اليوان: نجاح في الامتحان

بتاريخ الأول من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، أعلن صندوق النقد الدولي رسمياً، ضم العملة الصينية الريمنينبي أو «اليوان» إلى سلة عملات الاحتياطي العالمي التابعة للصندوق، فما الذي تعنيه هذه الخطوة الكبرى على صعيد الاقتصاد العالمي؟.
اليوان: نجاح في الامتحان
بواسطة Anees Dayoub
الأحد, 13 ديسمبر , 2015

بتاريخ الأول من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، أعلن صندوق النقد الدولي رسمياً، ضم العملة الصينية الريمنينبي أو «اليوان» إلى سلة عملات الاحتياطي العالمي التابعة للصندوق، فما الذي تعنيه هذه الخطوة الكبرى على صعيد الاقتصاد العالمي؟.


 

 

ها هي العملة الصينية... الريمنينبي أو اليوان كما يسميها البعض، وبقرار دولي ورسمي، من أعلى سلطة مالية ونقدية على مستوى العالم، تدخل سلة عملات الاحتياطي العالمي التابعة لصندوق النقد الدولي، التي كانت تضم فقط، الدولار الأمريكي، واليورو، والين الياباني، والجنيه الإسترليني.
وقد جاء في إعلان صندوق النقد الدولي حرفياً، إن «اليوان تتوافر به كل المعايير القائمة، وينبغي أن يتحول إلى مكون من مكونات سلة عملات الاحتياطي العالمي بحلول أكتوبر 2016». ووصفت كريستين لاغارد، رئيس صندوق النقد الدولي، هذه الخطوة بأنها علامة مميزة في طريق ما حققه الاقتصاد الصيني من اندماج في النظام المالي العالمي. وأضافت أن الخطوة بمثابة «اعتراف بالتقدم الذي أحرزته السلطات الصينية على مدار السنوات الماضية في إصلاح النظامين النقدي والمالي».
وقد سعت الصين بقوة خلال السنوات الأخيرة، للحصول على اعتراف بالرنمينبي كعملة دولية، وهو أمر مهم بالنسبة لهيبة الصين وسمعتها وأيضاً للمبادلات التجارية العالمية.
ومن المقرر أن يمثل اليوان الصيني أحد مكونات «وحدة حقوق السحب الخاصة  (SDR) وهي أصل يعتمد عليه الصندوق في تعاملاته بدلا من العملة.
وتستخدم وحدة السحب الخاصة في التعاملات بين البنوك المركزية وصندوق النقد الدولي، لتحديد العملات التي تحتاجها دولة مثل اليونان، على سبيل المثال، عندما يوافق الصندوق على منحها مساعدات مالية.
وفيما يستبعد محللون أن يكون لدخول اليوان إلى سلة العملات أثر مباشر على الاقتصاد الصيني، فإن هناك من يرجح أن تصبح العملة الصينية أكثر رواجاً، وأن يرتفع الطلب عليها مستقبلا، بفضل الانضمام إلى سلة العملات.

16 عاماً على آخر تغيير
كان آخر تغيير طرأ على وحدة السحب الخاصة عام 2000 عندما حلت العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) محل المارك الألماني والفرنك الفرنسي.  وتحتل الصين المركز الثاني بين أكبر اقتصادات العالم بعد الولايات المتحدة، وهي التي تقدمت العام الماضي بطلب ليكون اليوان عملة احتياطي نقدي.
ويرجح محللون أنه بحلول عام 2030 سوف يحتل اليوان المركز الثالث بين أهم العملات العالمية جنبا إلى جنب مع الدولار الأمريكي واليورو.
وكانت مخاوف من تدخل الصين لخفض قيمة اليونان لصالح المصدرين هي السبب الرئيسي وراء فشل العملة الصينية في الوفاء بمعايير عملات الاحتياطي العالمي، التي يشترط صندوق النقد الدولي توافرها في تلك الفئة من العملات.
لكن، ورغم ذلك، بذل المسؤولون في الصين قصارى جهدهم من أجل كسب الدعم لطلبهم ضم اليوان إلى سلة العملات العالمية، وهي الجهود التي صدق عليها المسؤولون بالصندوق. ومن المقرر أن يكون انضمام العملة الصينية إلى فئة عملات الاحتياطي العالمي رمزيا وفقا لمحللين. فقد قال خبراء، إن استمرار اليوان في سلة عملات الاحتياطي العالمي مرهون بالتقدم الذي تحرزه الصين في مساعي الإصلاح المالي والنقدي.

5 عملات بدلاً من 4
على أية حال يبقى إدراج «اليوان» ميزة لا تتمتع بها سوى 4 عملات عالمية رئيسية، هي الدولار الأميركي واليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني. وتعني الخطوة اعترافا من المؤسسة الدولية (صندوق النقد) بالموقع الذي استطاعت العملة الصينية أن تتبوأه توازيا مع مكانة الاقتصاد الصيني في العالم.
ومن أجل الحصول على هذا المركز، قام البنك المركزي الصيني بعدة خطوات لتوسيع نطاق تحرك أسعار الفائدة، وإعطاء مرونة أكبر لدخول المستثمرين الأجانب إلى الأسواق الصينية، رغم معارضة مجموعات المصالح في الصين.
ويعني إدراج اليوان إضافته إلى حقوق السحب الخاصة التي يستخدمها صندوق النقد لإقراض الدول الأعضاء وتستخدمها الدول في زيادة احتياطها بالصندوق. ويذكر أن حقوق السحب الخاصة هي أصول للاحتياطي أصدرها صندوق النقد عام 1969 لتعزيز نظام اتفاقية «بريتون وودز» التي تنظم أسعار الصرف والتي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
وحتى سبتمبر/أيلول الماضي، أصدر الصندوق 204 مليارات من حقوق السحب الخاصة أي ما يعادل 280 مليار دولار. ويتم حاليا تقييم سعر حقوق السحب طبقا للأربع عملات التي يستخدمها الصندوق. لكن من الآن وصاعدا، سيتم ذلك التقييم بخمس عملات.

انتقادات متوقعة لسياسة الصين المالية   
وفي المدى المنظور، يتوقع خبراء أن يؤدي إدراج العملة الصينية في سلة عملات الصندوق إلى زيادة خارجية في الطلب على الأصول المقومة باليوان.
 ورغم أن الخطوة قد تعرض بكين لانتقاد سياساتها المالية، عندما يقوم الصندوق بعملية إعادة النظر في وضع سلة العملات التي تشكل احتياطاته كل 5 سنوات، فإنها مع ذلك، تعتبر مهمة بالنسبة للصين. إذ تعتبر الأولى في مثل هذا الإطار منذ إدخال اليورو إلى سلة عملات الصندوق في عام 1999.
وبما أن البنوك المركزية للدول تستخدم احتياطاتها من العملات الأجنبية لشراء عملاتها أو لتسديد ديونها الدولية، فإن إدراج اليوان يعني أن البنوك المركزية تستطيع الحصول على بديل آخر للدولار واليورو.
وبالنسبة لكثير من الاقتصادات الناشئة، فإنها تحتفظ في الأصل بعلاقات تجارية قوية مع الصين، وقد تعكس احتياطاتها مثل هذه القوة. يضاف إلى ذلك أنه بعد نحو 4 عقود من الإصلاحات، فإن العملة الصينية يمكن أن ينظر إليها حاليا على أساس أنها استطاعت النجاح في اختبار صندوق النقد، من حيث قابلية التحويل إلى عملات أخرى.

التكيف مع الواقع الجديد
يتوقع خبراء أن يصل ثقل اليوان في سلة عملات صندوق النقد إلى ما بين 10 أو 11 %، لكن من غير المحتمل إدراجه في السلة قبل سبتمبر/أيلول القادم، مما يعنى إعطاء الدول الأعضاء الوقت للتكيف مع التغيير الجديد في السلة.
ويتوقع خبراء في بنك أوف أميركا ميرل لينش، أن يصل حجم التغيير الذي ستحدثه الدول الأعضاء في تعديل حقوق السحب الخاصة لديها بما يعادل 35 مليار دولار، وهو رقم ليس كبيرا جدا بالنسبة لاقتصاد بحجم الصين. ويقول هؤلاء إن لدى البنوك المركزية في العالم احتياطات من اليوان تبلغ نحو 30 مليارا.
وبافتراض أن اليوان سيحصل في النهاية على حصة من الاحتياطات الدولية مثل الجنيه الإسترليني والين الياباني، فإن ناتج الحصيلة النهائية سيصل نحو 370 مليار يوان. لكن مثل هذا التطور لليوان لن يحدث قبل 3 سنوات على الأقل.
تدخلات الحكومة الصينية
يذكر أن السلطات الصينية تتدخل في السياسات النقدية بصورة أكبر من غيرها من الحكومات الأخرى التي تتمتع عملاتها بموقع في سلة احتياطات صندوق النقد. كما أن هناك قيودا على كمية الأموال التي يستطيع المستثمرون إخراجها من الصين، وكمية الأصول التي يستطيع المستثمرون الأجانب شراءها في الصين.
ويتوقع الخبراء أن يتم اتخاذ بعض الخطوات التي تستطيع حل مثل هذه الأمور بصورة تدريجية. وسيتعين على الصين تنفيذ بعض المطالب قبل سبتمبر/أيلول المقبل، كما أن عليها الاستمرار في تحرير رأس المال بصورة تدريجية وخفض تدخلها في أسواق العملة.
ويتحرك اليوان حاليا في نطاق يبلغ 3 % يوميا مقابل اليورو والين والعملات العالمية الأخرى، بمعنى أن اليوان يستطيع حاليا الصعود أو الهبوط بنسبة 3 % يوميا من المستوى الذي يحدده البنك المركزي الصيني لسعر صرف العملة الصينية. كما أن على البنك الآن توسيع هذا النطاق مقابل الدولار من 2 % حاليا إلى 3 %.

ارتفاع كبير للمعاملات التجارية الصينية باليوان
وبالطبع فإن من المتوقع أن تقفز نسبة تسوية المعاملات التجارية الخارجية باليوان الصيني إلى أكثر من 50 % من إجمالي المعاملات التجارية للصين بحلول عام 2020، أي بما يزيد على مثلي مستواها الحالي. وقد شهدت الأعوام القليلة الماضية نموا سريعا لبرنامج أطلق في 2009، وبدأ بـ 5 مدن صينية للتشجيع على تسوية المعاملات الخارجية باليوان بدلا من الدولار. وارتفعت نسبة المعاملات التجارية التي تجري تسويتها باليوان من 1 % في 2010 إلى 22 % في العام الماضي.
وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة «إتش.إس.بي.سي» ستيوارت جوليفر خلال منتدى عقد أخيراً في هونغ كونغ إن هذا النمو الكبير لم يتأثر بالانخفاض السريع في قيمة اليوان في وقت سابق هذا العام بما يظهر الحاجة الحقيقية لاستخدام اليوان في تسوية التعاملات التجارية، والذي تدعمه الثقة في العوامل الأساسية للاقتصاد والاستقرار النسبي للعملة.
وهبط سعر صرف اليوان 2.4% مقابل الدولار في 2014، واستمر هذا الضعف حتى وقت سابق من هذا الشهر، حين أسهم ما تردد عن تدخل البنك المركزي الصيني في استعادة العملة بعض قوتها.

عملة رئيسية للاحتياطيات النقدية
ويتوقع جوليفر أن يصبح اليوان في النهاية عملة رئيسية للاحتياطيات النقدية بجانب الدولار واليورو.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، قال صندوق النقد الدولي إن حصة اليورو في احتياطيات النقد الأجنبي التي تحتفظ بها البنوك المركزية في صندوق النقد الدولي، وصلت إلى أدنى مستوى منذ 12 عاماً. وأظهرت بيانات الصندوق أن حصة اليورو هبطت دون 23 % في الربع الثالث من العام المنصرم. وفي المقابل، ارتفعت حصة الدولار إلى أكثر من 62 %. وعزا خبراء تراجع حصة اليورو إلى ضعف الإقبال على شرائه بسبب السياسة التحفيزية للبنك المركزي الأوروبي. وتراجعت حصة اليورو إلى تريليون و400 مليار دولار، بينما زادت حصة الدولار إلى قرابة 4 تريليونات.
وفور قرار صندوق النقد على ضمه كعملة احتياطي لسلة العملات، ارتفع اليوان خلال تداولاته خارج الصين لتأتي نسبته أعلى من الجنيه الإسترليني والين الياباني، وهو التحرك الذي يزيد من توغل الصين في الأسواق المالية العالمية المسيطر عليها من قبل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.
فقد ارتفع اليوان الصيني بنسبة 0.09 % مقابل الدولار، ليصل إلى المستوى 6.4267 على أن يتم البدء في هذا من بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2016.
 الجدير بالذكر أن اليوان قد تعافي مقابل الدولار بعد الانخفاض الذي شهده وذلك بعد قيام البنوك الصيني ببيع الدولار وشراء اليوان الصيني بعد قرار صندوق النقد، الذي عمل على عودته إلى الارتفاع اليوم.
معترك العملات
قال الدكتور أحمد بن حسن الشيخ رئيس مجلس إدارة دوكاب، إن عملة اليوان الصينية أصبحت في الفترة الماضية عملة رئيسية لها تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي. وأشار إلى أن الصين خضعت لضغوط دولية أخيرا لتحرير اليوان كون قيمته الحقيقية أعلى بكثير مما كانت عليه في ذلك الوقت، وبالتالي الصين قامت بخطوة ذكية باتباع سياسة تحرير السوق في ظل الانخفاض الذي يشهده نموها الاقتصادي، وبالتالي لا يكون هناك تأثير على اقتصادها على المدى الطويل. وأضاف: خفض اليوان مؤشر على دخول الصين في معترك العملات وخاصة أنني لا أحبذ وصف حرب عملات، الصين جزء من الاقتصاد العالمي وهي مُصدر كبير للعالم والمفروض أن تستفيد الإمارات من تراجع سعر صرف اليوان من خلال رفع واردتها من الصين والتي هي اليوم أقل كلفة بسبب تراجع اليوان.

معنويات تعاود الارتفاع
وخلال الأسبوع الماضي، كتب  لوكمان أوتونوجوا، محلل أبحاث بشركة FXTM الأسواق العالمية قائلاً: أدى الانخفاض الشديد بنسبة 5 % لمؤشر شنغهاي المركب بتاريخ 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلى مخاطر في السوق، وامتد تأثيره ليشمل العقود الآجلة الأوروبية والأمريكية معا في ختام التداول.
وكان للخسائر الكبيرة على مدار ذلك الأسبوع في الصين علاقة بموجة من التحقيقات التي تجريها هيئة الأوراق المالية الصينية المعنية بتنظيم سوق الأسهم في البلاد مع عدد من الشركات الصينية، كما كان لذلك الهبوط أيضا علاقة بانخفاض أرباح الشركات الصناعية الصينية.
لكن المعنويات عاودت للارتفاع فور تأكيد إدراج اليوان، في سلة عملات صندوق النقد الدولي.
ويضيف أوتونوجوا: مع أن إدراج اليوان في سلة عملات صندوق النقد الدولي لن يكون له تأثير مباشر كبير على الاقتصاد الصيني نفسه، فإن  هذه الإشارة الرمزية من صندوق النقد الدولي بالإدراج في سلة عملاته توضح، مدى الأهمية التي أصبحت تتمتع بها الصين بالنسبة للاقتصاد العالمي.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج