سيشل: أوزة تبيض ذهباً

تُعد جمهورية سيشل الأوزة التي تبيض ذهباً، ولكنها بالتأكيد لا تريد أن تبيض ذهباً مبالغاً فيه لكي لا يتحول قطاع السياحة فيما بعد إلى أزمة لا تستطيع سيشل تحمل تكلفة خسارتها أو فقدانها، بحسب موريس لوتسو لالان، وزيرالسياحة والطيران المدني والموانئ الجوية والبحرية.
سيشل: أوزة تبيض ذهباً
بواسطة رشا عويس
الإثنين, 04 سبتمبر , 2017

 تُعد جمهورية سيشل الأوزة التي تبيض ذهباً،  ولكنها بالتأكيد لا تريد أن تبيض ذهباً مبالغاً فيه لكي لا يتحول قطاع السياحة فيما بعد إلى أزمة لا تستطيع سيشل تحمل تكلفة خسارتها أو فقدانها، بحسب موريس لوتسو  لالان، وزيرالسياحة والطيران المدني والموانئ الجوية والبحرية.

السبب الذي دفع وزير السياحة إلى ووصف بلاده بالأوزة، وفقاً لتفسيره، هو قرار تعليق بناء فنادق جديدة بجمهورية سيشل حتى العام 2020، لكي تتمكن من تطوير القطاع بشكل كافٍ والارتقاء بالخدمات وعدم إرهاق البنية التحتية التي لن تستطيع تحمل أعداد تفوق الأرقام التي حددتها الدولة في استراتيجيتها السياحية حتى تلك الفترة.
يقول لالان: «لقد التزمنا ببناء 17 فندقاً فقط حتى العام 2020 وعلينا أن نحترم ذلك مثلما علينا أن نحترم قرار الوقف. وإذا أبدى أي مستثمر رغبة في بناء فندق جديد في بلادنا عليه أن يعود إلينا بعد ذلك العام. اتخذنا هذا القرار لأننا شعرنا أننا وصلنا إلى الطاقة الاستيعابية القصوى التي تستطيع أن تتحملها الجزر. تتراوح تكلفة تلك الفنادق الجديدة التي اتفقنا عليها من60 مليون دولار لفندق واحد و300 مليون دولار لفندق آخر، وبها سنضيف 2000 غرفة فندقية وتمثل الاستثمارات الخليجية، وخاصة الإماراتية، 40 % منها.»
ويضيف: «هناك 7 مستثمرين، إثنان منهم  من بلادنا والآخرون من دولة الإمارات تحديداً، يريدون الاستثمار في بناء فنادق جديدة بسيشل واضطررت لوضعهم على قائمة الانتظار لما بعد العام 2020. عليكِ أن تعلمي أن 50 % من الأراضي في سيشل هي أراضٍ محمية ولا يُمكننا البناء عليها، ما يعني أن كافة المشاريع الخاصة والحكومية يُمكن بنائها فقط في الـ50 % المتبقية. قرار الحفاظ على الأراضي يهدف بالأساس إلى حماية بيئة جزرنا العذرية وإبقائها على طبيعتها للأجيال القادمة.»
ولكن ماذا ستفعل سيشل بعد أن تنتهي من بناء كل الأراضي بتلك النسبة المسموح فيها بالبناء؟ يجيب لالان: « لا أستطيع التنبوء بما قد يحدث بعد 50 عاماً ولكنني أعتقد أن بعض المباني حينها ستصبح قديمة فسنقوم بهدمها وبناء مبانٍ أخرى في مكانها بشكل جديد. نحن حالياً نبني مبانٍ بطوابق قليلة، قد نتجه إلى أسلوب مختلف فيما بعد، وربما بعدد أكبر من الطوابق.»

307 آلاف زائر سنوياً فقط
ولترجمة مقولة «الأوزة التي تبيض ذهباً» بالأرقام،  يقول لالان أن سيشل تستقبل حالياً 307 آلاف زائر سنوياً وعندما يصل عدد السياح إلى 500 ألف زائر، ستتمكن حينها من إعادة النظر في قرار وقف بناء الفنادق تدريجياً. «لن يزيد عدد سياح سيشل عن مليون زائر أبداً ونحن لا نريد ذلك لأننا لا نرغب في قتل الأوزة التي تبيض ذهباً. إذا جاءنا زائرون أكبر من طاقتنا الاستيعابية أو إمكاناتنا فلن تتمكن بنيتنا التحتية الخاصة بالمياه والكهرباء والطرق تحملها، وسنضعها تحت ضغط شديد وبالتالي لن نقدم خدمات بشكل أفضل.»
ويضيف: «في نهاية الأمر، المسألة تعتمد على حجم الإيرادات التي نريد لقطاع السياحة إدخالها للجمهورية. الأفضل لنا أن يزورنا 100 ألف سائح ينفق ل منهم 100 ألف دولار بدلاً من مليون سائح ينفق كل منهم 1000 دولار. في الحالتين سنحقق نفس النتيجة المالية ولكن الاهتمام بـ 100ألف سائح أفضل من الاهتمام بمليون سائح.»
حالياً، لدى سيشل 500 مؤسسة سياحية تشمل فنادق كبيرة وصغيرة وشقق فندقية وبيوت ضيافة بطاقة استيعابية قدرها 12 ألف غرفة، ويعني مفهوم الفنادق الكبيرة في الجمهورية أنها تضم 25 غرفة فيما يعني مفهوم الفنادق الكبيرة جداً أنها تشمل 300 غرفة فقط، وأكبرها هو كونستانس إيفيليا  CONSTANCE EPHELIA  لمجموعة «كونستانس CONSTANCE» المملوكة لمواطنين من سيشل.

السياح الإماراتيون يشكلون 50 % من سياح المنطقة
كما يوضح لالان أن السياح الإماراتيين حصدوا المرتبة الثالثة بين سكان الدول  الذين زاروا سيشل خلال الفترة المنصرمة من العام 2017، وشكلوا  50 % من إجمالي سياح منطقة الشرق الأوسط الذين وصل عددهم إلى 14 ألفا في الربع الأول من العام 2017- أي أن الإماراتيين وصل عددهم إلى 7000 سائح فيما كان مجموع عدد السائحين من السعودية وقطر والبحرين والكويت ولبنان  7000 زائراً.أما في العام 2016، فجاءت سيشل في المرتبة الخامسة عالمياً بين الوجهات التي جذب العالم و زوارها التقليديين كانوا من أوروبا وخاصة  فرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة. يقول الوزير: «بالنسبة إلينا، السوق الإماراتي هو المثالي لأن السياح الإماراتيين هم ثاني أكثر الزائرين انفاقا في سيشل بعد الألمان. لا أعني بالإنفاق سعر الغرف أو تذاكر الطيران بل الإنفاق الفعلي في الخدمات الإضافية، فهم ينفقون أكثر من 150 دولار يومياً. كما يصل معدل إقامة الزائرين من منطقة الشرق الأوسط أسبوعاً بينما يصل متوسط إقامة الـ 307 ألف سائح الذين يزورون سيشل سنوياً إلى 10.1 ليلة، والأوروبيين إلى أسبوعين. وإذا دمجنا عدد الليالي التي يقيمها الصينيون والآسيويون وزائرو الشرق الأوسط، فسيكون المتوسط  أقل قليلا من هذا الرقم.» ولكن هل هناك أسباب محددة لارتفاع أعداد الزوار الإماراتيين لسيشل؟ يستطرد لالان بالقول: «أعتقد أن هناك سببان لذلك أولهما يتعلق بتوفر رحلات الطيران من أبوظبي ودبي والدوحة، حيث تتوفر رحلة واحدة يومياً من الدوحة ورحلتان يومياً من أبوظبي ودبي. السبب الآخر يتعلق بالطائرات الخاصة حيث يزورنا عدد كبير من الشخصيات الهامة جداً الذين يأتون أيضاً بعدد كبير من المرافقين، فهم يحبون سيشل ويجدون فيها الراحة والهدوء والخصوصية، وهذا الحجم من الزوار ينعكس بالتأكيد على الاقتصاد والمواطنين من سيشل.»
ومن هذه النقطة، نسأل وزير السياحة عن الانطباع عن سيشل حيث يعتبرها الكثيرون وجهة باهظة جداً لا يستطيع أن يتحمل كلفتها سوى الأثرياء؟ يجيب: «هذا حقيقي فنحن تعمدنا من البداية التركيز على النوعية الأولى من السياح ولكن هذا لا يعني أن لدينا فقط أجنحة رئاسية يصل سعرها في الليلة إلى 5000 دولار. نحن نخصص حالياً 50 % من فنادقنا للشقق الفندقية والفنادق الصغيرة وبيوت الضيافة التي تكلف الغرفة فيها 250 يورو لليلة. إذاً تقوم سيشيل الآن بخدمة الشرائح المختلفة، وحتى إن عنى ذلك أن يقوم السائح بتوفير المال لمدة عام أو عامين للقيام برحلة العمر إلى سيشيل، إلا أنه يستطيع الآن تحمل تكلفتها. لدينا عروض للشريحتين وربما نحن لا نجيد إيصال هذا بشكل واضح للجميع. عليكِ أن تعرفي أن سيشل مكلفة على أرض الواقع لأننا نستورد كل شيء نستهلكه فيما عدا الأسماك الطازجة.»


ثلاثة في واحد
وبعبارة «ثلاثة في واحد» يصف وزير السياحة الفرق بين سيشل وموريشيوس والمالديف التي تتشابه في طبيعتها ونوعية السياحة لديها في أذهان الزائرين. «ما ستجدينه في المالديف أو موريشيوس ستجدينه في سيشل، مما يعني أنه لو جئتِ إلينا ستجدين الوجهتين الثانيتين. ما أعنيه هو أننا لدينا الجبال التي ترينها في موريشيوس، ولدينا الشواطئ والجزر المرجانية التي تجدينها في المالديف، فنحن جزر جرانيتية أيضاً. لدينا تنوع في الجمهورية.»
وفي المتبقي من العام 2017 والعام 2018، تعتزم الاستراتيجية السياحية لجمهورية سيشل التركيز على رفع معدل الإنفاق لسائحيها بعد أن تمكنت في العام 2016 من رفعه بنسبة تفوق 18 %. «نحن نحتاج إلى تحسين هذه النسبة لكي يدرك السائحون حقاً أنهم تمتعوا بعطلة جميلة جداً. أعرف أنه بعد انتهاء عطلاتهم في سيشل، لا يزال السياح يعودون ببعض الدولارات أو اليورو أو الدراهم إلى بلادهم، ما يتعين علينا فعل كل ما يمكن لإغرائهم وتشجعيهم على إنفاق كل أموالهم التي خصصوها لعطلاتهم وأتوا بها من خلال تقديم خدمات إضافية.»
ويعني لالان بالخدمات الإضافية تأجير القوارب للصيد، أو القوارب للتجول في الجزر المتنوعة، أو تجربة المطاعم الصغيرة الشهية التي ربما لا يعرفون عنها شيئاً، كما «علينا أن نتأكد من أن مواطنينا يقومون بعرض منتجات يدوية تحاكي الثقافة المحلية بشكل أفضل. علينا تطوير هذا القطاع ونحن نقوم بهذا الآن ولكننا نحتاج إلى توفير حوافز إضافية لهم وربما تنظيم تدريب مركزللصناعة المحلية، وتشجيع مزارعينا على بيع منتجات محلية وطازجة إلى الفنادق والمطاعم، ما سيخلق فرص عمل جديدة أيضاً لمواطني سيشل بقطاع السياحة، الرافد الاقتصادي الأهم بالجمهورية.»


استحداث نظام لتصنيف الفنادق
إذاً ما هي خططكم في هذا المنحى، يقول لالان: «ننتهي من نظام تصنيف الفنادق في العام القادم، وإذا سمعتِ عن تصنيف فندق من فئة 4 نجوم مثلاً في سيشيل اليوم، فهو تصنيف أعده المرشدون السياحيون ونحن لم نقم بتنظيمه بعد. ووفقاً لنظام التصنيف، سنمنح للفنادق نقاطا إضافية إن قاموا بإدماج بعض العناصر المحلية في منشآتهم، مثل وضع لوحات لفنانين محليين في الغرف أو وضع بعض المفروشات المحلية في الديكور، أوتقديم وجبة محلية في قوائم الطعام بمطاعمهم، أو عزف موسيقى محلية في البهو، أو إقامة ليلة لعرض أزياء محلي. القصد هو استخدام آلية التصنيف لعرض المزيد من إمكانات سيشل، وهذا مثلاً سيساعد الفنادق على حفر ذاكرة سيشل في أذهان الضيوف، فالنزيل المقيم بفندق «فور سيزونسFour Seasons» مثلاً  سيتذكر أنه أقام في ذلك الفندق الذي يحمل طابع الجمهورية في أسلوبه وهو يختلف عن بقية الفنادق من ذات السلسلة في دول أخرى.»
ويقول لالان: «إذا أدمج أصحاب الفنادق العنصر المحلي، فمن الممكن أن يحصلوا على نقاط ويرتفع تصنيفهم إلى 4 نجوم، وهذا يعني أنهم سيتمكنون أيضاً من رفع سعر الغرفة. سنقوم بإبلاغ الفنادق بتصنيفهم وإن كان ليس لديهم مانعاً في إبقاء تصنيفهم على 3 نجوم مثلاً، لا مانع لدينا ولكننا سنحاول تحفيزهم وتشجيعهم على رفعه. أما إذا أرادوا رفعه فسنبلغهم عن الأشياء المفقودة في الفندق والتي يتعين عليهم إدماجها ليحصلوا عليه.»


لا تأثير للإرهاب على سيشل
ويؤكد لالان أن الأحداث الإرهابية حول العالم لم تؤثر على حركة السياحة في سيشل، فهي وجهة آمنة و «أكرر القول: تأتينا شخصيات هامة جداً من منطقة الشرق الأوسط للاستمتاع بالراحة والهدوء والخصوصية حيث لن تطاردهم مثلاً صحافة الباباراتزي إلا إذا دفع لهم شخصاً أموالاً قبل مجيئهم إلى سيشل بيومين أو ما شابه هذا. أعرف مثلاً أن سيشل حصدت جزءاً من حركة السياحة في كينيا، والتي تنافسنا شواطئها، بسبب الأحداث الإرهابية، ولكننا بشكل عام لا نريد التركيز على هذه النقطة لأننا سنستمر في بيع سيشل كوجهة سياحية آمنة.»
وإلى جانب السياحة، يُعد قطاع الصيد ثاني أكبر مصدر للدخل في اقتصاد جمهورية سيشل ثم الخدمات المالية (الأوفشور) التي تأثرت في فترة من الفترات بسبب الأزمة المالية العالمية في العام 2008، بحسب الوزير. «نحن ننتج يومياً 2 مليون علبة يصل وزنها إلى  250 جرام من 300 طن من سمك التونة. أما فيما يتعلق بالخدمات المالية، فقد وضعنا قوانين أكثر صرامة الآن لكي تتطابق أنظمتنا مع أنظمة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية Organisation for Economic،   وCooperation and Development ، ولكن تظل السياحة الرافد الأول والرئيسي لاقتصاد جهورية سيشل.»
كما يشدد الوزير على أن الأوضاع الاقتصادية التي ألمت بالعالم وأثرت على عادات وإنفاق بعض الأثرياء الذين يزورونها لم تؤثر لديهم بل ولم تنشغل وزارة السياحة بالأمر لأنها تركز على إبقاء عدد السياح محدوداً ولا تعتزم جذب الملايين من الزائرين.  هذا ما يجعل سيشل وجهة فريدة وما نعنيه بفريدة أنها تركز بشكل كبير على خصوصية السياح. قد يؤجل الأثرياء الاستثمار في مشروع ما أو شراء فستان ما ولكنهم لن يؤجلوا عطلاتهم أبداً. قد يقوم الأثرياء الذين يسافرون لقضاء 4 عطلات سنوياً بتخفيض عددها إلى 2، وإذا حافظنا على سيشل بطريقتها الحالية، سيستمرون في اختيارها.»

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج