كيف تخسر العربية أمام الإنكليزية، ونخسر معها المليارات وآلاف الوظائف؟

دفعت المخاوف على اللغة العربية بأمهات عربيات مؤخرا لإقامة معسكر صيفي لأبنائهم في مسعى يائس لتقوية مهاراتهم باللغة العربية، تأفف الأولاد كثيرا من القراءة والحديث بالعربية ولم ينفع تململهم
كيف تخسر العربية أمام الإنكليزية، ونخسر معها المليارات وآلاف الوظائف؟
تعني العربية للبعض جمال الخط العربي فقط، أي رموز ثقافية للمتحف والجدران فقط فيما تجلب لغات مثل الإنكليزية مليارات
بواسطة أريبيان بزنس
الإثنين, 17 يوليو , 2017

سيكفي الاستثمار باللغة العربية وتطويرها وتحسين أساليب تدريسها لغير الناطقين، لتوليد مئات الآلاف من الوظائف وسيكون لها سوقا عالميا ضخما سواء كان من الدارسين الأكاديميين والطلاب أو من مسلمي العالم. فها هي ماليزيا وتركيا ودول أخرى تدخل العربية في منهاج مدارسها، وحدثني تربوي ماليزي عن مصاعب واجهها في دول عربي حين حاول تأمين موارد تعليمية للغة العربية لبلاده.

حاليا هناك خوف كبير على العربية مع الأجيال العربية الشابة، وأصبح الطلب من طفل أو شاب عربي أن يقرأ كتابا أو قصة عربية اشبه بتجرع السم لديه، بل يمكن أن نقول إن ذلك ينسحب على الأغاني والأفلام والمواد الترفيهية وغيرها. وفي حالنا فإن اللغة العربية هي أكبر الخاسرين فكيف كان لها ذلك؟

اللغة هي وعاء الثقافة وما يدور في المجتمع في كل شرائحه من اختلالات. وأصبحت المشكلة أن الثقافة الغربية تكتسح البيوت بالكمبيوتر والجوال والفيسبوك وغيره، ويقول بعض الصغار أن التفكير بالعربي يتسبب لهم بالصداع، حتى لو كان كتابة بضعة كلمات، فاللغة العربية أصبحت خزان ثقافة المنع والقمع والصفع، وتعني العربية للبعض جمال الخط العربي فقط، أي رموز ثقافية للمتحف والجدران فقط، فيما الإنكليزية تتصدر لكل ما هو جديد ورائع وكول ورايق. واصبحت اللغة العربية تعني للبعض مجرد جمال الخط العربي ، أي تحنيطها رمزا ثقافيا للجدران وللمتحف فقط فيما تجلب لغات مثل الإنكليزية مليارات وآلاف الوظائف، فيما تخسر المجتمعات العربية آلاف الوظائف مع فرص المليارات المهدورة.

بلغني قبل أيام كيف دفعت هذه المخاوف بأمهات عربيات لإقامة معسكر صيفي لأبنائهم في مسعى يائس لتقوية مهاراتهم باللغة العربية، تأفف الأولاد كثيرا من القراءة والحديث بالعربية ولم ينفع تململهم أمام إصرار الأمهات تلك على تقديم وجبة عربية لهم بعد أن أدمنوا الترفيه الغربي من ألعاب كمبيوتر ومسلسلات وأفلام كلها بالإنكليزية.  ولكن هل تنفع جهود فردية هنا وهناك أمام خطط هائلة وتقنيات جبارة في بريطانيا والولايات المتحدة على التصدر في مجالات الترفيه والإبداع والثقافة؟

يفوت الكثيرون أن الأعمال الإبداعية هي أكبر قطاع في الاقتصاد البريطاني بفضل مساهمته بقرابة 80 مليار دولار عام 2015 فضلا عن توليد قرابة مليون و700 ألف وظيفة.

وتغزو منتجات هذا القطاع بكل أشكالها دول العالم على حساب الثقافات المحلية ولغاتها خاصة مع إعلان المجلس البريطاني أن قرابة ملياري شخص سيتحدثون الإنكليزية أو يتعلمونها عام 2020 (يحددهم تقرير المجلس بأنهم من الناشطين اقتصاديا ومن الشباب و قادة الأفكار وصناع القرار في الاقتصاد حاضرا ومستقبلا ممن يتعلمون الإنكليزية)

ويتواصل تعزيز جهود تعليم الإنكليزية في دول العالم، لضمان النمو وتوليد الوظائف في بريطانيا بغرض تصدير الابداعات البريطانية وجذب الاستثمارات إليها من هذه الأسواق.

كما تساهم شركات وادي السيليكون الأمريكية في الترويج للتفوق التقني الغربي من خلال أساطير مثل ستيف جوبز ومنتجات التقنية المبهرة وخدماتها عبر الإنترنت وغيرها.

تستقطب هذه القطاعات هناك كل المبدعين من كل أنحاء العالم، فيما تهيمن عليها هنا مجموعات بعضها من التكنوقراط غربي الهوى، وبعضها الآخر يعمل بـ "الشللية" والمحاباة أي يعكس بعض الفساد القائم في مفاصل الاقتصاد في معظم المجتمعات العربية.

أما في بريطانيا مثلا، فقد ساهمت إتاحة الفرصة لأجيال شابة من الموهوبين في التمثيل، إلى تحويلهم إلى نجوم كبار أصبحوا يجنون المليارات لبريطانيا.

تفتك عوامل عديدة في إفساد الثقافة والمجتمع العربي، وبذلك تفشل معظم ثمار الإبداع فيه بدءا من المدرسة والجامعة وحتى سوق العمل حيث تهيمن اللغة الأجنبية وهي الإنكليزية غالبا على تفكير الأجيال الشابة وتجعلهم لا يطيقون أي شيء باللغة العربية، بل أصبحت كلمة ممل حكما مسبقا لدى الكثيرين منهم حول أي شيء عربي.

وإلى جانب ترسيخ المجتمع لعقدة النقص والدونية إزاء كل ما ينتجه الغرب من أعمال إبداعية بل حتى خبراء ومهنيين في شتى المجالات، هناك عامل تولي جهات غربية مثل الخبراء وشركات الاستشارات مهمة ما يتوفر لنا من مواد ترفيهية وثقافية.

وفي الدول العربية يقدم التكنوقراطيون والخبراء خططا تناسب ميولهم خاصة وأن معظمهم درس في جامعات غربية وبالتالي فهؤلاء يقومون في كل مناسبة بتجريد التعليم منهجياً من إمكانياته الثقافية التي تدعم اللغة العربية بزعم أن السياسات التعليمية يجب أن تكون مسخرة لسوق العمل ويريدون بذلك الوظائف الهامشية كالرد على الهاتف ووظائف الخدمات العارضة وهم لا يطيقون السبل التي تستطيع بها المدارس والجامعات أن تغذي العدد الكبير المتنوع من المواهب والقدرات البشرية وإمكانيات الابتكار لديها.

هؤلاء الخبراء والتكنوقراط يتبنون ما تعلموه في الجامعات الغربية من مفاهيم تركز في التعليم والاقتصاد وبطريقة مهووسة، على المردود والاختبار والمكافآت قصيرة الأمد على حساب تنمية مواهب الشباب لاجترار أفكار تواجه التحديات الضخمة والخاصة التي تفرضها الحياة المعاصرة في مجتمعاتهم العربية. هؤلاء التكنوقراط أيضا يحددون المطلوب من الإنتاج الإبداعي العربي، وأغلبهم يستسهل الاستيراد الغربي أو محاكاته بعيدا عن الذوق المحلي وقيمه.  

حتى في مجال ابتكار التطبيقات الترفيهية والخدمات التقنية، لم يسبق في التاريخ أن تمكنت حفنة من الناس في عدد قليل من الشركات، مثلما تقوم به حاليا شركات التقنية، بالتحكم بما يشعر به مليارات من البشر وكيف يفكرون كل يوم من خلال الخيارات التي تفرض عليهم في تلك الشاشات، بحسب تريستان هاريس وهو مدير منتجات غوغل سابقا.

فهم يشكلون أفكار ومشاعر الناس وتصرفاتهم، وهم يبرمجون الناس، وهناك دائما مزاعم أن الأفلام بريئة بل حيادية وعلينا أن نختار كيف نستمتع بالترفيه والفائدة فقط بدون تحليلات فارغة، لكن ذلك غير صحيح ابدا.

 الألعاب والتطبيقات وكل عوامل الإلهاء أصبحت تضعف علاقاتنا مع بعضنا وتدمر قدرة أطفالنا على التركيز. ويوضح بالقول إن الحالة أصبحت بذلك السوء ليس بسبب أن هناك أشرار بل لأن اللعبة أصبحت تتمحور حول منافسة لخطف الانتباه والوصول لأعماق الدماغ للفوز بحسب هاريس، الذي يلفت إلى أنه لم يكن هناك ألف مهندس على الطرف الآخر من الهاتف وهم يعيدون تصميم منتجاتهم لجعلها أكثر جاذبية وتأقلما مع المستخدمين، لم يكن الأمر كذلك في السبعينيات."

تتسل عبر مواد الترفيه التي نستهلكها عبر الإنترنت وسائل الاعلام وفي المدرسة والشارع، قوى العولمة الاقتصادية لنشر ثقافة استهلاكية محددة تخدم المصالح الاقتصادية لتترسخ ثقافة استهلاك الموضة الغربية مثل الجينز والوجبات السريعة التي يتم تمريرها في الأفلام والمسلسلات الإنكليزية مثلاُ، لتترسخ هذه الثقافة الدخيلة في اهتمامات الشباب على أنها أكثر حيوية وجاذبية. 

كما يساهم تصدر شخصيات بارزة منصات الإعلام الاجتماعين صناعة قدوة من نماذج غريبة لدى جيل الشباب، ويساعد ذلك في تطويع أذواق الشباب وجعلهم مستهلكين بولاء أعمى للشركات الغربية التي ترعى تلك النماذج للترويج لمنتجاتها وللاستفادة من الفضاء المفتوح أمام للجميع.

ومع تراجع اللغة العربية في المساهمة عالميا في مجالات مثل الإعلام والترفيه على الأقل، أصبحت صلابة الهوية الثقافية العربية مهددة بقوة مع صعود الجيل الشاب، كذلك الحال مع شعور المواطنة والانتماء بمظلة العادات المشتركة والذاكرة الجمعية والتاريخ والمعتقدات والرموز.

لم يخطر ببال صناع القرار ولا التكنوقراط أن اللغة العربية تستحق الاستثمار فيها، ليس أقله للاستفادة من فرص اقتصادية أمام الملايين الناطقين بها أو الملايين التي تتمنى أن تتعلمها.

تنويه: يراد بالقطاع الإبداعي في بريطانيا مجالات تشمل كل من النشر والتسويق والإعلان، الموسيقى والفنون البصرية والتمثيل والأداء الفني والتلفاز والفيديو والتصوير والإذاعة، المتاحف والمعارض والمكاتب، العمارة  تقنية المعلومات والبرامج وخدمات الكمبيوتر، التصميم ويشمل مجالات مثل المنتجات والمهن اليدوية والتصميم الرسومي والأزياء.

سامر باطر - محرر موقع أريبيان بزنس

مصادر:

http://www.thecreativeindustries.co.uk

https://www.britishcouncil.org/sites/default/files/english-effect-report-v2.pdf

.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة