توصيات لتطوير قطاع الرعاية الصحية الخليجي

توصيات لتطوير قطاع الرعاية الصحية الخليجي بقلم: تريستان دي بويسون، الرئيس المشارك لاستثمارات الشركات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ وربيع خوري، المدير العام لاستثمارات الشركات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى "إنفستكورب"
توصيات لتطوير قطاع الرعاية الصحية الخليجي
تريستان دي بويسون، الرئيس المشارك لاستثمارات الشركات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
بواسطة أريبيان بزنس
الخميس, 24 مايو , 2018

يمرّ قطاع الرعاية الصحية في دول الخليج بمرحلة انتقالية ترمي إلى  تحسين بيئة العمل وخفض التكاليف وزيادة الفرص على امتداد  القطاع. ولكن، لكي يتمكن هذا القطاع الحيوي من مواكبة المعايير العالمية، هناك العديد من الإصلاحات ونقاط التحسين التي تحتاج إلى التركيز عليها.


ولفهم كيفية التغلب على التحديات القائمة وإيجاد حلول يمكن أن تساعد في الارتقاء بالقطاع نحو مستوى أفضل، أعددنا ورقة بحثية حددنا فيها أربع نقاط تحسين أساسية لا بد من التركيز عليها، وأولها محدودية العرض ونوعيته ، حيث لا تزال إمدادات الرعاية الصحية في الخليج دون مستوى المعايير العالمية. وبحسب الإحصائيات، يتراوح عدد الأسِرّة لكل 1000 نسمة في المنطقة بين 1.3 إلى 2.2 سريراً مقارنة بـ 2.8 في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، و6.2 في فرنسا وألمانيا. وبالمثل، فإن عدد الممرضات لكل 1000 نسمة في المنطقة أقل بكثير مقارنة بأوروبا الغربية والولايات المتحدة. والأهم من ذلك كله أن هذا النقص في إمدادات الرعاية الصحية يتضح بشكل أكبر في شريحة المستشفيات الاستشارية التخصصية، ومرافق الرعاية المتخصصة وطويلة الأجل.
وتتمثل نقطة التحسين الثانية الواجب معالجتها في نقص جودة الخدمات، فالنتائج المتحققة من العلاج وخدمات الرعاية الصحية قياساً إلى معدل الإنفاق عليها في منطقة الخليج تعتبر أقل مقارنة بالأنظمة الصحية المماثلة في مناطق أخرى من العالم. كما تعتبر جودة خدمات الرعاية الأولية والثانوية متفاوتة، في حين أن جودة الرعاية التخصصية والمتقدمة لا تزال دون المستوى بشكل عام. وعوضاً عن ذلك، ترسل حكومات المنطقة العديد من المرضى إلى الخارج لمعالجة الحالات الصحية المعقدة التي تتطلب مستوىً عالٍ من المهارة الطبية والتكنولوجيا المتقدمة، مثل الأورام وجراحة العظام.
وتتمثل نقطة التحسين الثالثة في ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، حيث إن نقص المعروض وعدم توفر الخدمات بالجودة المطلوبة يؤدي إلى تكبد الحكومات المحلية هدراً مالياً لا داعي له. فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن حجم إنفاق دول الخليج على السفر بغرض العلاج الطبي يصل إلى 12 مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ يمكن إنفاقه في تطوير صناعة الرعاية الصحية المحلية. وبالمثل، فإن نفقات المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طويلة الأجل ممن يقيمون في المستشفيات العامة أعلى بكثير مما لو كانوا يتلقون نفس الخدمات في المرافق المتخصصة بهذا النوع من الرعاية.
وأما النقطة الأخيرة التي تحتاج إلى التحسين فهي نقص الموارد المالية المتاحة للقطاع، حيث تدفع حكومات دول الخليج في المتوسط 70٪ من جميع تكاليف الرعاية الصحية، بينما لا تزال مشاركة متحملي نفقات الرعاية الصحية ومزودي الخدمات من القطاع الخاص أقل نسبياً من المستوى المطلوب. ومع تزايد صعوبة تغطية تكاليف الرعاية الصحية في ظل توجه الحكومات نحو تقليص ميزانياتها الحكومية، قد تميل الحكومات إلى زيادة نسبة مشاركة المستفيدين في سداد رسوم الرعاية الصحية التي يتلقونها مما قد يحد من قدرة الجمهور على الوصول إلى خدمات تعتبر من أساسيات الحياة بالنسبة لهم، أو خفض معدلات رد التكاليف للمؤسسات، وهي خطوة يمكن أن تؤدي إلى نفور الاستثمارات المطلوبة لردم الفجوات القائمة في النظام الصحي الحالي. وبالتالي، هناك حاجة إلى صياغة سياسات ومبادرات مدروسة بعناية للقطاع بما ينعكس بالفائدة على جميع اللاعبين فيه من متحملي التكاليف ومزودي الخدمات والمرضى.
ومن خلال جمع آراء مجموعة واسعة من مزودي خدمات الرعاية الصحية ومتحملي النفقات والجهات التنظيمية في المنطقة والأسواق الأكثر نضجاً، قمنا بتحديد ستة مجالات يجب معالجتها للتغلب على التحديات التي يواجهها القطاع في المنطقة وإيجاد حلول يمكن أن تعود بالفائدة على جميع الأطراف المعنية. وتتمثل هذه المجالات فيما يلي:
(1)  الصحة والوقاية
يسود اعتقاد واسع اليوم بأن الوقاية والتشخيص المبكّر يلعبان دوراً محورياً في الحدّ من تكاليف الرعاية الصحية وتحسين النتائج السريرية. ويعتبر السكري مثالاً واضحاً على الأمراض الشائعة في دول الخليج، والتي يمكن تجنّبها من خلال الوقاية والتشخيص المبكر. وتعتبر تكلفة علاج مرض السكري في مرحلة لاحقة- عندما تكون المضاعفات أكثر احتمالاً، أعلى بـ 18 مرة مقارنة بالعلاج في مرحلة مبكرة.
ويمثل تحسين نمط الحياة وعادات التغذية، إلى جانب التشجيع على إجراء الفحوصات الصحية المنتظمة وتعزيز الرعاية الأولية من بين المبادرات الأخرى التي يمكن أن تؤدي إلى تعزيز مستويات الوقاية. كما أنا تساعد في الكشف المبكر عن المشاكل الصحية.
(2) التخصص
على الرغم من أن معظم المستشفيات الخاصة توفر أخصائيين في مجال الرعاية الثانوية، إلا أن قلّةً منها تقدم المعدات المتخصصة والخبرات التي تمتلكها عادةً مستشفيات الرعاية الاستشارية التخصصية.
وتتمثل إحدى الوسائل الرئيسية لتعزيز نمو شريحة المراكز الطبية المتخصصة في المنطقة في إبرام شراكات مع أبرز المعاهد والمؤسسات الطبية الغربية المرموقة، وبناء ما يسمى بالمدن الطبية أو مراكز التميّز. كما تشمل الإجراءات الأخرى ابتكار خطط لجذب الاستثمارات في المجالات التخصصية المؤسسات الطبية المتخصصة، وطرح رخص جديدة لمرافق الرعاية الصحية المتخصصة بدلاً من استخدام النماذج العامة.
(3) الاندماج ووفورات الحجم
لا يزال قطاع الرعاية الصحية الخاص في دول الخليج غير متسق من حيث الحصص السوقية. فعلى سبيل المثال، تستأثر أكبر 5 مجموعات مستشفيات خاصة في المملكة العربية السعودية بـ 25% فقط من إجمالي الأسرّة في المستشفيات الخاصة، بينما تستأثر أبرز 5 مستشفيات بدولة الإمارات العربية المتحدة بـ 40٪، مع العلم أن الأسواق الغربية من نفس الحجم تعتبر أكثر اتساقاً.
ويمكن لأنشطة الدمج المساهمة في الارتقاء بمعايير الجودة، فضلاً عن تقليل التكاليف، باعتبار أن اتساع نطاق المرافق يعزز قوتها الشرائية بالإضافة إلى قدرتها على جذب المواهب الطبية وبناء بنية تحتية وأنظمة قوية، وكلها مكونات أساسية للنجاح في قطاع الرعاية الصحية.
(4) الخصخصة
من المعروف أن القطاع الخاص يلعب دورًا كبيرًا إلى جانب القطاع العام في مجال الرعاية الصحية. وبالتالي، تطمح جميع حكومات دول الخليج إلى الاضطلاع بدورٍ أكبر في قطاعات الرعاية الصحية لديها في المستقبل، كما تتوقع أن تنجح في تعزيز الفعالية والكفاءة عبر تحسين الخدمات الطبية وخفض التكاليف.
يمكن أن تأخذ الخصخصة أشكالاً كثيرة، بدءاً من توسيع نطاق حلول التأمين الخاص وزيادة دور مزودي خدمات الرعاية الصحية الخاصة كمالكين أو مشغلين للمرافق الطبية وخدمات الدعم (مثل المختبرات، والأشعة، وغيرها).
(5) الحوافز
أدى ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية بوتيرة متسارعة إلى دفع بعض الحكومات لتطبيق أنظمة الرعاية الصحية المعتمدة على القيمة، والتي تم تصميمها خصيصاً للمواءمة بين مصالح المستفيدين ومزودي الخدمات، وتحفيز ممارسات السلوك الجيد وتقليل التكاليف. وتعتمد الرعاية القائمة على القيمة على التنسيق الأفضل للدعم الطبي بالاستفادة من السجلات الإلكترونية للمرضى وبالتالي تجنب الازدواجية في العلاجات والتكاليف المهدرة، مع تحسين نتائج الرعاية الصحية في الوقت نفسه. ولا تزال هذه النقطة غير مطروقة في المنطقة، وينبغي أن تكون موضع تركيز أساسي خلال الأعوام العشرة المقبلة.
(6) جهود التعاون
يمكن للتخطيط والتنسيق المشترك، ضمن دول الخليج، تحقيق العديد من الفوائد مثل 1) الوصول إلى الحد الأدنى الضروري من حيث عدد المرضى وتعقيد الحالات المرضية من خلال علم الأمراض، وهو أمر مهم لجذب المواهب الطبية المناسبة، (2) تجنب هدر أو ازدواجية البنية التحتية المكلفة التي تتطلب استثماراً رأسمالياً مكثفاً في المجالات التخصصية المتقدمة و3) زيادة كفاءة عملية الشراء.
وبينما تمضي الحكومات الخليجية على طريق الإصلاح والتغيير في مجال الرعاية الصحية، نعتقد بأن هناك نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها، كما نرى فرصاً كبيرة للدفع قدماً بمسيرة تطور القطاع في المنقطة بما ينعكس إيجاباً على الخدمات المقدمة للمرضى. وتدرس حكومات المنطقة بالفعل استراتيجيات لمعالجة ارتفاع تكاليف الرعاية الصحة وعدم توفر خدمات بالجودة المطلوبة وبما يتوافق مع المعايير العالمية. ويتمثل التحدي الأهم لتحقيق الأهداف المنشودة في توفر الدعم الداخلي للإصلاحات المطلوبة، والتنفيذ الفعلي لهذه الإصلاحات ومتابعتها، بما يضمن إرساء الأسس لقطاع رعاية صحية يواكب المعايير العالمية ويلبي متطلبات المرضى المحليين دون الحاجة للسفر إلى الخارج.
بقلم: تريستان دي بويسون، الرئيس المشارك لاستثمارات الشركات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ وربيع خوري، المدير العام لاستثمارات الشركات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى "إنفستكورب"



اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج