دور الابتكار المالي في تحقيق واستدامة طموحات المدن الذكية

يتناول محمد العتيبي - المدير العام لأورانج بيزنس سيرفيسز بالمملكة العربية السعودية، هنا أهمية الابتكار في استدامة المدن الذكية في السعودية
دور الابتكار المالي في تحقيق واستدامة طموحات المدن الذكية
محمد العتيبي - المدير العام لأورانج بيزنس سيرفيسز بالمملكة العربية السعودية
الأحد, 15 سبتمبر , 2019


تشهد دول منطقة الخليج نموًا في مشاريع المدن الذكية، وخاصة في المملكة العربية السعودية – بدءًا من مشروع تطوير برج بارتفاع ميل واحد، ووصولًا إلى مشروع أضخم مدينة ذكية في العالم. وتبرز جهود التحول الرقمي بشكل ملموس خلال هذه الفترة في أنحاء المملكة بجميع مناطقها ، تدعمها الأهداف الواضحة لرؤية المملكة 2030 وبرنامج التحول الوطني، والتي تتضمن إنشاء ثلاث مدن تصنّف ضمن أفضل 100 مدينة ذكية في العالم، بحلول عام 2030.

واليوم، تتبنى السعودية واحدًا من أكثر برامج تطوير المدن الذكية طموحًا وتنوعًا على مستوى العالم، حيث تركز مشاريعها القائمة في هذا الصدد على جوانب وقطاعات رئيسية منها الرعاية الصحية والخدمات المالية والصناعة والسياحة والمشاريع متعددة الاستخدامات. ويمتاز برنامج المدن الذكية الذي تنفذه المملكة بوضعه أهداف واضحة ومحددة.

تعتمد المدن الذكية على الابتكار لتحقق التقدم والازدهار – وهو عامل أساسي إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم هذه المشاريع الجديدة وسرعة تنفيذها، وذلك لا يقتصر على جوانب تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وخدمات المدن الذكية فحسب. بل إن حجم الطموح الذي تسعى المملكة العربية السعودية لتحقيقه يتطلب إلى جانب ما سبق ابتكارًا ماليًا، كما أن نجاح هذه المشاريع يعتمد في نهاية المطاف على إمكانية استقطاب استثمارات خاصة تدعم برنامج المدن الذكية.

يسعى شركاء القطاع العام بالمملكة إلى العمل مع شركاء تمويل بهدف ضمان تمويل مستدام لمشاريع المدن الذكية. فالهيئات الحكومية لا يمكنها الاستثمار في جميع العمليات المنبثقة عن هذه المشاريع بشكل منفرد، مما دعا إلى ظهور الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل المشاريع بناء على نموذج مشترك لأداء الأعمال.

وهذا التوجه واضح بالفعل في المملكة، حيث باتت مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (أو ما يشار إليها اختصارًا باسم PPP) أكثر شيوعًا. ومن جهة أخرى، فقد هدفت مسودة مشروع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص في عام 2018 إلى وضع التوجيهات التي تساهم في تقليل المخاطر وتهدئة مخاوف المستثمرين من القطاع الخاص ممن قاموا بضخ استثمارات طويلة الأجل في مشاريع الشراكة بين القطاعين في المملكة.

حيث تلعب ثقة المستثمر دورًا أساسيًا نظرًا لكون مشاريع المدن الذكية مشاريع مرتفعة التكاليف ومعقدة، بالإضافة إلى كونها مشاريع بنية تحتية طويلة الأجل، تتطلب تحرك وتنسيق جهود عدة شركاء يتعاونون ضمن بيئة عمل مشتركة بهدف إنجاز المشروع، وضمان جدواه الاقتصادية واستدامته – ناهيك عن ضمان توفر عنصر الخدمات الذكية فيه.

تقوم مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص على اتفاقيات طويلة الأجل بين شركاء من القطاعين – حيث يتشاركون تحمل المخاطر الاستثمارية والمالية، ومسؤوليات تصميم وبناء وتشغيل المشروع بناء على أسس يتم الاتفاق عليها بين الطرفين، بحيث يتم نقل ملكية المشروع والمخاطر التي ينطوي عليها، إلى المالك من القطاع العام مجددًا لغايات التشغيل والإدارة، عند انتهاء مدة العقد. وقد يتطلب أحد عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص تمويلًا بنسبة 25% من طرف الجهة الحكومية، بحيث يقوم شريك (شركاء) من القطاع الخاص بتمويل النسبة المتبقية.

وفي المملكة العربية السعودية، تعمل الحكومة على بناء علاقات وثيقة مع مستثمري القطاع الخاص محليًا ودوليًا، فيما تتطلع لتخصيص مجموعة من الأصول الحكومية وما يصل إلى 75% من الخدمات العامة، كما تسعى لتنفيذ نموذج إيرادات مشتركة يستهدف تنفيذ خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذكية ضمن العمليات القائمة في هذه المشاريع.

يذكر أن حوالي 70% من مشاريع تطوير المدن الذكية في السعودية هي مشاريع مرتبطة بهيئات حكومية، وتطمح المملكة إلى تحويل هذه المشاريع عند إنجازها إلى مشاريع خاصة بالكامل أو مملوكة للدولة بشكل كامل، فيما تواصل الحكومة مبادراتها لتحفيز فرص الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مشاريع المدن الذكية وغيرها من المشاريع الكبرى بالمملكة. 

ليس بالإمكان تطوير مدينة ذكية دون وجود رؤية تدعم هذا المشروع. فالابتكار يأتي أولًا بالتزامن مع مخططات المدينة الرئيسية، ونموذج أداء الأعمال، واحتياجات الخدمات الذكية اللازمة لتوفير تجربة السكان/المستخدمين، وبالطبع مع النموذج المالي الذين يضمن تحقيق المشروع لأهدافه.

كما يجب أن يقوم المشروع على أساس نموذج مستدام، بدءًا من تصميم المدينة، مرورًا بمراحل البناء والتشغيل، وانتهاءً بمرحلة انتقال الملكية عندما يتم تسليم المشروع إلى المالك/المطوّر لغايات التشغيل اللاحقة. إلا أن المدينة الذكية تمثل مكانًا يشهد باستمرار نشوء احتياجات متغيرة ومواقف جديدة، والتي يمكن تطوير خدمات مدن ذكية جديدة على أساسها – سواء كانت هذه الخدمات تهدف لتطوير تجربة السكان، أو تحقيق الإيرادات، أو تخفيض التكاليف التشغيلية. وهذا يعني أهمية مرونة النموذج المالي واستيعابه لهذه المتطلبات المتغيرة والمتطورة.

لا تمثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص خيارًا سهلًا، حيث تقوم على الجمع بين ثقافتين مؤسسيتين مختلفتين، مما قد يؤدي إلى تحديات وسوء فهم. وفيما تبرز ميزة هذه الشراكات بوضوح فيما يتعلق بمشاركة المخاطر والإيرادات، إلا أنها تعتمد في نهاية المطاف على نموذج العمل المعتمد للمدينة الذكية، والذي قد يكون نموذج تصميم-بناء-تشغيل، أو نموذج بناء-تشغيل-نقل ملكية (BOT) يقوم على نموذج نفقات تشغيلية لخدمات المدن الذكية على سبيل المثال.

تضم المملكة العربية السعودية العديد من قصص النجاح، حيث تساهم مشاريع المدن الذكية في تطوير نماذج تمويل تدعم رؤية وأهداف المشروع. ومن أمثلة هذه المشاريع المدينة الصناعية التي تقوم على نموذج الشراكة بين هيئة حكومية وشريك من القطاع الخاص، بدعم من مزودي خدمات التكنولوجيا ضمن نموذج بناء-تشغيل قائم على مشاركة الإيرادات لعدة سنوات، بحيث تعود ملكية الأصول عند إنجاز المشروع للجهة الحكومية. وهناك أيضًا المدينة الرقمية التي يتم تمويلها من قبل القطاع العام وتشغيلها من قبل شركاء التكنولوجيا في القطاع الخاص ضمن برنامج لعدة سنوات.

يذكر أن أورانج بيزنس سيرفيسز وقعت اتفاقية استشارات مدينة ذكية مع شركة جدة الاقتصادية، المطوّر الرئيسي لأعلى برج في العالم –"برج جدة". تقع مدينة جدة الاقتصادية على ساحل البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، بين مكة المكرمة والمدينة المنورة. وتطمح لأن تصبح الضاحية الشمالية الجديدة المستدامة لمدينة جدة، ومركز النمو الاقتصادي على طول الساحل البحري. وبموجب الاتفاقية، ستقوم "أورانج" بتطوير المخطط الرئيسي لبنية تكنولوجيا واتصالات البرج، بدءا من مرحلة التخطيط والتصميم ووصولًا إلى مراحل البناء والتشغيل. وتضم قائمة المشاريع أيضًا على سبيل المثال لا الحصر مشروع المدينة الرقمية (ITCC)، الهيئة الملكية في ينبع، مركز الملك عبد الله المالي، مشروع تطوير طريق الملك عبد العزيز في مكة المكرمة، ومشروع مدينة الوديان.


تشهد مشاريع المدن الذكية في المملكة العربية السعودية زخمًا ملحوظًا، وتمهّد الطريق أمام التطورات الاقتصادية والتقنية المتنامية في المنطقة، والمندرجة ضمن رؤية المملكة 2030. وتقدم أورانج خبرتها الواسعة في مجال تطوير البنية التحتية وخدمات المدن الذكية على المستوى العالمي، بالإضافة إلى اطلاعها وابتكارها في هذا المجال. ويشمل ذلك التقنيات الرقمية المتقدمة التي من شأنها أن تدعم التحول الملموس لأسلوب الحياة وأداء الأعمال في المستقبل. نحن سعداء بالشراكة مع شركائنا الاستراتيجيين في المنطقة، ونتطلع لمساعدتهم على تحقيق رؤيتهم المتمثلة في دعم جهود التحول بالمملكة العربية السعودية.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج