في ظهيرة مشمسة بعمان، يقف المنزل الذي يعود تاريخه لعام 1919، والذي يحتضن الآن الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، كدليل على قوة الكلمة وقدرة السرد القصصي في تغيير الواقع. هذا المنزل، الذي كان ملكًا خاصًا في السابق، تم إحياؤه ليصبح أول مركز للفنون السمعية والبصرية في الأردن. اليوم، تتردد في جدرانه أصداء الفعاليات الإبداعية من مؤتمرات وورش عمل ودور عرض الأفلام ومبادرات إبداعية.
اختارت صاحبة السمو الملكي الأميرة ريم علي أن تلتقي بنا هنا، في هذا المكان الشاهد على التاريخ، والذي يستشرف المستقبل في ذات الوقت. رؤيتها التي تجمع بين الاستفادة من التراث الغني للمنطقة العربية والتخطيط لمستقبل مشرق واعد، دفعتها لاختيار هذا المكان. لم يكن هناك مكان أفضل لهذا اللقاء، من المبنى الذي يطل على قلعة عمان ووسط المدينة، مكان تشعر بأن جدرانه ستنطق وتسرد تاريخاً مرّ على العاصمة الأردنية عمّان.
ببساطتها وأناقتها المعتادة، جلست سموّها على كرسي بسيط ترتدي بدلة وردية، إلى يمينها جلست مستشارتها بحضورها البسيط ولكنه مميز، في حوار، سرعان ما تحوّل إلى محادثة ودية أكثر من كونه مقابلة رسمية، حوار ممتع، جمع التاريخ والمستقبل بعيون الحاضر، والإبداع والفن والإعلام بنظرة ملكية.
بثقة قلّما تجدها في متحدث من هذا الطراز، وبنبرة واثقة ومتوازنة دائماً، أجابت الأميرة ريم علي على أسئلتنا بطريقة امتازت بسرعة البديهة والذكاء في نفس الوقت. بسهولة وسلاسة، انتقلنا من موضوع إلى آخر ومن فكرة إلى أخرى، نقاش ودي، حمل في طيّاته القضايا الجدية التي تواجهنا اليوم: مستقبل الإعلام العربي، تأثير الأفلام، والدور المهم للنساء في صناعة القصة.
محاطة بأدوت السرد القصصي والعمل الإبداعي، عبّرت الأميرة ريم علي تماماً عن الفكرة التي تسعى لإيصالها من خلال هذا المبنى، قوة الحكاية، منطلقة من كونها صحفية في الأساس، حيث عملت في شبكة سي إن إن وشهدت ونقلت قصصاً وأحداثاً كبرى كحرب العراق. أسست معهد الإعلام الأردني، في طموح لإعادة تشكيل مشهد الإعلام العربي، وتخريج صحفيين عرب مسلحين بأدوات المعرفة التي تخدم الحقيقة، تقف اليوم الصحفية الأميرة، داعمة للإعلام، ولدوره الأساسي في تشكيل المجتمع.
تسترجع الأميرة ريم الذكريات وتقول: “لطالما أردت أن أكون صحفية منذ أن كنت في السادسة عشرة من عمري”. كانت ريم الشابة، التي نشأت في عائلة تعمل في السياسة، ابنة الدبلوماسي الجزائري المعروف الأخضر الإبراهيمي، تجلس مفتونةً بقصص الصحفيين المخضرمين الذين كانوا يزورون بيت والديها. لم تكن تلك قصصًا عادية، بل كانت روايات عن لحظات حاسمة في التاريخ – كحرب فيتنام، وحرب الجزائر من أجل الاستقلال، والثورة البرتغالية.
تضيف قائلةً: “كانت تلك القصص تشعل خيالي. كنت دائمًا أعتقد أنه سيكون من الرائع أن أروي تلك القصص، وأن أكون شاهدة على التاريخ وأنقل تلك الحكايات للعالم كما تحدث”.
هذا الشغف المبكر في عالم الإعلام، أوصل ريم الشابة إلى قاعات الدراسة بكلية الإعلام بجامعة كولومبيا، ومن ثم إلى الواقع الأصعب، فوضى التغطية الإعلامية المباشرة حول العالم. عملها في شبكة سي إن إن وخصوصاً انخراطها في تغطية حرب العراق ما بين عامي 2001 و 2004، ساهم بشكل كبير في تبلور نظريتها عن الإعلام: “سرد الحقيقة دون إلحاق الضرر بأحد”.

وضعت الأميرة ريم التوازن والموضوعية هدفاً لها في عملها الصحفي، سنوات عملها في الميدان كانت شاهدة على قدرتها على الموازنة بيت التغطية الصحفية الموضوعية والغنية، واحترامها كرامة الأشخاص الذي تروي قصصهم. تستذكر الأميرة مواقف مؤثرة عندما كانت تنقل أخبار تحطم طائرة في البحرين، حيث امتنعت عن إجراء مقابلات مع العائلات المفجوعة فور تعرفهم على أحبائهم الذي قضوا في تلك الحادثة. تقول الأميرة ريم: “بصفتي صحفية، كنت أحرص دائمًا على الموضوعية – فدور الصحفي لا ينبغي أن يكون متعاطفًا بالضرورة.” وأضافت: “كما يقال، مهمة الصحفي هي سرد القصة دون الإضرار بأحد. ففي تلك الحالة، شعرت أنه من غير المجدي، بل كان تدخلاً غير لائق.”
الصحافة: معايير أخلاقية متجددة
فيما بعد، شكّلت هذه القيم الأساس الذي أنشأت عليه الأميرة ريم معهد الإعلام الأردني، بعد نقاش مع زوجها الأمير علي بن الحسين، مستجيبة للطلب المتزايد على برامج تدريبية إعلامية بنّاءة وهادفة، ترتقي بمستوى الصحافة في المنطقة. أضافت الأميرة ريم: “كانت هناك بعض برامج الصحافة التي بدأت بقوة، ولكنها تراجعت مع مرور الوقت، ربما بسبب نقص التمويل أو قلة مساحة التعبير في بعض المناطق”.
كان الهدف واضحاً منذ البداية بالنسبة للأميرة، فالمهمة تنطوي على إنشاء مؤسسة صحفية عربية بمعايير عالمية وأن تحظى بسمعة على مستوى العالم، مع تلبية احتياجات المجتمع المحلي والسياق الثقافي، لتصبح معيارًا جديدًا لتعليم الصحافة في العالم العربي.
لم يكن الهدف في المعهد الإعلامي الأردني تخريج صحفيين فقط، بل كان الهدف إنشاء جيل جديد من الإعلاميين الذين يتمتعون بالمهنية، والذين يمكنهم مساءلة السلطة وتحقيق التوازن في المجتمع وخدمة المصلحة العامة. تقول بحماس: “اعتقدت أن ذلك سيكون خدمة كبيرة لبلدنا، لأنني أعتقد أن المجتمع السليم يحتاج إلى صحفيين جيدين، صلبين، ومهنيين”.
اليوم أصبح معهد الإعلام الأردني الذي تم إنشاؤه قبل 15 عاماً نموذجا يحتذى به في المنطقة فخريجو المعهد يشغلون اليوم مناصب مختلفة ومواقع مرموقة في الكثير من المؤسسات الإعلامية في دول المنطقة بما فيها الأردن وفلسطين والإمارات العربية المتحدة والسعودية وغيرها من الدول. بالنسبة للأمير ريم، مهمة معهد الإعلام الأردني لم تنته بعد، فهنا تبدأ الحكاية، تقول الأميرة بصوت يمزج الفخر والإصرار: “أعتقد أن هناك دائما حاجة للتحسين، هناك دائمًا أشياء يمكننا القيام بها بشكل أفضل”.
بين الذكاء الاصطناعي والتحيز: نحو صحافة المستقبل
رؤية الأميرة ريم لمعهد الإعلام الأردني لا تقتصر على الصحافة التقليدية، فالإعلام مفهوم واسع يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. لقد تبنى معهد الإعلام الأردني التحديات والفوائد التي يفرضها العالم الرقمي في السنوات الأخيرة، حيث أضاف العديد من الدورات في الصحافة والإعلام، منها صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي وغيرها إلى مناهجه الدراسية.
تقول الأميرة ريم: “لقد قدمنا صحافة البيانات وأدخلنا الذكاء الاصطناعي في مناهجنا، وكان هذا هو العام الأول فقط الذي قدمنا فيه دورات الذكاء الاصطناعي. ولكننا الآن سنعمل على تطوير منهج الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر، نظرًا لأهمية التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام، خاصة فيما يتعلق بالتحيز الغربي.”

وتضيف الأميرة: “الذكاء الاصطناعي له ميل غربي سواء أحببنا ذلك أم لا، وقد يتغير ذلك في المستقبل كلما توفر المزيد من المحتويات غير الغربية والمعلومات غير الغربية لهذه الأنظمة. ولكن في الوقت الحالي تعتمد هذه الأنظمة بشكل كبير على البيانات التي يتم تغذيتها بها من الغرب.” هذا الاعتراف يكشف عن نية الأميرة ريم ورؤيتها بإطلاق وإنشاء وجهة نظر عربية في مجال تدريب الصحافة والإعلام.
الهدف من معهد الإعلام الأردني بالنسبة للأميرة ريم يمتد لما هو أبعد من حدود الأردن، فهي ترى في المعهد مؤسسة صحفية تشكل معيارًا للصحافة العربية بمفهومها الأوسع. تقول بصوت مليء بالعزيمة: “الفكرة عندما أنشأنا معهد الإعلام الأردني كانت لضمان أن يكون لدينا معيار في الصحافة في منطقتنا يعترف به في كل مكان، ويستجيب لمعيار دولي، ويكون موجودًا بشكل منهجي في كل مكان”.
الحديث عن التركيز الجغرافي له أهمية خاصة، نظرًا للتطورات الحالية، حيث تلقي الأحداث المستمرة في غزة بظلالها على المشهد. لم تتردد الأميرة في الإشارة إلى التحديات التي تواجه الصحفيين في العالم العربي. تقول بصوت حزين: “لقد رأينا ما يحدث في غزة وقد أثبت ذلك أن هناك فجوة كبيرة في التغطية”.
باعتقاد الأميرة ريم، الحاجة لأصوات عربية قوية ومستقلة في الساحة الإعلامية العالمية ملحة وتتزايد بشكل مستمر، لكنها تشير إلى أن الاستقلال لا يعني الانفصال عن الحكومة، بل تدعم إعلامًا عامًا قويًا، يشكّل حلقة الوصل بين الشعب والحكومة. وتستشهد بمقولة للرئيس الأميركي السابق أبراهام لينكولن: “أخبر شعبك بالحقيقة وستكون بلادك بخير”.
لا ينفرد الإعلام بسرد القصص، بل هناك حصة كبيرة للسينما في هذا المجال. تتحدث الأميرة عن أهمية السينما في هذا المضمار، فبعد ترأسها مهرجان عمان السينمائية الدولي وشغلها عضوية لجنة الأفلام الملكية، ترى الأميرة ريم في السينما أداة قوية أخرى للتغيير الاجتماعي السرد القصصي.
تقول الأميرة ريم: “في عالم السينما، نجد الكثير من القصص التي تبرز واقع النساء وآمالهن وصعوباتهن في مجتمعنا”. وهي تشير بذلك إلى الرؤية المتميزة التي يقدمها صناع الأفلام النساء.
تشعر الأميرة ريم بفخر كبير بتطور قطاع الأفلام في الأردن خلال العقدين الماضيين. فتقول بارتياح: “كان الهدف هو تنمية هذه الصناعة عندما تم إنشاء لجنة الأفلام قبل 21 عامًا”.
التوزيع… معضلة في صناعة الأفلام
ومع ذلك، تعترف الأميرة بأن التحديات لا تزال موجودة، لا سيما في مجال التوزيع. ففي وضوح وصراحة، تقول: “التوزيع هو مشكلة كبيرة. فهناك طلب كبير وشغف في استهلاك الأفلام، لكن الحصول على عليها ما زال أمرًا صعبًا”.
تطمح الأميرة ريم إلى رؤية مستقبل تتدفق فيه الأفلام بسهولة بين الأردن والدول العربية المجاورة، كالمغرب والجزائر وتونس. وتقترح كحل لذلك إنشاء شبكات توزيع مستقلة داخل العالم العربي، للحد من الاحتكار في هذا المجال.

تقول الأميرة ريم بحزم: “نحن بحاجة إلى شبكات توزيع مستقلة أكثر داخل العالم العربي، وشركات توزع الأفلام على مستوى عالمي. فالأمر يتعلق بتوسيع الوصول وضمان مشاهدة أفلامنا خارج منطقتنا”.
وتوضح رؤيتها قائلة: “شركات التوزيع المستقلة وقلة الاحتكار في التوزيع ستساعد في تحقيق ذلك. فنحن بحاجة إلى المزيد من الشركات التي تمكِّن هذه القصص من الانتشار على المنصات وأن تُشاهد عالميًا”.
تتضح العلاقة الوطيدة بين شغف الأميرة ريم وتعزيز مشاركة المرأة في مجالي الإعلام والسينما. فهي تفخر بأن العالم العربي يضم عددًا أكبر من صانعات الأفلام مقارنة بالغرب، ولكنها تُشير أيضًا إلى الحاجة إلى بذل المزيد من الجهود لتحقيق التوازن بين الجنسين في جميع مجالات الحياة.
وبكل وضوح، تؤكد الأميرة ريم على أن “الأمهات العاملات بحاجة ماسة إلى المساعدة”. وهذا يعكس إدراكها للتحديات التي تواجه المرأة العاملة، وحاجتها إلى دعم إضافي لتمكينها من المشاركة الفاعلة في هذه المجالات.
تؤمن الأميرة ريم بأن زيادة الفرص المتاحة للنساء لتعزيز مساهمتهن في الاقتصاد، إضافة إلى تحسين مرافق رعاية الأطفال في الشركات، قد يساهم بشكل كبير في الحد من التحديات التي تواجهها المرأة العاملة.
وتبدي الأميرة ريم حماسًا خاصًا لأهمية الوعي الإعلامي في البيئة الرقمية الحالية. فقد قادت بشكل كبير تطوير “الأجندة الوطنية للوعي الإعلامي” في الأردن، والتي تبنتها الحكومة وأدخلتها في المنهج الوطني. وتقول بفخر: “أعتقد أننا الآن أول بلد في المنطقة الذي أدرج الوعي الإعلامي في مناهجنا، وهذا أمر في غاية الأهمية”.
تتطلع الأميرة ريم إلى توسيع نطاق وتأثير معهد الإعلام الأردني الذي أسسته. فتقول بحماس: “أود أن أرى المزيد من التخصصات في المعهد. لقد لاحظنا الحاجة إلى صحفيين متخصصين في مجالات مثل الصحة والثقافة والأعمال والرياضة”.
كما تحمل الأميرة ريم حلمًا بتأسيس جائزة من معهد الإعلام الأردني لتكريم التميز في الصحافة على مستوى المنطقة العربية. فهي ترى في ذلك وسيلة للاعتراف بالجهود المتميزة لإعلاميين عرب، وتشجيع الارتقاء بمستوى الممارسة الصحفية في جميع أنحاء الوطن العربي.
يتجلى بوضوح حب الأميرة ريم للسرد والقصص بكافة أشكالها حتى نهاية حديثنا معها. سواء من خلال الصحافة، أو السينما، أو التعليم، تظل مدافعة بإصرار عن قدرة القصة على تغيير المجتمعات وسد الفجوات الثقافية.
فرؤية الأميرة لمستقبل الإعلام العربي تتسم بالوضوح والطموح. فهي ترى أن هذا الإعلام يجب أن يكون محترفًا وأخلاقيًا، وأن يظل متماسكًا مع الواقع والهوية المحلية للمنطقة.
تؤكد الأميرة ريم: “نحن بحاجة إلى هذه الأصوات لأنها تمثل نصف مجتمعاتنا… لا يمكننا أن نمثل مجتمعنا بشكل صحيح دون هذه الأصوات”.
مع غروب الشمس فوق عمان وما يلقيه هذا الغروب من وهج دافئ عبر نوافذ مسرح الهيئة الملكية للأفلام، تبدو الأميرة ريم علي كمنارة أمل لجيل جديد من رواة القصص العرب. فمسيرتها الملهمة، من صحفية إلى أكاديمية إعلامية وسفيرة ثقافية، هي دليل على القوة المستمرة للسرد والدور الحاسم الذي ستلعبه الصحافة الأخلاقية في تحديد مسار المنطقة.

في عالم يزداد فيه الانقسام بسبب انتشار المعلومات المضللة واتساع الفجوة الثقافية، تكتسب مهمة الأميرة ريم في رعاية وتنشئة جيل جديد من الصحفيين وصناع الأفلام المحترفين والملتزمين بالأخلاق، أهمية أكبر من أي وقت مضى.
تقول الأميرة ريم بحزم وثبات: “ستكون هناك دائمًا تحديات – إنها طبيعة العمل. كما تعلم، فقد كنت محررة أخبار ومن ثم أصبحت مراسلة. وظيفة منتج الأخبار هي مواجهة التحديات ومحاولة التغلب عليها. فعندما يتم التغلب على تحد ما، يظهر تحد جديد آخر”.
بالنسبة لـ الأميرة ريم علي، كل تحدٍ يُعد فرصة ثمينة لإعادة كتابة السرد، قصة بعد قصة أخرى.
في منطقة غالبًا ما يتم تمثيلها بشكل خاطئ، قد تشكل جهود الأميرة ريم في رعاية وتنشئة جيل جديد من الأصوات العربية المتميزة، المفتاح الأساسي لتقليص الفجوات الثقافية وتعزيز الفهم والتواصل على المستوى العالمي.
