اللوفر أبوظبي: تقاسم التجربة الإنسانية

يعرض متحف اللوفر أبوظبي مجموعة مقتنيات وأعمالٍ معارة من أعرق المتاحف في فرنسا والتي تستمد أهميتها من بعدها التاريخي والثقافي والاجتماعي، وتروي قصصاً من مختلف الحقب التاريخية التي مرّت بها البشرية.
اللوفر أبوظبي: تقاسم التجربة الإنسانية
بواسطة أنيس ديوب
الأحد, 04 فبراير , 2018

بتاريخ 11 نوفمبر /تشرين الثاني من العام الماضي 2017 شهدت العاصمة الإماراتية افتتاح متحف اللوفر أبوظبي، أول متحف من نوعه في العالم العربي برؤية عالمية، يسلّط الضوء على أوجه التشابه والقواسم المشتركة للتجربة الإنسانية عبر مختلف الحضارات والثقافات.

وقد وضع تصميم متحف اللوفر أبوظبي، الذي يقع في قلب العاصمة الإماراتية، المهندس المعماري الفرنسي جان نوفيل الحائز على جائزة «بريتزكر» العالمية، حيث صمم المتحف الذي تحيطه مياه البحر تحت قبة فريدة من نوعها، ليبدو اللوفر أبوظبي وكأنه «متحف مدينة».
ويضم المتحف مجموعة متنوعة بداية من القطع التاريخية وصولاً إلى الأعمال التكليفية العصرية المصممة للمتحف حصرياً لتبرز مواضيع وأفكار مشتركة تعكس بمجملها أوجه التشابه والتبادل بين الثقافات والحضارات المختلفة حول العالم، متجاوزةً بذلك الحدود التاريخية والجغرافية.
وبذلك، يصبح اللوفر أبوظبي مغايراً للمتاحف الأخرى التي عادةً تفصل بين الأعمال والمقتنيات بناءً على حضارة منشأها. وبالإضافة إلى صالات العرض، يقدم المتحف معارض، ومتحفاً للأطفال، ومتجراً ومقهى للزوار.
وبإمكان زوار المتحف الاستمتاع بالمشي على طول المنتزهات والممرات المطّلة على مياه البحر والتي تظللها قبة تبلغ قطرها 180 متراً والمؤلفة من حوالي 8000 قطعة معدنية على شكل نجوم، مما يتيح لهم الاستمتاع بـ «شعاع النور» المستوحى من ظلال أشجار النخيل المتداخلة في واحات دولة الإمارات.

رؤية إماراتية 
يرى محمد خليفة المبارك، رئيس مجلس إدارة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وشركة التطوير والاستثمار السياحي أن اللوفر أبوظبي: «يجسّد رؤية الإمارات الراسخة بأنّ تقدم الأمم وتطور حضارتها، يُبنى على التنوع الثقافي والتسامح وتشجيع الحوار المشترك والانفتاح على الآخرين، خاصة أن أسلوب سرده يؤكد تواصل العالم منذ القدم. ويستكمل المتحف مسيرة طويلة بدأها الآباء المؤسسون لدولة الإمارات في الحفاظ على التراث الوطني والثقافي وصون قيمته». 
ويضيف : يُعد اللوفر أبوظبي واحداً من أهم مكوّنات استراتيجية أبوظبي الثقافية الرامية إلى الحفاظ على هوية دولتنا وتراثها العريق وتاريخها الطويل مع تحفيز الإبداع وفتح آفاق جديدة للابتكار الثقافي. وتشكل الجهود الواسعة المبذولة في تعزيز البيئة الثقافية النشطة رافداً مهماً من روافد تنويع الاقتصاد الوطني لدولة الإمارات وتطوير مجتمع حيوي وعصري يُشار إليه بالبنان، بحيث يكون متحف اللوفر أبوظبي أحد ركائز المجتمع ومصدراً حياّ يستلهم منه الجيل القادم من روّاد الثقافة والعقول المبدعة والمفكرين، ليكون لهم دورٌ فعّال في ترسيخ قيم التسامح والتعايش التي تُعرف بها دولتنا العزيزة».
وسوف يتعرف الزوار على أسلوب سرد المتحف من خلال مجموعة من القطع الفنية والتحف الأثرية التي تتوزع على 12 فصلاً، حيث تبدأ جولة الزوار في القاعة الكبرى ليتعرفوا على المفهوم الرئيسي للمتحف. وتسلط هذه القاعة الضوء على أعمال متنوعة من مختلف المناطق الجغرافية، والتي، على الرغم من انتمائها إلى حضارات مختلفة، تشير إلى تقارب الشعوب بالتعبير عن نفسها بطرق مماثلة في الفن، عند تناول مفاهيم متعددة من ضمنها الأمومة أو الجنائز.

رحلة ثقافية
وتم ترتيب المعروضات بنظامٍ متسلسلٍ تاريخياً ومصنّفٍ بحسب الموضوع والسمة. وتبدأ الرحلة الثقافية للزوار من نشأة الترجمات الفنية للثقافات وتمثال «أميرة من باختريا» والذي يعود إلى أواخر الألف الثالث قبل الميلاد من منطقة آسيا الوسطى بالإضافة إلى أولى أعظم الإمبراطوريات من خلال المجموعة الجنائزية للأميرة الفرعونية «حنوت تاوي» والعملة الإغريقية «الديكادراخما» للفنان إيوانيتوس.
وفي غرفة مخصصة للأديان العالمية يستعرض المتحف ثلاثة كتب سماوية من ضمنها مخطوطة من «المصحف الأزرق» وإنجيل وكتاب التوراة بالإضافة إلى نصوص بوذية. أما طرق التبادل خلال القرون الوسطى وحقبة العصر الحديث، فتتمثل بتحف فنية متنوّعة من السيراميك. وتستمر رحلة التواصل البشري في المتحف في أعمال آسيا ومنطقة البحر المتوسط والتواصل بين أوروبا وأمريكا لتتسع دائرة التواصل مع تطوّر العلوم من خلال تأثيرات عدة.
كما يعرض المتحف لوحتا نامبان اليابانية والتي تشكل أول اتصالٍ بين أوروبا والشرق الأقصى. ويعرض المتحف بعضاً من أهم الأعمال العالمية، بدءاً من صور الأمراء والأزياء المتشابهة في بعض الحقب التاريخية، وصولاً إلى التعبيرات الفنية المتقنة مثل خزانة مصنوعةٍ في فرنسا ومطلية باللون الأحمر وتشير إلى الخليط بين التأثيرات الغربية والشرقية للفنان برنارد فان ريزبرف (1696–1766). 

بصمة زايد
وفي قسم العصر الحديث، يرى الزوار، لوحة «الغجري» للفنان إدوار مانيه (1832–1883) ولوحة «الأولاد وهم يتصارعون» للفنان بول غوغان (1848–1903) ولوحة «تشكيل بالأزرق والأحمر والأصفر والأسود» للفنان بييت موندريان (1872–1944)، ويختتم العرض بالعمل المذهل للفنان آي ويوي (1957) وتشكيكه بمعاني العولمة.
كما تشمل مجموعة المقتنيات الفنية أعمالاً قام اللوفر أبوظبي بتكليف فنانين معاصرين بتنفيذها، بمن فيهم الفنانة الأمريكية جيني هولزر (1950) التي نفّذت 3 جدران حجرية تم الكشف عنها عقب اقتتاح المتحف. وقد نُحت على الجدار الأول مقتطفات من «مقدمة» إبن خلدون ، أما الجدار الثاني فيحمل نصوصاً مستوحاة من لغات بلاد الرافدين (السومرية والأكادية المكتوبة بالخط المسماري) الموجودة على «لوح الأسطورة» في حين يبرز على الجدار الثالث نصوص مدعمة بالشرح من طبعة عام 1588 لمقالات الكاتب والفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين.
أما الفنان الإيطالي جوسيبي بينوني (1947) فأبدع التحفة الفنية «أوراق النور» (2017) وهي عبارة عن شجرة مصنوعة من معدن البرونز تتفاعل مع فكرة التصميم المعماري للمتحف من خلال مرايا تم تثبيتها على فروع الشجرة، وتعكس هذه المرايا أشعة الضوء الهاطلة من قبة المتحف العملاقة. ومن خلال التعاون الوثيق مع ورشات عمل المتحف الوطني للسيراميك (Sèvres – Cité de la céramique) في فرنسا، قدّم بينوني عمل «بروباجيشن» تعني «انتشار» (2017)، وهو عبارة عن جدارٍ من قطع الخزف التي تشكل دوائر مرسومة يدوياً ذات مركزٍ مشترك. ويستلهم العمل رؤيته من بصمة إصبع الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

أهم مشروع ثقافي
من جهتها قالت فرانسواز نيسين، وزيرة الثقافة في الجمهورية الفرنسية لدى حضورها الافتتاح بجانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون :»مثل افتتاح المتحف مرحلة مهمة في تعزيز أواصر التعاون الثقافي بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الفرنسية بعد 10 أعوام من توقيع الاتفاق الحكومي بين بلدينا».
وأضافت: «يعد متحف اللوفر أبوظبي أحد أهم المشاريع الثقافية الطموحة على مستوى العالم، وقد ساهم التصميم المعماري المميز للمهندس المعماري الشهير جان نوفيل في إبراز المتحف في أحسن صورة. وتفخر فرنسا بالدور الرئيسي الذي تلعبه في انشاء متحف اللوفر أبوظبي والإشراف عليه من خلال توظيف خبرتها في مجال إدارة المتاحف وإعارة الأعمال الفنية من مجموعاتها الوطنية، وذلك على مدى العقود العديدة القادمة».
وتعليقاً على رؤية المتحف، قالت: «بفضل الرؤية العلمية والثقافية المبتكرة التي يحملها المتحف، والتي جاءت نتيجة الجمع بين خبرات 13 متحفاً ومؤسسة وطنية فرنسية عملوا بإشراف وكالة المتاحف الفرنسية، يقدم متحف اللوفر أبوظبي لزائريه تجربة فريدة من نوعها: رحلة لم يسبق لها مثيل عبر أعمال فنية من مختلف الحضارات تهدف للكشف عن القواسم المشتركة بين التجارب الإنسانية». واضافت :«وبناء على ذلك، يأتي متحف اللوفر أبوظبي حاملاً في طياته رسالة تسامح وسلام للعالم ومؤكداً التزام بلدينا الراسخ بتعزيز الثقافة والتعليم باعتبارهما الحصن المنيع أمام خطر التطرّف».
وقد تضمن الأسبوع الافتتاحي للمتحف حدثين مهمين تم تنظيمهما في إطار البرنامج الثقافي الفرنسي-الإماراتي الفرنسي .
وقد اختتمت حديثها بالقول: «أود اليوم أن أعرب عن أملي في أن يسهم متحف اللوفر أبوظبي في تعزيز هذه الطاقة الإبداعية، ويشجع على طرح توجهات جديدة، ويعزز التفاهم المتبادل، ويقوي دوماً الروابط الوثيقة التي تجمع بين الإمارات العربية المتحدة وفرنسا».
أسلوب سرد عالمي
أما مانويل راباتيه، مدير متحف اللوفر أبوظبي فيرى أن: « اللوفر أبوظبي يعتمد أسلوب سرد عالمي فريد ورؤية ثاقبة تستكشف تاريخ الفن وفق سياق جديد، لذا فهو يُعد منصة تتيح لزوّاره فهم ثقافتهم والانفتاح على الثقافات الأخرى. وتساهم الإضافات واللمسات المعماريّة الرائدة للمتحف في إثراء مجموعته من الكنوز والأعمال الفنية الاستثنائية التي تقدم لمحة عن النتاج الثقافي المتنوع للبشرية وتمهد الطريق لمزيد من الحوارات البنّاءة».
أما جان لوك مارتينيز، مدير متحف اللوفر في باريس ورئيس المجلس العلمي في إدارة وكالة متاحف فرنسا فقد عبر عن سروره قائلاً: «إن هذا المشروع الرائع والذي يفتخر اللوفر بربط اسمه وروحه به وهو إنشاء أول متحف عالمي في العالم العربي. وأنا مسرور جداً لإتمامنا المرحلة النهائية من المشروع مدفوعين بروح الحوار التي تتماشى تماما مع الطبيعة الحقيقية لمتحف اللوفر. وأتمنى أن يحمل المتحف من موقعه في جزيرة السعديات مهمة توعوية عالمية ملهمة للأجيال القادمة».
ويرى جان نوفيل أنه: «بعد عدة أعوام من الدراسات والإنشاءات، أصبح بوسع الزوار دخول هذا المكان المفعم بالأضواء، هذا المكان الرائع الذي يجمع بين العديد من الثقافات البشرية التي يتجاوز مداها البحار والعصور. وتسهم الهندسة المعمارية للمتحف في حماية كنوزه وفي الإشادة بهندسة المدينة العربية وطابعها المميز الذي يتسم بتداخل الأضواء والأشكال الهندسية. وتحت قبته الضخمة، يحاكي المتحف الطابع الزمني المؤقت الذي يفصل حتماً بين الساعات والأيام وانقضاء حياتنا.»


جميلة الحداد والسيدة الزرقاء
يعرض اللوفر أبوظبي أعمالا فنية مهمة مُعارة من 13 مؤسسة ثقافية فرنسية. منها لوحة «جميلة الحدّاد» للفنان العالمي ليوناردو دافينشي (1452 – 1519) (متحف اللوفر باريس) و»بورتريه ذاتي» للفنان فينسينت فان جوخ (1853 –1890) (متحف أورسيه ومتحف دى لا اورانجيريه) ومنحوتة «الملاحة» العاجية النادرة من إمبراطورية بنين (متحف برانلي – جاك شيراك) والكرة الأرضية للفنان فينسينزو كورونيلّي (مكتبة فرنسا الوطنية)؛ وتمثال صيني «السيدة الزرقاء» (متحف جيميه المتحف الوطني للفنون الآسيوية) ولوحة «نابليون يعبر جبال الألب» للفنان جاك لويس دايفيد (1748–1825) من المتحف الوطني لقصر فرساي؛ و«باخوس في الإناء» للفنان أوغست رودان (متحف رودان) وصندوق الذخائر المقدسة من القرن الثالث عشر(متحف كلوني - المتحف الوطني للعصور الوسطى) وإبريق صيني بتصميم فارسي (متحف الفنون الزخرفي) ودرع مارميسي (سان جيرمان أو لاي، المتحف الوطني للآثار) وتمثال «أبولو بلفيدير» (قلعة فونتينبلو) وتمثال المرأة المنتصبة 2 لألبرتو جياكوميتي (1901 –1966) من مركز بومبيدو.
وقد اقيم أول معرض خاص في المتحف تحت عنوان «من متحف لوفر إلى آخر: نشأة متحف اللوفر» في 21 ديسمبر الماضي، وتضمن 3 أقسام يرصد فيها تاريخ تطوّر متحف اللوفر في باريس، كما سلط الضوء على العديد من المقتنيات الملكية في قصر فرساي خلال عهد الملك لويس الرابع عشر في القرن الـ17، مروراً بحقبة تحويل هذا القصر إلى أكاديمية وصالونات مخصصة للفنانين، وصولاً إلى إنشاء متحف اللوفر الحديث. كما يحتوي المعرض على حوالي 145 من اللوحات والمنحوتات والأعمال الفنية الزخرفية وغيرها من القطع المهمة من مقتنيات متحف اللوفر وقصر فرساي.
وقد تولى مهمة التقييم الفني في المعرض كل من جان لوك مارتينيز، مدير متحف اللوفر؛ وجولييت تري، القيّمة الفنيّة لدى قسم الفنون التصويرية في متحف اللوفر.
وبموجب اتفاقية تعاون بين حكومتي دولة الإمارات العربية المتحدة وفرنسا في العام 2007، يستعير متحف اللوفر أبوظبي اسم متحف اللوفر في باريس لمدة 30 عاماً، على أن يتم العمل على المعارض المؤقتة لمدة 15 سنةً وتتم إعارة الأعمال الفنية لمدة 10 أعوام.
ويصل سعر تذكرة الدخول 60 درهما، و30 درهما للأعمار بين 13 و22 عاما، بالإضافة إلى العاملين في مجال التعليم في الدولة، والمشاركين في المحاضرات وورش العمل، والدخول مجاني لمن هم دون 13 عاما، بالإضافة إلى أعضاء «المجلس الدولي للمتاحف» (ICOM) و«المجلس الدولي للمتاحف والمواقع»(ICOMOS) والصحفيين وأصحاب الهمم ومرافقيهم.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة