السعودية وتصحيح الرؤية الاستثمارية السائدة

في يوليو من عام 2017 أصدرنا في كي بي إم جي تقريراً حول أداء البنوك المدرجة في مجلس التعاون، والذي تضمن مجموعة من توقعات المصرفيين كان أبرزها أنَّ منطقة الخليج ستشهد إنكماشاً إقتصادياً وذلك لتراجع أسعار النفط من 140 دولاراً في 2014 إلى 30 دولاراً في 2017. لكن ولحسن الحظ لم تتحقق هذه التوقعات، إذ كان أداء الإقتصاد الخليجي في العام الماضي أفضل من العام الذي سبقه ولم نشاهد الانكماش الذي تمَّ الحديث عنه.
السعودية وتصحيح الرؤية الاستثمارية السائدة
بقلم: عبد الله حمد الفوزان، رئيس مجلس إدارة كي بي إم جي الشرق الأوسط وجنوب آسيا وكي بي إم جي في السعودية
بواسطة أريبيان بزنس
الأحد, 03 يونيو , 2018

عندما بدأت المملكة العربية السعودية المضي قدماً في عملية إصلاح اقتصادي تهدف إلى إنهاء ما وصفه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ذات مرة «بإدمان» البلاد على النفط، كان هناك الكثير من الاقتصاديين والمحللين يرون: أنَّ هذا هو الوقت غير المناسب للاستثمار في المملكة، وهذا يعني ببساطة أن بيئة الأعمال في السعودية كانت مبنية على أفكار وصيغ خاطئة تحتاج عمل منظم كي يتم تغيير هذه الأفكار.

بعض الشركات ليس لها تعاملات مباشرة مع الحكومة، لكنها تتمتع بالحماية، وهناك بعض الشركات التي تشكو وتحتج عندما تخفض الحكومة إنفاقها ولو بنسبة واحد في المائة فقط، ولديها دائماً استنتاجات وتحليلات خاطئة مفادها أن الاقتصاد السعودي يعاني ويواجه الكثير من التحديات.
بالطبع ، عندما تتوقف شركة، مثل: سابك أو أرامكو عن الإنتاج ، فسأبدأ بالقلق، لكن الرسالة الأهم هي أن مجرد اتخاذ الحكومة خطوات لتنمية مواردها الاقتصادية لا يعني تلقائياً وجود أي خطأ في أساسيات الاقتصاد، هذه الاستنتاجات الخاطئة حول الاقتصاد السعودي ليست عادلة؛ لأنها تسبب الخوف والتضليل وعدم التيقن لدى الجمهور حتى بالنسبة لنا في شركة كي بي إم جي كشركة استشارية ، عندما نرى الخطوات التي اتخذتها الحكومة لترشيد الإنفاق، سنحاول تقديم حلول يمكن للشركات استخدامها لمواجهة مثل هذه الظروف؛ لذلك نحن بحاجة إلى التفكير في طرق جديدة لمساعدة الشركات على الاستمرار في النمو والاستفادة من الظروف المتغيرة كفرصة للنمو.

أنا لست ضد القطاع الخاص، ومع ذلك، لا يمكن أن تتوقع شركات القطاع الخاص أن تكون محمية ومدعومة من قبل الحكومة. قد تتأثر بعض الشركات بما يحدث على الصعيد المحلي، ولكن لديها الفرصة للتوسع خارج البلاد والترويج لمنتجاتها وخدماتها في الخارج، كما لا يمكن أن يُتوقع من الحكومة أن تساعد تلك الشركات ولكنني أؤمن بقوة أنه على المدى الطويل سيستفيد القطاع الخاص من السياسات الجديدة التي تطرحها الحكومة وخصوصاً في عملية الشراكة الحقيقية والفاعلة.

السعودية هي أرض الفرص، وحالياً يتم خلق فرص هائلة في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان. لا سيما قطاع الإسكان، والذي يشهد حالياً فترة من الركود ونقص في الاستثمارات. نحن نحاول إنشاء صناعة مستدامة، وليس هناك أي شركات قادرة على لعب دور كبير ومحوري في هذا السوق، وأعتقد أنه يجب على الشركات العالمية الكبرى الدخول إلى السوق السعودي والمساهمة في تطوير قطاع الإسكان على سبيل المثال، بدءاً بإنشاء مليون أو أكثر من الوحدات السكنية التي ستكون مطلوبة للسنتين القادمتين، ويمكن للحكومة أن تستكشف الطرق التي يمكن أن تساعد بها في التمويل والبناء.

بطبيعة الحال، تحتاج بعض القطاعات إلى التكيف مع البيئة الاقتصادية المتغيرة، مثل قطاع الإسمنت. والذي استفاد من الاقتصاد المتنامي في الثلاثين سنة الماضية، وإذا كان هذا القطاع قد واجه بعض المعاناة خلال سنوات معدودة، فلن يكون ذلك أمراً سيئاً للغاية، فقد استفاد قطاع الإسمنت على مر السنين من  التنازلات أبرزها الغاز المجاني و المواد الخام المجانية؛ لذلك ينبغي أن تعتاد تلك الشركات على تجربة المستويات العادية من الربحية عندما يتم تقليص هذه الفوائد أو عندما يتراجع الطلب على الأسمنت بسبب التباطؤ في قطاع الإسكان، ومع ذلك ، مع وجود الكثير من المبادرات الحكومية لحل أزمة الإسكان، فإنه من المتوقع أن تعود تلك الشركات لنفس مستويات الربحية السابقة في المنظور القريب.
أما بالنسبة لقطاع التشييد والبناء، فإنَّ الشركات التي لم تتبع معايير الصناعة فإن عليها أن تدفع الثمن، وعليهم أن يجدوا طرقاً متنوعة للخروج من التباطؤ، خاصة وأن ممارسة الإنفاق الحكومي غير المبرر أحياناً قد توقفت وهذا بدوره سيلحق الضرر ببعض الشركات التي استفادت من الممارسات السابقة عندما كانت الأموال وحجم الانفاق متاحاً بشكل كبير. 

ومع كل ذلك، فإنَّ هناك الكثير من الفرص الاستثمارية المتوفرة في السوق السعودية لرجال الأعمال والشركات الكبيرة أو متوسطة الحجم، أو الشركات العالمية التي تسعى حكومة المملكة لجذبها ولعب دور رئيسي في تطوير الكثير من المشاريع الاستراتيجية، خاصة وأن الشركات متوسطة الحجم في أوروبا والبرازيل والهند والصين تواجه تحديات كبيرة بسبب الأسواق المشبعة وتراجع فرص النمو، الأمر الذي يعني أنها قد تستفيد من السوق السعودي الذي يتيح فرصًا كبيرة للنمو.

الاقتصاد السعودي هو اقتصاد حقيقي حيث توجد فرص حقيقية وقوة شرائية وشباب ذكي، وتبذل الحكومة قصارى جهدها لضمان نمو اقتصادي مستدام، وستصبح شركة أرامكو على سبيل المثال خلال العامين المقبلين شركة تابعة للقطاع الخاص، كما أنَّ هناك فرص في العديد من القطاعات التي تديرها الحكومة حاليًا، وسيتم قريباً منح القطاع الخاص الخيارات المناسبة إما أن يعمل بشكل مستقل أو بالشراكة مع الحكومة.

في الختام، نحن نرى: أنَّ الإجراءات التي تتخذها الحكومة السعودية لترشيد الإنفاق وإعادة تنظيم وهيكلة نفسها ستؤدي إلى فوائد مستدامة لاقتصاد البلاد، وأنَّ المشاكل الاقتصادية التي تواجه بعض الشركات بسبب هذا الترشيد ستكون مؤقتة في طبيعتها ولكن هناك ما يكفي من الفرص للجميع للمشاركة والاستفادة من تلك الخطوات على المدى الطويل؛ لذا بدلاً من الشكوى، يجب أن ننتهز الفرص الهائلة بالتأقلم مع التغييرات الجديدة والتحرك مع الزمن وقد أكدنا ذلك في التقرير الذي قمنا بنشره مؤخراً في 2017 عن رؤى الرؤساء التنفيذيين والذي جاء فيه أنَّ التغيير مكمن الفرص أو التغير والنمو والذي كان جزء من دراسة على مستوى العالم.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة