الحكومات هم قادة الابتكار الجدد

تستحضر كلمة "ابتكار" إلى أذهاننا صورة رواد المشاريع الناشئة المفعمين بالحماس، أو الشركات العالمية التي تعادل ميزانيتها على البحث والتطوير اقتصادات دول صغيرة. لكن نادراً ما يتبادر إلى مختيلتنا صورة، غالباً ما تكون فاعلة، حكومات تسعى إلى تسخير الابتكار كوسيلة لتعزيز مكانة بلادها في اقتصاد المعرفة الجديد.
الحكومات هم قادة الابتكار الجدد
بقلم: سامي محروم، محاضر أول بكلية إنسياد
بواسطة أريبيان بزنس
الخميس, 23 نوفمبر , 2017

تستحضر كلمة "ابتكار" إلى أذهاننا صورة رواد المشاريع الناشئة المفعمين بالحماس، أو الشركات العالمية التي تعادل ميزانيتها على البحث والتطوير اقتصادات دول صغيرة. لكن نادراً ما يتبادر إلى مختيلتنا صورة، غالباً ما تكون فاعلة، حكومات تسعى إلى تسخير الابتكار كوسيلة لتعزيز مكانة بلادها في اقتصاد المعرفة الجديد.
لا يعتبر الابتكار الذي تقوده الحكومات بالمفهوم الجديد. فدولة مثل فرنسا على سبيل المثال، دعمت في الستينيات والسبعينات مشروع قطار غراندي فيتيس (TGV)، القطار الفائق السرعة الذي كان في تلك المرحلة فكرة مبتكرة. وفي الفترة ذاتها تقريباً، أخذت حكومات كل من فرنسا وبريطانيا على عاتقها تكاليف تطوير طائرة كونكورد الأسرع من الصوت. وفي عام 1978 بدأت خدمات البريد والاتصالات الوطنية الفرنسية بتصميم "مينيتل" واحدة من أنجح الخدمات على الخط ما قبل الويب في العالم.
وبحسب دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 2015، اتخذت 80% من الدول الأعضاء تدابير لدعم الابتكار. بالإضافة إلى مبادرات في قطاعات متنوعة مثل التطبيب عن بعد، والإنارة، وإدارة حركة المرور والطاقة. بالطبع يأتي الابتكار ضمن أولويات العديد من الدول. فمع مبادرة الأمة الذكية، استطاعت سنغافورة التألق بين دول آسيا على مؤشر الابتكار العالمي 2017 (GII). وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حددت الإمارات العربية المتحدة الابتكار كأحد الركائز الأساسية في تحولها من اقتصاد يعتمد على النفط نحو اقتصاد المعرفة. على سبيل المثال، عينت الإمارات في أكتوبر 2017 أول وزير للذكاء الاصطناعي في العالم.


تحفیز الابتکار في قطاع الشركات المحلية الصغيرة
تستخدم دول الخليج إيراداتها من النفط والغاز الضخمة لصالح تطوير قطاعات مبتكرة، مثل الفضاء وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة. مركزة على استثمارات أجنبية رفيعة المستوى. في ورقة أصدرناها بعنوان: "دور الطلب على الابتكار: براهين من اقتصاد غني بالمصادر"، أخذت وزميلي إليف باسكافوسوغلو موريو، إمارة أبوظبي على وجه التحديد، لإظهار قدرة الإمارة على الاستفادة من المشتریات العامة في تحفیز الابتکار خاصة بين الشركات المحلية الصغيرة الحجم.
قمنا بتحليل بيانات استبيان مؤشر أبوظبي للابتكار لعام 2012، وهي عبارة عن مقياس لأداء الابتكار يستند على معايير دولية. حيث أشارت 480 شركة إلى السلع أوالخدمات الجديدة، أو السلع والخدمات والإجراءات التي شهدت تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأربع السابقة. وتم سؤالهم أيضا عن حركة تدفق المعلومات وإذا ما جاءت ابتكاراتهم تلبية لمتطلبات القطاع العام أو الخاص سواء كانت العمليات بين المؤسسات أو بين المؤسسات والعملاء. وعلى سبيل المثال العقود الحكومية والعطاءات.
أظهرت البيانات أيضاً العلاقة بين الطلب وحجم الشركة، حيث يزداد تأثير الطلب العام على الابتكار كلما كان حجم الشركة أصغر. مما يدل على الدور الذي تلعبه المشتريات العامة في تحفيز الابتكار بين الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل 88% من مجموع الشركات في الإمارة. أما الشركات الكبرى فتمتلك القدرة على توليد أنظمة مبتكرة خاصة بها، وعادة ما تكون أقل تأثراً بالسياسات ذات الصلة. فالطلب العام بإمكانه النهوض بالشركات المحلية الناشئة.

العقود الحكومية تحفز الابتكار
أنفقت حكومة أبوظبي في 2016 ما يقارب 6.5 مليار دولار على البضائع والخدمات وحدها، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي. فيما بلغت النفقات الأخرى الغير محددة على مشاريع التنمية نحو 40 مليار دولار. ويمكن لسياسات المشتريات العامة الموجهة نحو الابتكار الاستفادة من تلك الأموال لتمكين الإمارة من التحول إلى اقتصاد المعرفة بشكل أسرع.
وبذلك تكون سياسة المشتريات العامة ذات شقين: أولا، قد تكون ملزمة لأي مزود خدمة أو منتج بالاستعانة بالموارد المحلية الموجودة، وهو مفهوم يعرف بالمحتوى المحلي. وغالباً ما يشار إلى النرويج كحالة نموذجية للدراسة: فعندما انتعشت شركات الأوفشور (الشركات العامل خارج أراضيها) في السبعينات، طورت النرويج قطاع خدمات الطاقة الضخم محلياً، من خلال مطالبة الحكومة وشركات النفط الدولية بإعطاء أفضلية للمنتجات والخدمات النرويجية (بشرط أن تكون المنافسة قائمة على أساس معايير معينة).
ثانياً، تستطيع الحكومة دفع الابتكار من خلال وضع مواصفات تكنولوجية عالية لمشاريعها. وبذلك تستطيع تحفيز اللاعبين المحليين والدوليين على تطوير تكنولوجيات جديدة، كون ذلك يعتبر شرطاً أساسياً للحصول على عقود حكومية مربحة. ويساعد الشركات المترددة من الاستثمار في البحث والتطوير، خاصة الصغيرة منها، على اتخاذ القرار المناسب.
لا تتضمن معايير المشتريات في أبوظبي حالياً أية عناصر مدفوعة بالابتكار. ويعني ذلك أنه ينبغي على الموردين تقديم سعر منخفض في معظم الأحيان لضمان فرصة الفوز بالعقد. ويعتبر ذلك بمثابة فرصة ضائعة.


شراكة واضحة
أظهر باحثون من النمسا وهولندا أن قيام الحكومات باستخدام قوتها الشرائية في دفع الابتكار ليس كافياً. بل ينبغي أن تكون أيضاً محددة المطالب ، وأن توضح ما تريده بشكل دقيق. على سبيل المثال، قد يكون استخدام تكنولوجيا لا تصدر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أمراً مطلوباً في منشآت الطاقة (يجدرعدم الإشارة إليها بأنها تكنولوجيا ذات كفاءة عالية). فالمتطلبات المحددة يجب أن تحدد أهدافاً فعلية وأن لا تترك مجالاً للالتباس.
وفي نهاية المطاف، تعد الحكومة الشريك الرئيسي للابتكار في القطاع الخاص. فطبيعة العمل مع الحكومات يحتاج إلى فهم عميق، ولكن لم تبدِ كليات إدارة الأعمال اهتماماً بذلك في معظم الأحيان. ويبقى هناك استثناء جدير بالملاحظة، فكلية انسياد أدخلت السياسة العامة ضمن برنامجها الرئيسي "الأعمال في المجتمع"، الذي يدخل ضمن منهجها الجديد في ماجستير إدارة الأعمال
تسعى الحكومات بشكل تقليدي إلى تهيئة الظروف أمام القطاع الخاص باعتباره مزود للابتكار. وفي ظل تحول العالم نحو اقتصاد المعرفة، قد يكون الوقت قد حان لتضع أغلب الحكومات قواعد اللعبة من خلال لعب دور محوري على الطلب في طرفي المعادلة.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة