تيم كلارك: عليك بالتفكير ملياً

تمكن السير تيم كلارك من جعل «طيران الإمارات» آلة جامحة ومرنة وهي تتعافى من انحسار الأرباح التي تراجعت في عام 2016. وقد انتهج لذلك أسلوبا مثابرا للتعامل مع ثغرات الكفاءة في هذا القطاع، فضلا عن استعانته بترسانة من تقنيات الجيل التالي.
تيم كلارك: عليك بالتفكير ملياً
رئيس شركة «طيران الإمارات»، السير تيم كلارك
بواسطة أريبيان بزنس
الثلاثاء, 02 يناير , 2018

حاورت مجلة أفياشن بزنس التي تنشرها مجموعة ITP MEDIA GROUP   (آي تي بي ميديا جروب) في اليوم الرابع من معرض دبي للطيران رئيس شركة «طيران الإمارات»، السير تيم كلارك، في الوقت الذي كانت تتناقل فيه وكالات الأنباء سيلا من الإخبار عن  خلاف بين طيران الإمارات وبين شركة تصنيع الطائرات الأوروبية (إيرباص).

وافتتحت «طيران الإمارات» المعرض الذي يقام كل سنتين بالإعلان الذي فاجأ العالم وهو طلب شراء 40 طائرة جديدة من طراز «بوينغ دريملاينر»، بدلا من طائرات من طراز إيرباص إيه 380.
وترددت أصداء تصريحات تيم كلارك مطلع العام، لتكون أكثر قوة، أي أنه لن يخضع لضغوط المواعيد النهائية في نوفمبر/تشرين الثاني لإبرام اتفاق لشراء المزيد من الطائرات العملاقة التي ميزت أسطول الشركة طوال العقد الماضي.
وكان من المحتمل أن تواصل طيران الإمارات ضغوطها، فهي أكبر زبون لطائرات إيرباص A380، وهي تطالب بتغييرات في إيرباص بأسلوب جدير بمطالبات أكبر مساهميها.  لكن استعادة الشركة لقوتها هذا العام بعد أكبر تراجع في أرباحها عام 2016، جعلها تعود إلى مواقفها الواثقة.
يعلق رئيس الشركة، السير  كلارك، على ذلك بقوله: «عندما أُعلنت النتائج السنوية في العام الماضي، كان لسان حال الجميع يقول إن «هذه هي بداية النهاية»، و «انتهت طيران الإمارات». ولكن يجب عليكم أن  «تفكّروا مرة أخرى».

تغييرات غير مسبوقة
يمكن القول إن تيم كلارك هو أهم  كبار التنفيذيين في قطاع الطيران في العالم؛ حيث قاد الشركة منذ عام 2003، ونجح بطريقته الخاصة في تحويلها إلى قوة عالمية هائلة واسم معروف في كل بيت. وفي الوقت الحالي، يقود تغييرات غير مسبوقة في طريقة عمل الشركة.
وقد ظهرت الموجة الأولى من هذه التغييرات جليّة مع اعتماد طاقم الضيافة على متن طائرات الشركة أجهزة ذكية لتدوين الوجبات والخيارات الممتازة المقدمة خلال الرحلات الجوية، بدلاً من الطرق اليدوية، فضلاً عن توفير وسائل التدريب المقدمة للطيارين باستخدام تقنيات التتبع بالعين، بالإضافة إلى خطط الشركة لتطوير مركبات ذاتية القيادة لأداء العمليات الأرضية، وتكامل ربط تجارب المسافرين وخبراتهم في المنصة . ولكن، لم تكتفِ «طيران الإمارات» باحتضان التقنيات المستقبلية فحسب، بل ذهبت أبعد من ذلك.

فهم الجمهور ومعرفته
يكمن الزبون في صميم رحلة طيران الإمارات، نحو كفاءة العمل المرن. وتتعلم الشركة باستمرار كيفية تكوين فهم أفضل لما يريده زبائنها وتحويل أسلوب تسويق موقعها على الإنترنت للتذاكر وبيعها.
ويوضح كلارك ذلك بالقول «بفضل التقنيات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي لدينا، فإننا نتعلم طوال الوقت ما يريده زبائننا وتوقيت طلباتهم وسببها وماذا سيفعلون بها». ويضيف قائلاً :«لم يمض على انطلاقنا في هذه الرحلة سوى سنوات قليلة، إلا أن عدد مسافرينا في الوقت الراهن قد وصل إلى 1.2 مليون شخص على متن طائراتنا كل أسبوع، وأصبحنا نتقن ذلك بشكل أكبر».
لقد بدأ اعتماد الشركة على كل ما هو رقمي من تقنيات، يثمر نتائج واضحة.  فارتفعت أرباح المجموعة والشركة، حسب النتائج نصف السنوية المعلنة في نوفمبر، بواقع 75 %، ثم إلى 111 % على التوالي.
وبحسب كلارك، فإن المردود الذي طالما كان يتعرض لضغوط بدأ يتحسن أيضا وكذلك الحال مع الطلب من المسافرين، ويلفت بقوله: «يرجع الفضل في ذلك إلى قوة الحوسبة وفهم شرائح السوق. لقد أصبحت «طيران الإمارات» اليوم في وضع مثالي من حيث هيكل التكاليف. لقد تمكنا في غضون 18 شهرًا من أن نصبح شركة أقوى وأكثر مرونة مقارنة بما كنا عليه منذ نحو عامين».

التخلص من الوسطاء
بفضل  مجموعة ضخمة من الحلول والتقنيات والأنظمة الرقمية التي باتت «طيران الإمارات» تتسلح بها، فإن أحد أكبر التغييرات التي يعتزم كلارك تنفيذها خلال السنوات الخمس المقبلة هي التخلص من مصدر إزعاج كشوكة تؤرقه وهي الوسطاء. 
يقول: «لطالما ذكرت أن ما يقض مضجعي ويؤلمني، هو أنني أسلم مخزون طيران الإمارات إلى أيد أخرى، وهم ممتنون جدا لحصولهم على هذا المخزون وجني أرباح كبيرة لأنه سيكون بوسعهم احتساب رسوم علينا لتقديم هذا المخزون في نظامهم وهو أمر لا معنى له بنظري».
ويقصد كلارك بالحديث ذاك عن أنظمة التوزيع العالمية التي تزود أعمال وكالات السفر حول العالم. وطوال عقود كانت وكالات السفر هي أسلوب تقليدي لعمل هذا القطاع لبيع تذاكر الطيران، على نفقة شركات الطيران، لكن بعض هذه الشركات مثل لوفتهانزا والشركة الأم لبريتش ايرويز IAG، قد أعلنت عن فرض رسوم على حجوزات أنظمة التوزيع GDS.
وحتى اليوم تضطر شركة «طيران الإمارات» إلى التعامل مع أنظمة التوزيع العالمية، لا لشيء إلا لأنها مضطرة إلى ذلك.
ويوضح كلارك ذلك بالقول: «لم يكن يسعنا فعل أي شيء حيال هذا الأمر في ذلك الوقت لأننا لم نكن نملك التكنولوجيا حينها، إلا أنها الآن باتت بحوزتنا. يدخل مختلف أنواع الناس إلى النظام الذي لا يتدرج من التصميم اللائق إلى عملية الحجز ولكن لدينا كل البيانات التي تتيح لنا معرفة عن ماذا يبحثون. والحيلة وقتها تتمثل في عرض مجموعة كبيرة من المنتجات التي يمكن لشركة «طيران الإمارات» تخصيصها لكل زبون ببراعة لتسويق ذاتها.»

أجندة متقلبة
ويستفيض قائلاً: «لا أرى موضع قدمٍ لهم خلال السنوات الخمس المقبلة؛ فأصحاب أنظمة التوزيع العالمية لديهم أجندة متقلبة لصالحهم وتهدف لجني الأموال لأنفسهم أولا وتقديم حصة لنا لاحقا. ولكن العاصفة باتت وشيكة، ولطالما قلت لهؤلاء الأشخاص؛ إن ما يقومون به والقيمة التي يجلبونها كانت مقبولة قبل 15 عامًا مضت، ولكن الحال قد تبدّل الآن؛ حيث أصبح بمقدورنا إنجاز ما يقومون به بطريقة لا يمكنهم أبدا تحقيقها.»
ويشير بعض المحللين إلى نمو الذي شركات السفر على شبكة الإنترنت ومحركات البحث، ويعتبرون السفر الجوي نموذجا مكتملاً عن تسليع المنتجات لجهة المقاعد، ويتعزز ذلك أكثر مع تخلي شركات الطيران بصورة جماعية عن أنظمة التوزيع العالمي.
لكن كلارك يوجه نقدا لاذعا لمن يضع طيران الإمارات ضمن البقية الباقية من شركات الطيران التقليدية.
ويقول بهذا الشأن: «يطيب لمحركات البحث العالمي أن تقول بإنها ستجعلنا مجرد مزود لمقاعد السفر من النقطة الف إلى النقطة باء. إلا أن ذلك يجانب الصواب! إنكم تتحدثون عن  شركة «طيران الإمارات»، ولن نصبح أبدًا مجرد سلعة، أو نصنّف ضمن فئة معينة تحت سطوة علامة تجارية عالمية مهيمنة».
ولا يقتصر الأمر على أنظمة التوزيع العالمية فحسب، بل يمتد ليشمل أي وسطاء آخرين، بما فيهم شركات التأجير في قطاع الطيران، فضلاً عن المصارف التي تتعامل معها شركة الخطوط الجوية، والتي يبدي كلارك استعداده لمواجهتها.
وبهذا الصدد، يعلق كلارك بقوله: «إنني أعلنها صراحةً أنه منذ سنوات طويلة، باتت شريحة الوسطاء مصدر ضجر كبير لدى الناس. لقد أصبحنا بحاجة إلى إقصاء هؤلاء الوسطاء عن أعمالنا في كثير من النواحي، وذلك بفضل انضمام الناس كافة إلى فريقنا، والطابع الحقيقي الذي أصبحت عليها اللعبة. ولا يستثنى أحد، سواء كان من فئة المؤجرين أو من فئة المصارف التي نتعامل معها. كما توجد أيضًا حشود كبيرة من الناس تعمل في وسط لعبة الطيران، وتحصد قيمة هائلة. وعندما أعود لأتحدث عن توقعاتي بالنسبة إلى العائدات والأرباح، يمكنني حقًا استبعاد فكرة انعدام تلك العائدات والأرباح أو انخفاضها إذا ما تمكنّا من إقصاء الوسطاء عن أعمالنا، الأمر الذي يتيح لنا فعليًا الحصول على القيمة التي نحتاجها لتقليص حجم قاعدة التكاليف الخاصة بالشركة».


التحكم في الدرجات
يؤمن كلارك بقدرة «طيران الإمارات» على فك شيفرة ما يريده الزبائن ، الأمر الذي يمنحه إحساسًا بالتفاؤل حيال الدرجة الأولى. ويؤكد على ذلك قائلاً: «يظن الكثير من الأشخاص أننا نسبح عكس التيار، بينما أقول لنفسي «هذا رائع! واصلوا التفكير على هذا النحو» لأننا حينها سنكون قد استحوذنا على العمل بأكمله».
وقد أقدمت الشركة مؤخرًا على تخفيض خيارات الدرجة الأولى على بعض المسارات إلى مطار «غاتويك» هذا الشتاء، إلا أن هذا لا يعدو كونه جزءًا من الخطة التي رسمتها الشركة؛ حيث يخبرنا رئيسها: «بالطبع، سنغيّر بعض مجريات الأمور؛ فقد نخفض تلك الخيارات في الرحلات المتجهة إلى الفلبين أو ديربان بجنوب أفريقيا. ولكن عند الحديث عن لندن، سنجد أن الطلب على الدرجة الأولى قوي جدًا في الرحلات المتوجهة إلى لوس أنجلوس أو بكين؛ فعندما لا يناسب الوضع إلى شغل المقاعد في قمرة كاملة، نضطر إلى تخفيضها إلى الدرجة الثانية».
في نهاية المطاف، ستتمكن «طيران الإمارات» من ترقية منتجات درجة رجال الأعمال الخاصة بها، على غرار ما توفره على متن طائراتها من طراز «إيه 380». ويؤكد على ذلك رئيسها بقوله: «لذلك، في حال لم تتمكن من العثور على الدرجة الأولى، واضطررت إلى استقلال درجة رجال الأعمال، فلا ضير من ذلك إطلاقًا».
وفي ما يتعلق بمسألة الدرجة الاقتصادية الممتازة، يقرّ كلارك بأن الشركة «ربما تكون قد استهانت بحجم الطلب». ومع ذلك، يرى كلارك أن الكثير من هذا الطلب لم يظهر في السوق إلا في الفترة بين عام 2007 وحتى اليوم، أي عندما بات الاقتصاد العالمي يواجه مشكلة حقيقية؛ فعلى حسب قوله: «لقد كان الطلب هزيلاً للغاية. ورغم كل ذلك، بات سهم الطلب متجهًا نحو الصعود مرة أخرى، تزامنًا مع ميل الناس إلى الدفع مقابل الدرجة الاقتصادية الممتازة، دون الحاجة إلى درجة رجال الأعمال. إننا نفكر جديًا في الدرجة الاقتصادية الممتازة، ونفكّر فيما إذا كانت قمرة المقاعد كبيرة بما يكفي، وفي المخاطر التي قد تتأتى من وراء ذلك».
علاوة على ما سبق، ثمّة بعض التغييرات المماثلة للنقاط السعرية وأنظمة التقسيم تتمثل في طريقة استجابة «طيران الإمارات» «للعاصفة الجماعية»، وهو التعبير الذي أطلقه كلارك على شركات الطيران منخفضة التكلفة التي تسيّر رحلاتها لمسافات متباعدة، مثل «آير شاتل» النرويجية، و «سكوت» السنغافورية.
وتعليقًا على ذلك، يقول كلارك: «من المؤكد أن تلك الشركات ستزيد نطاق العمل من خلال الاستفادة من الطلب المبدئي الصادر عن الكثير من الناس ممن لم تكن لديهم رغبة في السفر من قبل. ونرغب في أن نحصل على نصيبنا نحن أيضًا».
في منطقة الخليج العربي، انبثقت شراكات مماثلة للشراكة التي أبرمت بين «طيران الإمارات» و «فلاي دبي»، وأًعلن عنها في يوليو الماضي؛ حيث أنشأت شركة «الخطوط الجوية العربية السعودية» فرعًا لها منخفض التكلفة، وترغب شركة «الخطوط الجوية الوطنية» من الاستفادة من شبكة الخطوط الجوية الكويتية، كما أشارت شركة «طيران السلام» العمانية منخفضة التكلفة إلى رغبتها في «التكامل» مع شركة «الطيران العماني»، وفقًا لما جاء على لسان رئيسها التنفيذي.

اللعبة مستمرة 
وقد جاء رد كلارك قاطعًا عندما سُئل عما إذا كانت قد نمت لديه أية مخاوف: «كلا إطلاقًا؛ فاللعبة مستمرة»؛ فقد أبدى إصرارًا صارخًا، معللاً إياه بأن مثل هذه الشراكات من شأنها توسيع نطاق العمل مرة أخرى. ويضيف بقوله: «تعد دبي بالطبع بمثابة قِدر العسل القادر على ابتلاع كل ما يُلقى فيه، الأمر الذي يعود بفائدة هائلة على شريحة المستهلكين، والمدينة ذاتها، وشركات الطيران أيضًا».
ورغم ذلك، ثمّة بديل لكل الخطط التي يحتفظ بها كلارك في جعبته لمستقبل «طيران الإمارات» ألا وهو النظرة المستقبلية إلى مفهوم الاقتصاد الكلي؛ حيث يؤكد رئيس الشركة على أن شركته قد مرّت بالعديد من «الأزمات المشتعلة على مدى الأشهر الثمانية عشر المنصرمة»، إلا أن سبب الكثير منها يعود إلى الاقتصاد العالمي، و «لم نجد بدًا مما فعلناه»، بحسب ما جاء على لسانه.
تزامنًا مع ارتفاع أسعار النفط، وصعود الأسواق الأمريكية إلى قمم غير مسبوقة، نجد أن آخر ما قد يحتاج إليه العالم هو «التوازن غير المتكافئ الناجم عن الصدمات الجيوسياسية، على غرار ما وقع في كوريا أو غيرها من الدول».
وتعليقًا على ذلك، يذكر لنا كلارك قائلاً: «إذا ظلت حالة التيسير الكمي في موضعها الذي وصلت إليه اليوم أو لم تنحرف عنه سوى قليلاً، فقد نرى المحرك الذي يدفع الأسواق الناشئة نحو النمو. وأجد أنه من الإنصاف أن أقول إنه حتى أعظم خبراء الاقتصاد العالميين يعانون هم الآخرين للردّ على هذا التساؤل؛ فإن كان رأيي صائبًا، فستجد أنه فور تجاوز نقطة الانقلاب هذه، ستبدأ بذاتها في مواصلة الطريق تلقائيًا».
ويختم بقوله: «إنني أشعر بالتفاؤل جرّاء ما سيحدث، ولكن لا يمكنني أن أخبركم عنه يقينًا. ولكن إن راودكم الشكّ، فعليكم اتباع حدسكم، كما أقول دائمًا».

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج