Posted inأخبار أريبيان بزنس

احذروا أحداث “البجعة الخضراء”: منظور طويل الأمد من أجل شركات مستدامة

خبير أكاديمي يحذر من النكوص عن تعهدات العمل المناخي

بروفيسور إسماعيل إرتورك – محاضر أول (ومدير شؤون المسؤولية الاجتماعية سابقًا) في كلية أليانس مانشستر لإدارة الأعمال، جامعة مانشستر

أثر المشهد السياسي والاقتصادي العالمي المتغير بشكل ملموس على الاستراتيجيات البيئية والاجتماعية واستراتيجيات الحوكمة (ESG) المؤسسية، ومن أمثلة ذلك لجوء بعض الشركات إلى تخفيض التزاماتها تجاه العمل المناخي وأهداف الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري.

كما طرأ تحول في كيفية تعامل الشركات مع ممارسات الشمولية والحوكمة، حيث تراجعت بعض الشركات عن التزاماتها السابقة في هذا الشأن. وفي بعض جوانب عالم الشركات والمال، أصبح مصطلح الممارسات البيئية والاجتماعية وممارسات الحوكمة (ESG) بحد ذاته مثيرًا للجدل. وسعت بعض كبرى شركات إدارة الأصول إلى النأي بنفسها عن معايير ممارسات ESG نتيجة للضغوطات.

لا شك أن لهذه التحولات آثار عالمية، لكن من الضروري أن ندرك أن هذه التغييرات هي إلى حد كبير تغييرات تكتيكية تدفعها دورات قصيرة الأجل. والمفترض في المقابل أن تسترشد الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة الفعالة واستراتيجيات الاستدامة، بالدورات العلمة والاجتماعية-الاقتصادية طويلة الأجل، عوضًا عن التوجهات قصيرة الأجل.  

مستقبل الممارسات البيئية والاجتماعية والحكومة أكثر تعقيدًا مما يرى البعض

على الرغم من بعض الممانعة، فإن الواقع الأشمل للممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة ما يزال أكثر تعقيدًا وتفصيلًا. تواصل القوى الاقتصادية الرئيسية توظيف/ فرض السياسات المناخية وتدابير المسؤولية الاجتماعية التي تتماشى مع الاتفاقيات الدولية.

حتى أن المؤثرين في عالم الاستثمار، ممن كان تركيزهم في السابق منصبًا حصرًا على أرباح المساهمين، باتوا يعترفون بالمخاطر المالية التي قد تنشأ عن التغير المناخي – ومنهم على سبيل المثال وارن بافيت. في مطلع عام 2025، حذر بافت المساهمين من خسائر جسيمة محتملة نتيجة العواصف الشديدة. كما أصبحت البنوك المركزية تدرج المخاطر البيئية والاجتماعية ومخاطر الحوكمة ضمن نماذجها المالية. حيث يتم توظيف البيانات العلمية لتقييم الأثر الاقتصادي للتغير المناخي، والتحول إلى اقتصاد صافي الانبعاثات الصفري.

احذروا مخاطر أحداث “البجعة الخضراء”

لعلنا قد أصبحنا، بعد سنوات من الاضطرابات العالمية، على معرفة جيدة بنظرية أحداث “البجعة الخضراء”. يؤكد مفهوم “مخاطر البجعة الخضراء”، والذي يشير إلى انعدام الاستقرار المالي الناجم عن أحداث مرتبطة بالمناخ، على مدى أهمية تكيف الشركات مع المستجدات. فالخسائر المرتبطة بالمناخ قد تؤدي إلى حالات الإفلاس وانهيار السوق، بينما قد تؤدي الاضطرابات في إنتاج الغذاء إلى زيادة التضخم.

ونظرًا لكون البنوك المركزية تركز على الاستقرار المالي طويل الأجل، فإن من غير المتوقع أن تتأثر بالدورات والتوجهات قصيرة الأجل.

ونتيجة لذلك، فإن حصول الشركات على التمويل سيعتمد بشكل متزايد على قدرتها على إدارة المخاطر البيئية. تمثل تقارير المخاطر البيئية والاجتماعية والحوكمة الموثوقة عنصرًا أساسيًا بالنسبة للبنوك وشركات التأمين والمستثمرين، إذا تتيح لهم تقييم هذه المخاطر. وبينما قد تؤدي الدورات قصيرة الأجل إلى تحولات مؤقتة في السياسات البيئية والاجتماعية وسياسات الحوكمة، فإن من المرجح أن يعتمد تشكيل استراتيجيات الشركات طويلة الأجل على العلوم المناخية والواقع الاقتصادي عوضًا عن الخطاب السائد حول هذه القضايا.

وعلى المدى القصير، فإننا قد نشهد تحول الشركات نحو تبني معايير أكثر مرونة لوضع التقارير، أو تجنب استخدام مصطلح “الممارسات البيئية والاجتماعية وممارسات الحوكمة”، بينما تواصل التزامها بالتوقعات العالمية. ومع ذلك، فإن الشركات متعددة الجنسيات ستواصل محاذاة ممارساتها مع المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة العالمية ومعايير الاستدامة. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الضغوطات المفروضة من قبل المستثمرين والهيئات التنظيمية.

التحول العالمي تجاه الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة والاستدامة

بعيدًا عن التغير المناخي، فإننا نشهد أهمية عالمية متزايدة لعناصر أخرى ضمن المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، منها على سبيل المثال المسؤولية الاجتماعية والشمولية. ورغم وجود بعض الممانعة تجاه القوانين التنظيمية المتعلقة بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، فإن كبرى الأنظمة الاقتصادية مثل الصين والاتحاد الأوروبي باتت تتبع نهجًا علميًا فيما يتعلق بتطوير السياسات البيئية والاجتماعية. تهدف سياسة “الازدهار المشترك” التي وضعتها الصين إلى تحقيق التوازن بين أرباح الشركات مقابل الحد من التفاوت في الدخل. وتشجع بعض المؤسسات مثل صندوق الدولي على تبني تدابير مماثلة في الدول الغربية.

تتعرض الشركات حول العالم لتوقعات متنامية بشأن تعزيز القيمة المقدمة لأصحاب المصالح – ولا تقتصر هذه الفئة على المساهمين – من خلال وضع المسؤولية البيئية والاجتماعية في صدارة أولوياتها.  

منظور طويل الأجل: حيث يقودنا العلم

معظم الدورات الاقتصادية هي بطبيعة الحال دورات قصيرة الأجل مقارنة بالظواهر الكونية والدورات الاقتصادية -الاجتماعية الأعمق. وبينما قد تلجأ بعض الشركات إلى تعديل استراتيجياتها البيئية والاجتماعية والحوكمة مؤقتًا كاستجابة للتحولات قصيرة الأجل، فإن المسار على المدى الطويل يبقى واضحًا: فقد أصبحت ممارسات الأعمال المستدامة هي المعيار السائد نتيجة لتطور المشهد التنظيمي والحوافز المالية.

تنامي توقعات أصحاب المصالح

تتزامن هذه التحولات مع زيادة تعقيد الأدوات والأطر المتاحة لإدارة المخاطر البيئية والاجتماعية ومخاطر الحوكمة. فأنظمة التقارير المعيارية، ووكالات تصنيف المخاطر البيئية والاجتماعية والحوكمة، والقوانين التنظيمية المالية، جميعها تشكل قاعدة مؤسسية متينة للاستدامة. وعلاوة على ذلك، فإن التحولات التي تطرأ من جيل إلى آخر، وزيادة تعقيد متطلبات أصحاب المصالح ستواصل تأثيرها في ترسيخ أهمية المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة ضمن استراتيجيات الشركات.

وعلى الرغم من بعض الصعوبات والعوائق، فإن الواقع على المدى الطويل هو أن الشركات حول العالم ستنجح في خلق القيمة القصوى من خلال محاذاة استراتيجياتها البيئية والاجتماعية واستراتيجيات الحوكمة مع دورات الظواهر الكونية القائمة على العلم، وعلى التوجهات الاجتماعية-الاقتصادية المثبتة، عوضًا عما سواها من الدورات قصيرة الأجل.

وباختصار، فإن الشركات التي تتبع نهجًا استراتيجيًا طويل الأجل فيما يتعلق بالممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة والاستدامة ستكون في موقع أفضل يؤهلها لتحقيق النجاح المستقبلي – على صعيد الأرباح المالية والسمعة في السوق – بغض النظر عن التغيرات والاضطرابات المحيطة.

فريق التحرير

فريق التحرير

فريق تحرير أربيان بزنس يمثل مجموعة من المحترفين. يجمع الفريق بين الخبرة الواسعة والرؤية الابتكارية في عالم الصحافة...