الطريق نحو المباني المستدامة

تحدثنا لينيل كاميرون، نائب رئيس أوتوديسك لشؤون الاستدامة شركة أوتوديسك، عن أهمية الاستدامة خصيصاً فيما يتعلق بمجال البناء.
الطريق نحو المباني المستدامة
بواسطة تميم الحكيم
الثلاثاء, 29 مايو , 2018

تحدثنا لينيل كاميرون، نائب رئيس أوتوديسك لشؤون الاستدامة شركة أوتوديسك، عن أهمية الاستدامة خصيصاً فيما يتعلق بمجال البناء. فإلى نص الحوار:

كيف تقيمين وضع الاستدامة حاليًا في مجال البناء، وما مستقبلها؟
يهدر حاليًا نسبة 30 بالمئة من المواد الداخلة في كل مشروع بناء في النفايات. وهي تنتج قبل حفر أساسات المشروع وخلال البناء وبعد الانتهاء منها. ويعني هذا أن أمامنا مجال كبير لتحسين الاستدامة وتقليل الهدر وتوفير المواد والتكلفة. وهذا ديدننا دائمًا في قطاع البناء، إذ علينا أن نفكر أولًا بهذه الجوانب كي تصبح المباني أكثر استدامة.

و نشهد اليوم اتجاهًا جديدًا في قطاع البناء يجعل العملية تشمل إعادة التدوير، أو ما يسمى التشييد الدوراني؛ أي تصميم المباني بالمواد والمكونات التي تستخدم باستمرار في المباني المستقبلية، فلا تهدر للمواد في النفايات، ولا يولد المبنى طوال عمره أي نفايات...هذا هو المستقبل.

ماذا تعنين بإعادة تدوير البناء أو التشييد الدوراني؟
خلال حدث جامعة أوتوديسك الشرق الأوسط 2018، عرض فريق «رويال بام» تصميم جناح «بنك إيه بي إن أمرو»، وشرح أعضاء الفريق كيف صمموا الجناح اعتمادًا على مبادئ التشييد الدوراني؛ أي باستخدام مواد يمكن إعادة استخدامها في أغراض أخرى بدلًا من التخلص منها في النفايات. فاستخدموا موادًا من مبنى آخر -بعد تفكيكه وهدمه- في بناء الجناح، وأعادوا استخدام الجدران الداخلية والأبواب والكبلات وبكرات خراطيم الحريق، بل إنهم أعادوا تدوير قماش الجينز الأزرق الذي ارتداه العمال والموظفون فاستخدموه في عزل السقف. ولا تنتهي حياة بعض مكونات البناء بهدم الجناح، بل تعيش حياة ثانية بعد تفكيكه، وهذا يسمى التشييد الدوراني، ونرى أنه الاتجاه الذي يمثّل مستقبل البناء.

إذن يعاد استخدام نفايات موقع البناء في أماكن أخرى؟ أهذه هي الفكرة؟
ج: مثاليًا هذا صحيح، لكن إن وضعت في اعتبارك من البداية ومن الخطوات الأولى لعملية التصميم أن تقلل الهدر والفاقد عبر إعادة استخدام المواد، وأن تبدأ أصلًا بكمية نفايات أقل. ويقودنا هذا إلى اتجاه مهم آخر في عملية البناء؛ أي الطباعة ثلاثية الأبعاد، فاستخدام هذه التقنية يتيح طباعة أجزاء المبنى آليًا. فمثلًا لدينا عميل يتابع حاليًا عملية طباعة جسر كامل بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، وهذا يغير جذريًا نسبة توليد النفايات في البناء، لأنك في هذه الحالة تنتج من البناء أو تطبع ما تحتاجه فقط دون أي زوائد أو نفايات. وكما ترى فإن مقاربة مسألة تقليل النفايات في عملية البناء تأخذ مسارين مختلفين ويتعلق السير في أحدهما دون الآخر بطبيعة المنشأة التي تريد تصميمها وحسابات التكلفة وزمن إنجاز المشروع وما شابهها من عوامل.

ماذا تعني المباني صفرية الطاقة؟
تولد المباني الصافية الصفرية من الطاقة بقدر ما تستهلك منها. ونشهد حاليًا نموًا عالميًا لهذا الاتجاه، ونعمل حاليًا على مبادرة تسمى أرتشتكتر 2030 Architecture 2030  وانضم إليها العديد من عملائنا أيضًا. وهي التزام بامتلاك محفظة صفرية الطاقة من المباني بحلول العام 2030. والأمر الرائع أن هذه التقنية متاحة اليوم ضمن مجموعة برامجنا للعمارة والهندسة والبناء لمساعدة عملائنا على بلوغ هذا الهدف. ولهذا نتعاون معهم على رسم خطط عمل كاملة قابلة للتنفيذ في جميع أنحاء البلاد لتتيح لهم تصميم المباني عالية الأداء وتشييدها ليكون استهلاكها للطاقة الواردة إليها من الخارج صفرًا.

هل يوجد سبيل آخر لتقليل النفايات في مواقع البناء؟
أرى أننا حققنا نجاحًا كبيرًا على هذا الصعيد، فالتقنيات المتوفرة اليوم تمكننا من تخفيض كمية النفايات جذريًا عبر مراحل حياة المباني وسلسلة الخدمات المتعلقة بها، وتشمل تلك التقنيات الحوسبة السحابية والروبوتات، والتصنيع بالطباعة ثلاثية الأبعاد، أو ما يسمى التصنيع بالإضافة.

ما أهم مزايا البناء بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد؟
البناء بالطباعة ثلاثية الأبعاد يخفض هدر المواد إلى حد كبير ويغني عن الحاجة إلى توليد كمية ضخمة من نفايات المواد، مقارنة بأسلوب البناء التقليدي. فمثلًا نحن في أوتوديسك ندعم عمل روبوت اسمه إيه إس إتش، وهو روبوت مدرب على الطباعة ثلاثية الأبعاد آليًا باستخدام الفولاذ المقاوم للصدأ، ويتيح لك طباعة ما تحتاجه فقط من حديد التسليح دون تلويث البيئة أو إنتاج نفايات إضافية. هذا سيؤدي حكمًا إلى تغيير جذري في أساليب البناء في المستقبل.

إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد؟ هلّا شرحتِ لنا أكثر عن ذلك؟
قد يظن المرء أنها عملية سهلة، لكن الواقع أنها مختلفة تمامًا عن الطباعة بمادة البلاستيك مثلًا، ومع هذا فهي تنفذ فعلًا على المستوى التجاري، فهي الطريقة التي تعتمد عليها شركة MX3D  -وهي من عملائنا في هولندا-لتصميم مشروع جسر وطبعه آليًا. وتعتمد روبوتات الشركة (مثل الروبوت إيه إس إتش) على الحساسات لتتبع تقدم عملية الطباعة ومعرفة مستوى درجة حرارة المعدن في أي نقطة لضبط سير عملية الطباعة وتصحيحها، وهذه عملية متقدمة جدًا.

كيف تنظرين إلى مستقبل العمل؟
يشعر الناس حاليًا بالخوف من تأثير الأتمتة والتقنية والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي على مستقبل العمل. والواقع أن بيئة العمل تتغير بتأثير ذلك فعلًا، ويتغيير معها أيضًا ما نستطيع تصميمه وصنعه. من ناحية الاستدامة، لدينا اليوم تقنية متقدمة رائعة تمكننا من حل التحديات المعقدة التي عجزنا عن حلها سابقًا، وأرى أن المدن الذكية والمستدامة ليست مجرد فكرة مستقبلية ممكنة، بل نظم قابلة للتنفيذ على أرض الواقع اليوم.

إن وجهت هذا السؤال لمستشار اقتصادي، فسيجيبك على الأرجح أن 47% من الوظائف ستختفي نتيجة الأتمتة، وإن وجهته لصحافي فسيقول لك أن الروبوتات ستحل محلنا، أما إن وجهته لخبير تقني فسيقول لك أن التقنية تمثل خلاصنا في المستقبل. إلا أن الواقع يكمن بين هذا وذاك، والأمر المهم الذي يجب أن نعرفه أن التقنية لا تغير طريقة عملنا وطبيعة الوظائف فحسب، بل تغير أيضًا ما نستطيع أن نفعله أصلًا لأنها تعزز القدرات البشرية وتصل بها إلى مستويات جديدة تتيح لنا تصميم الأشياء وصنعها بطريقة أفضل كثيرًا مما كانت لدينا قبلًا.

متى تتوقعين أن تحل الطاقة المتجددة محل الطاقة التقليدية؟
ج: أنا متفائلة بتسارع نمو الاعتماد على الطاقة المتجددة حول العالم. نحن في شركة أوتوديسك نعتمد في عملياتنا على الطاقة المتجددة بنسبة 100%، وهذا مبدأ مهم بالنسبة لنا. نحن نشجع على استخدام الطاقة المتجددة المحلية التي تشكل إضافة إلى السوق. وشاهدنا كيف تستخدم استراتيجينا الخاصة بتوليد الطاقة واستهلاكها لتحفيز الطلب في الأماكن التي نعمل فيها. ونشعر بالحماس ونحن نشاهد كيف تعمل دبي على إنشاء إحدى أكبر مزارع الطاقة الشمسية في العالم، لكننا ندرك أنه ما زال أمامنا طريق طويل لتطوير نظم الطاقة المتجددة وتطويرها على نطاق واسع كي تستطيع أن تدعم أساليب الحياة التي نعيشها اليوم أو سنعيشها في المستقبل.

سنصبح 10 مليارات شخص على هذا الكوكب قريبًا، وسيكون نصفنا (5 مليارات) من ما يسمى الطبقة المتوسطة العالمية، لذا فإن السيارات والحواسيب والوحدات السكنية - وكل الأشياء التي نتمتع بها في هذه المدينة الجميلة - ستحتاج إلى ضعف الطاقة اللازمة لتوفير أنماط الحياة التي ستطلبها تلك المليارات من البشر. لن يكفينا الاعتماد على طاقة الوقود الأحفوري، ويتطلب ذلك أن نوفر كمية مذهلة من الطاقة ما سيتاج إلى تغييرات كبيرة في أسلوب تصميم الأشياء.

ما التحديات التي تنتظرنا؟
أود أن أشيد بحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة لأنها حددت أهدافًا جريئة ووضعت رؤية حكيمة لمسألة الاستدامة في البلاد، وهذ أمر مهم حقًا. وأرى أيضًا أن بقية الحكومات في العالم تنظر بواقعية إلى الاستدامة والإجراءات اللازمة للتصدي لتغير المناخ. ويتيح هذا للقطاع الخاص الابتكار وإيجاد الحلول وتوظيف التقنيات المناسبة للوصول بنا إلى المستقبل. ولا بد من تكامل الجهود التي يبذلها القطاع العام على هذا الصعيد مع جهود القطاع الخاص للاستفادة من تغير المناخ والاستدامة والنظر إليهما كفرصة للنمو التجاري.

يبلغ حجم سوق تخفيض انبعاثات الكربون ومنتجات إعادة التدوير نحو 5 تريليونات دولار أمريكي؛ أي أنها سوق كبيرة جدًا. فإن عززنا فهمنا لتغير المناخ، وعملنا على كبحه، وساعدنا المدن والبلدان والمجتمعات على التكيف معه، فإن كل ذلك يشكل فرصة للنمو التجاري. أرى أن الشركات الناجحة مستقبلًا هي التي تفكر في كيفية استخدام التقنية لتصميم كل شيء وتحسينه، لتعتمد عليها مجتمعات إعادة التدوير التي تهتم بتحقيق أعلى معدلات كفاءة الطاقة، بالإضافة إلى كفاءة وإنتاجية المواد، وتطبيق الحلول الدائرية، والاستهلاك الصفري للطاقة من الموارد الخارجية. ناقشنا هذه المحاور وغيرها في جامعة أوتوديسك في الشرق الأوسط. وأرى أننا نستطيع تحويل ذلك المستقبل إلى واقع بالاعتماد على التقنيات المتوفرة حاليًا.
فمثلًا من العملاء الذين استمعنا إليهم اليوم فريق عمل متحف دبي للمستقبل، الذي يمثل نموذجًا رائعًا محليًا للاستدامة في المنطقة. والحقيقة أن الفريق اعتمد على التقنيات لابتكار حلول مذهلة لاستهلاك الطاقة والمواد الأولية والوصول إلى مثال حي عن الاستدامة سيشكل معلمًا رائعًا هنا في دبي.

ما الفرق بين مبنى تقليدي ومبنى صفري الطاقة؟
تنتج المباني صفرية الطاقة (Net Zero Energy) الطاقة التي تستهلكها، وهي تتجاوز حتى مسألة كونها مستهلكة للطاقة، لتكون مصدرًا للطاقة. هذا هو مستقبل الطاقة، ونحتاج إلى تصميم وبناء أعداد أكبر من هذه المباني حول العالم.

لكن هل يمكن تحويل المباني الحالية إلى مباني صفرية الطاقة؟
نعم هذا ممكن فعلًا، إذ يمكن إضافة نظم الطاقة المتجددة إلى مبنى لتحويلة بالكامل مبنى صفري الطاقة، لكن من المحبذ أن تصمم المباني أصلًا لتكون صفرية الطاقة، ونرى أن بعض شركات تطوير العقارات تبني مباني صفرية الطاقة بأسعار معقولة. فمثلًا تعمل شركة  Van Wijnen -وهي من عملائنا- منازل بأسعار معتدلة صفرية الطاقة في هولندا، ويعد هذا مثالًا رائعًا للتصميم التوليدي يتيح للعملاء تقييم عناصر متعددة مثل الاستدامة والقدرة على تحمل التكاليف والربحية معًا.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج