنا اليومية. فأصبح منتجات مثل حليب الشوفان وألواح البروتين والبرجر النباتي متاحة في المتاجر الكبرى، ودخلت اللحوم المُصنَّعة مرحلة التسويق التجاري، فيما تقترب البدائل البحرية المُنتَجة بتقنيات مثل “التخمير الدقيق” من دخول الأسواق، الأمر الذي يعكس تحولًا جذريًا في العادات الاستهلاكية.
وبالمقارنة مع نظيرتها المصنعة بالطرق التقليدية، تتميز البروتينات البديلة بميزات بيئية كبيرة، فهي تحتاج إلى مساحات زراعية أقل بنسبة تصل إلى 97%، مما يضمن سلاسل توريد أكثر استقرارًا واستدامة. إضافة إلى فوائدها البيئية الهائلة ودورها في خفض انبعاثات الكربون. وتشير الدراسات إلى سوق البروتينات البديلة سيستحوذ على ما نسبته 11% من سوق البروتين العالمي بحلول 2035، والتي بدورها ستساهم في خفض انبعاثات الكربون بمقدار 0.85 جيجا طن، أي ما يعادل إزالة الكربون من 95% من قطاع الطيران العالمي.
وإلى جانب فوائدها البيئية، تُعد البروتينات البديلة خيارًا صحيًا بامتياز، فهي تحتوي على دهون مشبعة أقل وإضافات محدودة، مع تركيز أكبر على المكونات المستدامة. وأثبتت دراسات أن استبدال اللحوم الحيوانية بالبدائل النباتية يُسهم في خفض مستويات الكوليسترول الضار، مما يعزز قيمتها الغذائية.
لكن التحدي الأكبر يكمن في تعقيد الإجراءات التنظيمية، التي تختلف من دولة إلى أخرى، حيث تتراوح فترات الموافقة بين 9 أشهر في سنغافورة و5 أعوام في الاتحاد الأوروبي. هذا التباين يخلق حالة من عدم اليقين للشركات، التي تضطر إلى تكبد تكاليف باهظة وانتظار طويل دون ضمان وصول منتجاتها إلى المستهلكين. ويتعاظم التحدي عندما تسعى الشركات للتوسع عالميًا، إذ يتطلب ذلك الخضوع لاختبارات وموافقات منفصلة في كل سوق، مما يزيد الأعباء المالية ويُعيق دخول الأسواق الجديدة، ويُضعف ثقة المستثمرين في هذه المنتجات الواعدة.
ويعد غياب المعايير الموحدة عالميًا العائق الأكبر أمام نمو قطاع البروتينات البديلة، مما يبطئ توظيف حلول قادرة على تعزيز الأمن الغذائي والاستدامة. لذا، أصبح التنسيق الدولي ضرورة ملحّة لإنشاء إطار تنظيمي سريع وفعال، على غرار ما حدث في صناعة الأدوية عبر ” المجلس الدولي لتوحيد المتطلبات الفنية للأدوية للاستخدام البشري (ICH)”. فالاتفاق على معايير واضحة للسلامة ووضع العلامات سيُسرّع انتشار هذه المنتجات ويُلبّي الطلب المتزايد عليها.
وبدأت بعض الحكومات التحرك لمعالجة هذه التحديات، حيث وقّعت سنغافورة والولايات المتحدة اتفاقية في 2023 لتبادل تقييمات سلامة اللحوم المزروعة، مما خفض زمن الموافقات. لكن تعميم هذه الممارسة يتطلب تحويل الاتفاقيات الثنائية إلى بروتوكولات دولية تُوحّد إجراءات التقييم وتبسط المتطلبات.
وكانت هذه القضية محور نقاش في مؤتمر “تكنولوجيا الغذاء المستقبلية” في سان فرانسيسكو، حيث شارك مكتب أبوظبي للاستثمار من خلال مجمع تنمية الغذاء ووفرة المياه (AGWA) المبادرة الرائدة لدعم الابتكار في قطاع الغذاء والمياه. وقد أكد الحضور على أن التفاوت التنظيمي يشكل العائق الأكبر أمام نمو الصناعة وتوسعها، وأن التعاون العالمي هو الحل الوحيد لدفع القطاع قدمًا.
وفي خطوة متقدمة، أوصى تقرير صدر الشهر الماضي عن لجنة الأمن القومي التابعة للكونجرس الأمريكي المعنية بالتقنيات الحيوية الناشئة، بضرورة تبسيط اللوائح التنظيمية لمنتجات الأغذية المبتكرة. فيما دعمت حكومات مثل بريطانيا والسويد جهود توحيد المعايير. وهو ما يعكس إجماعًا عالميًا على أن التنسيق التنظيمي هو السبيل لتحقيق التقدم، ويؤكد أن الجهات التي تبنت مبكرًا لهذا النهج، مثل أبوظبي، سوف تقدم نموذجًا عالميًا للنمو المسؤول والمستدام لهذه الصناعات المستقبلية.
ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت البروتينات البديلة ستسهم في صياغة مستقبل قطاع الأغذية، لأنها بدأت بالفعل في ذلك. إنما السؤال المطروح الآن هو: من هي الحكومات التي ستقود جهود تحقيق التوافق التنظيمي اللازم لدعم نمو هذه الصناعة، وأيها ستتخلف عن الركب في قطاع يُتوقع أن يُعيد تعريف مفهوم الإنتاج الغذائي العالمي.
فاطمة الظاهري هي مديرة مجمّع تنمية الغذاء ووفرة المياه التابع لمكتب أبوظبي للاستثمار. ويقود المجمّع جهود أبوظبي لتعزيز الأبحاث والتطوير والاستدامة والأمن في قطاعي الغذاء والمياه.

