ضريبة القيمة المضافة: أكبر تحول اقتصادي بالمنطقة

سيشكل تطبيق ضريبة القيمة المضافة في دول مجلس التعاون الخليجي اعتباراً من مطلع عام 2018، أكبر تحول اقتصادي تواجهه الشركات في المنطقة على الإطلاق. حيث سيكون لهذه الضريبة تأثير عميق وواسع الانتشار في مختلف جوانب الأعمال وعلى جميع الموظفين. أما بالنسبة للمستهلكين، فإن تأثيرها سيكون نفسياً أكثر من كونه ملموساً.
ضريبة القيمة المضافة: أكبر تحول اقتصادي بالمنطقة
التحليل بقلم: شريف الكيلاني، رئيس خدمات استشارات الضرائب لمنطقة مينا في إرنست ويونغ (EY).
بواسطة أريبيان بزنس
الأربعاء, 06 ديسمبر , 2017

ليس من المبالغة القول بأن تطبيق ضريبة القيمة المضافة سيشكل تغييراً كبيراً في طريقة مزاولة الأعمال في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي. ولأول مرة في تاريخها، ستحتاج الشركات إلى أن تعمل ضمن إطار امتثال ينطبق على كل معاملة تجريها بشكل يومي.
وإلى جانب إطار الامتثال هذا، سيتوجب على الشركات الالتزام بالإبلاغ وإجراء عمليات المصادقة والالتزام بمتطلبات احتفاظ تمتد لسنوات عديدة، وسيتم تطبيق عقوبات صارمة عند التقصير في تنفيذ تلك الالتزامات.
وهناك مجموعة من التبعات التي ستؤثر على الشركات عبر سلسلة القيمة الخاصة بها ووظائف الدعم فيها. كما يوضح الرسم طبيعة الانتشار الواسع لهذه التبعات في مختلف جوانب الشركة. وسيكون كل شيء، سواء الموظفين أم العمليات والأسعار والتخطيط وكشوف الأجور والرواتب أو المشتريات، بحاجة إلى تقييم وتحديث أو تعديل للتوافق مع بيئة ضريبة القيمة المضافة.
وبما أن معظم السلع والخدمات تخضع لضريبة القيمة المضافة، وسيكون من الضروري إعادة مراجعها للنظر في أوجه القصور المحتملة لضريبة القيمة المضافة، ستكون هناك 6 مجالات تأثير رئيسية للشركات عبر سلسلة القيمة ووظائف الدعم مثل سلاسل التوريد (السلع والخدمات)، والشؤون المالية والمحاسبية، والتسويق والخدمات، والضرائب والامتثال، المبيعات، وتكنولوجيا المعلومات.
وبالعموم، سيقوم فريق الضرائب والامتثال بتأسيس وظيفة مخصصة لضريبة القيمة المضافة من أجل إدارة هذه الضريبة عبر المجموعة وضمان الامتثال والتحصيل.
وبدعم من قسم تكنولوجيا المعلومات، ينبغي تحديد جميع المعاملات المالية ذات الصلة بضريبة القيمة المضافة باستخدام نظام فوترة تم تحديثه لاستيعاب بيانات إقرار ضريبة القيمة المضافة.

وعلى الرغم أن ضريبة القيمة المضافة لا تشكل عموماً تكلفة على الشركات (إلا إذا كانت تقدم إمدادات معفاة من الضرائب) إلا أنها تتطلب من الشركات تعديل أعمالها كجزء من تنفيذ ضريبة القيمة المضافة من أجل أن تكون قادرة على الامتثال والتشغيل والنجاح في عالم ما بعد الضريبة على القيمة المضافة. وسوف يترتب على كاهل الشركات بعض التكاليف جراء تعديل أعمالها والاستعداد للضريبة.

ما الذي واجهناه حتى الآن في هذا السياق؟
انطلاقاً من خبرتنا في تنفيذ مشاريع تقييم متعددة في مختلف القطاعات، فقد برزت بعض القضايا الاستثنائية بسبب الطرق الخاصة، والغريبة في كثير من الحالات، التي تعمل بها الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي. وهناك قضيتان نواجههما بشكل دوري وهما:
1. التأثير على رأس المال العامل
2. نماذج الأعمال والتشغيل
ويعود موضوع التأثير على رأس المال العامل إلى أن معظم الشركات (غير العاملة في مجالات التجزئة) في دول مجلس التعاون الخليجي تتبع فترات سداد طويلة، غالباً ما تمتد حتى ستة أشهر، حتى عند التعاقد لمدة 60 يوماً فقط.
وسيتعين إدراج  ضريبة القيمة المضافة ودفعها في إقرار ضريبة القيمة المضافة التالي استناداً إلى الفاتورة السابقة أو الدفع أو التسليم أو التنفيذ السابق، أي أن الأساس النقدي لا ينطبق إلا إذا كان السداد مقدماً (على سبيل المثال في كثير من مبيعات التجزئة).
وإذا تأخر الموردون عن استلام مدفوعاتهم فسيتوجب عليهم دفع ضريبة القيمة المضافة إلى الحكومة حتى وإن لم يستلمهوها فعلياً من عملائهم.
وتنشأ القضايا المتعلقة بنموذج الأعمال والتشغيل نتيجة عدم وجود إلزام في الممارسات التجارية الحالية. وفي كثير من الأحيان، تقوم شركة ضمن مجموعة بالتعامل مع العقود، بينما تقوم شركة شقيقة بالحصول على المشتريات واستخدامها، وقد تقوم شركة شقيقة ثالثة بالدفع و/أو استلام الفاتورة.
وبالنسبة إلى بيئة ضريبة القيمة المضافة، فلكي تتمكن من خصم أو استرداد ضريبة القيمة المضافة المدفوعة على المشتريات، تحتاج الشركات إلى إعادة صياغة هذه الأنواع من الممارسات وتحسين مواءمتها بشكل أفضل لتكون متوافقة مع ضريبة القيمة المضافة.
وفي تحليل المعاملات من منظور ضريبة القيمة المضافة، لا بد من تقييم ماهية وكيفية ومتى ومن وأين ولماذا. وكل ذلك يساعد على تحديد تطبيق ضريبة القيمة المضافة، ووقت ومكان العرض، ومسؤولية تنفيذ ضريبة القيمة المضافة، والمعدل أو المعاملة والآلية التي سيتم استخدامها، فعلى سبيل المثال، يتم تحديد ما إذا كان سيتم تطبيق التكليف العكسي، في حال إذا كانت حسابات العملاء تخضع لضريبة القيمة المضافة بدلاً من البائع.
وسوف تعتمد قواعد ضريبة القيمة المضافة لدول مجلس التعاون الخليجي شكلاً حديثاً وشاملاً جداً ينطبق على السلع والخدمات والممتلكات العقارية والممتلكات غير المادية. كما سيتماز النظام بجميع عناصر ووظائف أحدث أنظمة ضريبة القيمة المضافة بما في ذلك:
• قوانين أعمال لأعمال بين دول مجلس التعاون الخليجي
• قوانين أعمال لمستهلكين بين دول مجلس التعاون الخليجي، ذات مستويات مختلفة
• ضريبة القيمة المضافة على السلع المستوردة
• ضريبة القيمة المضافة ذاتية المحاسبة على الخدمات المستوردة
• قوانين خاصة بالخدمات الرقمية والاتصالات
• قوانين متعلقة بالممتلكات العقارية والخدمات ذات الصلة
• مستويات مختلفة للقواعد الموحدة للإمدادات المستمرة
• قوانين معدلة للوكلاء
• ثلاثة تعاملات ضريبية مختلفة: خاضعة للضريبة بنسبة  5 %، خاضعة للضريبة بنسبة 0 %، وتوريدات المعفاة من الضريبة
الجدول الزمني للإستعداد لضريبة القيمة المضافة
من شأن الجدول الزمني المقترح للاستعداد لضريبة القيمة المضافة قبل تطبيقها في الأول من يناير 2018 أن يمتد إلى أكثر من 10 أشهر. وستشمل هذه الفترة ثلاث مراحل:
• المرحلة 1: تقييم أثر ضريبة القيمة المضافة (من 6 إلى 8 أسابيع)
• المرحلة 2: مرحلة التخطيط والتنفيذ (خمسة أشهر)
• المرحلة 3: المرحلة الانتقالية واختبار النتائج (ثلاثة أشهر)
إن هذا الجدول الزمني ضيق جدًا، وفي حال لم تبدأ الشركات الرئيسية والمعقدة بعملية تطبيق ضريبة القيمة المضافة بعد، فإنها ستتأخر، وستتعرض لمخاطر متزايدة ناتجة عن عدم الاستعداد، مثل الامتثال الكامل في اليوم المحدد لتطبيق الضريبة، ومخاطر التعرض للعقوبات وحدوث الأخطاء. وعلى أي حال، فإن تطبيق هذه الضريبة لا يزال قابلًا للتنفيذ.
وبالنسبة للشركات الضخمة والمعقدة، فإن النهج المبين سيشمل هذه المراحل الثلاثة متداخلة بشكل متوازٍ، بدلاً من النهج المتسلسل الذي كان من الممكن تنفيذه لو تم البدء باكراً.
كما تواجه الشركات بالفعل ندرة في موارد الخبرة والمعرفة التي بوسعها تقديم المشورة والمساعدة في مشاريع تنفيذ ضريبة القيمة المضافة، وسيزداد هذا الوضع سوءاً مع اقتراب الموعد النهائي. ولم يكن هناك أي مشكلة عندما أشارت الشركات بأنها بدأت الاستعدادات في وقت مبكر جداً، إلا أنها في الغالب ما تشير إلى رغبتها في المزيد من الوقت للاستعداد.
وفي ما يتعلق بالجدول الزمني للمشروع، فيجب ملاحظة مسألتين رئيسيتين من أجل تنفيذ ناجح. أولا، من الضروري جداً إجراء تقييم شامل للأثر في المرحلة الأولى. ويجب أن يحقق تقييم الأثر هدفين رئيسيين، أولهما إشراك المؤسسة بدءاً بأرفع مستوى فيها حول الأهمية والطبيعة المتعمقة لمعالجة موضوع ضريبة القيمة المضافة؛ وتوفير الأساس للقضايا والأثر والخطط والأولويات للمراحل اللاحقة. وينبغي على الشركات تنفيذ هذه المرحلة بشكل صحيح، حيث أن الكشف عن المشاكل في وقت لاحق خلال المشروع سيؤدي إلى مزيد من الضغوطات والتكلفة.
وثانياً، إدارة الانتقال والتي تعد شرطاً أساسياً. وتتضمن هذه الخطوة التي تظهر كمرحلة ثالثة، ممارسة إدارة التغيير الكامل، بما في ذلك التدريب وإدارة أصحاب المصلحة، واختبار النظم.

الآثار المترتبة على المستهلكين
سيكون لضريبة القيمة المضافة في دول مجلس التعاون الخليجي قاعدة واسعة جداً، مع امتيازات محدودة، ولكن بمعدل منخفض جداً يبلغ 5 %. وسيكون هناك تعامل خاص مع منتجات الطعام الأساسية (باستثناء دولة الإمارات العربية المتحدة في هذه المرحلة) والرعاية الصحية، والتعليم، والعقارات السكنية، والخدمات المالية، والنقل، والصادرات (إلى خارج دول مجلس التعاون الخليجي).
وسيكون لهذه القاعدة الضريبية المختارة أثر تضخمي متواضع لمرة واحدة، بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات الخاضعة للضريبة بحوالي 2.5 %. ويعد ارتفاع الأسعار بهذا الحجم أقل من المعدل السنوي للتضخم في معظم مدن دول مجلس التعاون الخليجي. وعلاوة على ذلك، فمن المرجح أن يتوزع هذا الأثر التضخمي الطفيف على مدى أشهر عديدة، حيث سيستجيب المنافسون لاستراتيجيات تسعير مختلفة، وهكذا لن يحدث هذا الأثر بصورته الكاملة في 1 يناير 2018. وعلى الرغم من أن التأثير الكلي على ميزانيات الأسر (ومع افتراض عدم ارتفاع الأجور لتعويض ذلك) سيكون متواضعاً، إلا أن ضريبة القيمة المضافة سيكون لها تأثير نفسي. وقد أصبحت هذه الضريبة الآن واضحه جداً. وقد لا تكون هذه المرة الأولى التي يتم فيها دفع «الضرائب»، فهناك مثلاً الرسوم الجمركية، وضرائب الفنادق المختلفة، ورسوم البلدية، والتراخيص، وما إلى ذلك، إلا أنها ستكون المرة الأولى التي يرى فيها الناس ضريبة على هذا النطاق.

ماذا يجب أن نتوقع؟
ينبغي نشر القوانين في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي لجمهور العامة في القريب العاجل. ويجب أن يترافق ذلك مع إعلانات وتصريحات أخرى حول تواريخ البدء من بداية عام 2018.
وسيكون إنفاق المستهلكين من المجالات التي ستشهد بعض الاستجابات السلوكية في الفترة القادمة، ولا سيما على السلع المعمرة. وستشجع الظروف الحالية تجار التجزئة على إطلاق حملات ترويج لمبيعات ما قبل ضريبة القيمة المضافة خلال النصف الثاني من عام 2017.
ومن المتوقع أن يكون هناك بعض الارتفاع المفاجئ في الإنفاق حيث يقوم المستهلكون بتأجيل المشتريات الاختيارية إلى النصف الثاني من عام 2017. ومع ذلك، فإن هذه الزيادة سوف يعقبها تراجع في الإنفاق التقديري في أوائل عام 2018.
وقد شهدنا هذه الظواهر الاقتصادية في الخارج في بلدان مثل أستراليا وسنغافورة وكندا عندما تم فرض ضريبة القيمة المضافة. وسيخضع التسعير بعد هذه الضريبة في عام 2018 أيضاً لتدقيق من قبل وسائل الإعلام والهيئات التنظيمية والمستهلكين وغيرهم من الشركات، لمعرفة ما إذا تم تطبيق نسبة 5 % بالكامل وعلى الفور، أو إذا حاولت بعض الشركات زيادة الأسعار بنسبة تزيد عن 5 %. وأخيراً، فإن التحول العميق في بيئة الأعمال من الآن (ما قبل ضريبة القيمة المضافة) وحتى عامين من الزمن (ما بعد ضريبة القيمة المضافة عندما تكون الشركات متكاملة تماماً) سيكون كبيراً. وستكون بيئة الأعمال، بما تتضمنه من ممارسات وسياسات وسلاسل توريد وعقود وتدفقات معاملات وتوثيق وحفظ سجلات وتوقيت إعداد التقارير، مختلفة تماماً بعد ضريبة القيمة المضافة مقارنة بما هي عليه اليوم. وسيكون هذا التحول بلا شك صعباً، كما سيكون من المثير للاهتمام أن نرى الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي ترتقي إلى مستوى التحدي في هذا الاقتصاد الجديد.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج