اسم على مسمى: الثورة الصناعية الرابعة

لم يأت مسمى «الثورة الصناعية الرابعة» من فراغ. إلا أن هذا التغيير سيتم بكل سلاسة عندما يتعلق الأمر بدبي، بحسب حوار أريبيان بزنس مع الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في سيمنس، رولاند بوش.
اسم على مسمى: الثورة الصناعية الرابعة
رولاند بوش، عضو مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في سيمنس العالمية.
بواسطة أريبيان بزنس
الثلاثاء, 01 مايو , 2018

بعد مرور بضعة دقائق فقط من حوار أريبيان بزنس مع الدكتور رولاند بوش، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة سيمنس الألمانية، بدأ يغمرنا شعور بالقلق حيال المستقبل.

بقلم: شايان شاكيل

لقد ثبتت التوقعات التي دارت بشأن عملاق الصناعة الألماني سيمنس، الشريك الرئيسي لمعرض «إكسبو 2020 دبي»، فبعد غروب شمس ذلك الحدث العملاق الذي ستتواصل فعالياته على مدار ستة أشهر حتى شهر أبريل 2021، تعتزم سيمنس إعادة تعيين مرافق المعرض لغرض آخر، متخذةً من موقعه مقراً عالمياً لها لتقديم خدماتها اللوجستية الخاصة بالمطارات. وقبل ذلك، تنوي الشركة استثمار 500 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات لإقامة اثنين من المراكز المعنية بتطبيقات تقنية انترنت الأشياء (IoT) في دولة الإمارات العربية المتحدة. جدير بالذكر أنه لا يوجد سوى 20 مركزًا من هذا النوع في العالم بأسره.

كذلك، تضع سيمنس ضمن خطتها تمويل مِنَح البرمجيات الإلكترونية، وذلك انطلاقًا من حرصها على تقديم يد المساعدة إلى الطلاب والأكاديميين والباحثين لتعلم النواحي التقنية الكامنة وراء عمليات جمع البيانات من الأصول المادية، وتشغيل عمليات المحاكاة التي تتم من خلال تلك البرمجيات الإلكترونية. وتهدف تلك الخطة إلى بناء قدرات هذه الفئات لتشغيل نظام «مايندسفير» الشامل الذي ابتكرته سيمنس، والذي وصفه رئيس الشركة التنفيذي، جو كايسر، بأنه «برنامج المعرض» خلال حضوره في مؤتمر «القمة العالمية للحكومات» الذي عقد بدبي في شهر فبراير الماضي.

وتتشابه منصة «مايندسفير» إلى حدٍ كبير في طريقة عملها مع نظام التشغيل «ويندوز» الذي ابتكرته «مايكروسوفت» الأمريكية، وكان يمثل قفزة نوعية جعلت أجهزة الكمبيوتر المكتبية والمحمولة قطعًا أساسية في منزل كل فرد منا. وقد نجح العملاق الأمريكي في ذلك من خلال جمع البيانات من المعدات والأجهزة التي نستخدمها (مثل محركات الأقراص الصلبة، واللوحات الأم، وبطاقات الرسومات، والشاشات، وأجهزة الماوس، وغيرها)، ثم استغلالها في تشغيل مجموعة من تطبيقات البرمجيات (مثل «أدوبي كرييتف سوت»، و»مايكروسوفت أوفيس»، بالإضافة إلى أنظمة إدارة المحتوى)، الأمر الذي جلب معه زخمًا هائلاً من المخرجات والنتائج، التي فتحت الباب أمام شريحة المستخدمين العادية لإنتاج كل شيء، بدءًا من الأفلام الحائزة على جوائز الأوسكار، وحتى هذه المجلة التي بين يديك.

حاول الاستغناء عن هذه الأجهزة، واستخدام أي أصل من الأصول الصناعية التي يمكنك التفكير فيها بدلاً منها (مثل أنابيب النفط، أو أبواب القطارات، أو شفرات المحركات التوربينية للطائرات، أو غير ذلك)، ثم غيّر نظام التشغيل «ويندوز»، واستخدم بدلاً منه منصة شبيهة مفتوحة البنية، ولكنها قوية بما يكفي للدفع بالبيانات الصناعية إلى داخل التطبيقات الخاصة والمملوكة لشركات أخرى، وعندها سيظهر أمامك نظام التشغيل «مايندسفير» الخاص بالأعمال والشركات، والذي تؤمن سيمنس بقدرته على تشغيل أي شركة ذات رأس مال هائل، ترغب في الانضمام إلى مصاف الثورة الصناعية الرابعة.

ما الحكمة وراء ذلك؟
هذا هو الخبر الجيد، حيث ينتظرنا المزيد من فرص العمل والمزيد من الاستثمارات، إضافة إلى برنامج أو تقنية لا سابق لها، تعمل على تبسيط الطريقة التي يعمل بها العالم من حولنا.
الأمر المثير للاهتمام هنا هو أنه على مدار الأعوام الخمسين الماضية، شهد الناتج المحلي الإجمالي العالمي طفرة في النمو بلغت 3.5% سنويًا تقريبًا. وقد تمثل أحد الدوافع الرئيسية وراء تلك الطفرة في جحافل الشباب الناشئ حول العالم في ذلك الوقت، والتي باتت اليوم تعاني من تجاعيد الشيخوخة.
ورغم ذلك، قد تشهد الأعوام الخمسين المقبلة تراجعًا في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وصولاً إلى الصفر إذا لم يعمل الاقتصاد العالمي على تحويل دِفّته بنفسه.

ولكن ما السبب وراء ذلك؟ يجيب الدكتور بوش لنا عن هذا السؤال قبل أن يتوقف لبرهة، ويلقي بعبارته على أسماعنا مرة أخرى، حيث يخبرنا أن السبب في ذلك هو وصول سوق الأيدي العاملة في الصين إلى ذروة سنامه بالفعل، فتأثير ذلك ليس بخفيّ عنّا. ويتابع رئيس قطاع التكنولوجيا في سيمنس حواره، موضحًا لنا ما سيحدث بعد ذلك، قائلاً: «يغلب على كوريا واليابان وألمانيا وغالبية الدول المتقدمة عدد كبير من المسنّين»، ملمّحًا بذلك إلى أننا ما زلنا نعتمد حتى الآن على أعداد الشباب الناشئ لدفع عجلة النمو العالمي، بيد أن هذا المورد قد بات اليوم بين قوسين أو أدنى من النضوب والانتهاء.
ثمّة أماكن معينة، مثل الهند وبقية دول جنوب آسيا، لا تزال تُنتج أعدادًا من الشباب، غير أنه كما يقول الدكتور «بوش»، لا يزال في هذه البقاع الكثير من الصناعات التي تقوم على الأيدي العاملة أكثر منها على المهارات. ومع ذلك، تظل التكنولوجيا الحديثة السبيل الوحيد للحفاظ على معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي التي نحظى بها.

ويواصل حديثه الشيّق بقوله «سيخبرك مدير أحد المصانع في ألمانيا أن تكلفة الروبوت الواحد تبلغ 5 يوروات في الساعة، في حين يحتاج الإنسان إلى جني 13 يورو، إضافةً إلى الحصول على تغطية تأمينية ومزايا أخرى. والمشكلة التي تطل برأسها علينا الآن هي أن تلك الروبوتات لا تزال قدرتها محدودة للغاية على إتمام المهام البسيطة، كإدراك الأشياء والتعرّف عليها مثلاً. ولكنها ستتعلم ذلك مع استمرارها في العمل. وتزامنًا مع ذلك، ستنخفض تكلفة ساعة العمل أيضًا، بل وستبدأ المنافسة مع الأيدي العاملة الصينية، التي تعد تكلفتها آخذةً في الارتفاع بالفعل».



«التعلم بوتيرة أسرع»
لعل النتائج المحتملة لهذه الثورة الصناعية الجديدة كانت لتغمر الكاتب الإنجليزي ألدوس هكسلي بالفخر والامتنان. إلا أنه يبدو أن ثمّة حقيقة أخرى حديثة الظهور ربما تمثل الخيار الوحيد أمام كل من يرغب في حجز موضع قدم له في مستقبل العالم، إنها «التعلم مدى الحياة» على حد وصف الدكتور بوش، الذي يخبرنا بأن التدريب يعد التحدي الأول الذي تواجهه الأيدي العاملة إثر اعتماد العالم على الأنظمة الرقمية، وتغير طبيعة الوظائف بين أرجائه. ولهذا السبب، تستثمر سيمنس ما يزيد عن نصف مليار دولار في تدريب العنصر البشري.
ولا يقتصر هذا التحدي على شركة واحدة، بل على حد قوله: «تعد هذه مسؤولية مشتركة [يجب أن تتحملها] الحكومات والمؤسسات الخاصة. إننا نتولى تدريب موظفينا، وعليها أن تعي كيف يمكنها الارتقاء بمستوى مؤسساتها من ناحية طريقة تدريب الأفراد، بدءًا من المدرسة وحتى التحاقهم بالجامعة».

تعد هذه الثورة الصناعية «تحديًا تقنيًا يتعين علينا الانشغال به»، حيث يجب على الشركات معرفة حالات الاستخدام والمردود من وراء ذلك، الأمر الذي قد يستغرق وقتًا لمعرفته أطول مما قد يبدو عليه. وتعقيبًا على ذلك، يقول الدكتور بوش: «سيحتاج الأمر إلى الكثير من التعلم، فالزمن الذي تستغرقه دورة المنتجات في عالم التكنولوجيا الرقمية لا يزيد عن بضعة أشهر، في حين أن عملية تدريب الموظفين للوصول إلى تلك المعرفة تستغرق سنوات. ولذلك، كلما زاد اعتمادك على التقنيات الرقمية، كان عليك التعلم بوتيرة أسرع».

فرص العمل تتغيّر
يذكر لنا الدكتور بوش أنه تزامنًا مع توجّه سهم الاستثمار ناحية الصعود، أصبح بإمكان الشركات المعتمدة على الأنظمة الرقمية جني عائدات إنتاجية أفضل مما لو كانت قد اتبعت الأسلوب التقليدي في الاستثمار لبناء قدراتها.

كذلك، يخبرنا الدكتور بوش أننا ما كنّا لنصدق أن تفتتح شركة «أديداس» الرياضية مصنعًا لها في ألمانيا، غير أن هذا هو بالضبط ما فعلته الشركة في مدينة «آنسباخ» الألمانية العام الماضي، حيث سعت «أديداس» إلى الاعتماد على الأنظمة الرقمية في عمليات التشغيل الآلي والتخصيص التي تجريها، ولذلك لجأت إلى تقنيات سيمنس لافتتاح منشأة جديدة لها، كان من الممكن أن تفتتحها في سوق أقل تكلفة، فالسوق الألمانية تتقاضى فيها الأيدي العاملة أجورًا باهظة، ولكن مع اختلاف أن «هذا ليس مكانًا لحياكة الأشياء، بل إنه يعد طريقة مختلفة لتصنيع الأحذية، من شأنها إتاحة فرص العمل مرة أخرى، ليس بالكثرة نفسها أو بمجموعة المهارات ذاتها كما هو واضح، ولكن بأيدي عاملة على مستوى عالٍ من التدريب، بإمكانها تغيير طريقة إنشاء القيمة.

تتمتع بعض الأسواق، ومنها الإمارات العربية المتحدة والشرق الأوسط، على حد قول الدكتور بوش، بفرصة للاستعاضة عن الأيدي العاملة، واستخدام «أخرى أكثر تطورًا وأفضل تعليمًا يمكن أن تُدرّ عليها إنتاجية أعلى». وسواء كان الأمر متعلقًا بصناعات النفط والغاز، أو الطيران، أو النقل بالسكك الحديدية، نجد أن «نظام مايندسفير هو الحل لهذه المشكلة، حيث سيتيح أمامنا فرصة للحفاظ على نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بغض النظر عن تقدم الأشخاص في العمر».

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج