الرعاية الصحية بالكويت: مرحلة انتقالية

يشهد قطاع الرعاية الصحية في الكويت مرحلة انتقالية مع ارتفاع مؤشرات مشاركة القطاع الخاص، وذلك على الرغم من اضطلاع الحكومة بالدور الأكبر في تمويل وتوفير الرعاية الصحية في الدولة.
الرعاية الصحية بالكويت: مرحلة انتقالية
كتب: د. نيخيل عدناني. مدير أول في شركة ستراتيجي& (بوز أند كومباني سابقًا) وجزء من شبكة PwC
بواسطة أريبيان بزنس
الأحد, 19 مارس , 2017

يشهد قطاع الرعاية الصحية في الكويت مرحلة انتقالية مع ارتفاع مؤشرات مشاركة القطاع الخاص، وذلك على الرغم من اضطلاع الحكومة بالدور الأكبر في تمويل وتوفير الرعاية الصحية في الدولة.

إذا أرادت الكويت ضمان استمرارية توفير خدمات رعاية صحية عالية الجودة، فإنها ستحتاج إلى صياغة استراتيجية تُعزز دور القطاع الخاص في توفير الرعاية الصحية بأسعار معقولة لكل من الحكومة والاقتصاد.
وفي الواقع تضطلع الحكومة بدور كبير في دعم قطاع الرعاية الصحية،  فحسب إحصاءات البنك الدولي، أسهمت الحكومة بنسبة 86 % من حجم الإنفاق على قطاع الرعاية الصحية في عام 2014، والتي تُعتبر إحدى أعلى النسب في دول مجلس التعاون الخليجي التي يبلغ متوسطها 79 %، ناهيك عن مجموعة العشرين التي يبلغ متوسطها 61 %، حيث يُوفر القطاع العام أكثر من 80 % من عدد الأسرة في المستشفيات، فضلاً عن كونه مسؤول عن أكثر من 30 مستشفى يبلغ عدد الأسرة فيها 9000 سرير تقريبًا، والعديد من العيادات الطبية.
ويأتي هذا الدور الكبير للقطاع الحكومي، على الرغم من تركيز الرعاية الصحية الحكومية المجانية في المقام الأول على المواطنين الذين يُشكِّلون 30 % من تعداد سكان الكويت البالغ 4 مليون نسمة، حيث يتلقى المواطنون الكويتيون رعاية صحية مجانية في المستشفيات الحكومية، وفي الخارج، في حال عدم توافر الخدمة الطبية محليًا.
جدير بالذكر أن الحكومة الكويتية قد أنفقت خلال عام 2014 فقط، مليار ونصف المليار دولار على تكاليف العلاج في الخارج لقرابة 11,000 كويتي.

عبء على الخزينة
وفي المقابل، يتوجب على 70 % من السكان أي على الوافدين، شراء بوليصة تأمين صحي مدعومة من الحكومة للحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية في المستشفيات الحكومية، خلال أوقات معينة من اليوم، بالإضافة إلى إمكانية شراء بوليصة تأمين صحي تكميلية، والتي يقدر على شرائها غالبًا الأفراد ذوو الدخل المرتفع أو الشركات التي يعملون لديها، وبذلك يتجنبون الانتظار لفترات طويلة للحصول على خدمات الرعاية الصحية في المستشفيات الحكومية.
ويتمثل التحدي الذي تُواجهه الحكومة في أن الوضع الراهن لا يُلبي متطلبات الاستدامة. ففي ظل الواقع الحالي، سيُشكِّل القطاع عبئًا على الخزانة العامة في السنوات القادمة، ويُعزى ذلك بشكل جزئي إلى عدد كبار السن، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، وكون النظام الذي تُديره الحكومة ليس فعالاً من حيث التكلفة.
وعلاوةً على ذلك، فإن دور الحكومة آخذ في الارتفاع حيث تُخطط لمضاعفة سعة المستشفيات الحكومية، إلا إن المناخ الاقتصادي الحالي الذي يُعاني من انخفاض أسعار النفط لا يُساعد على ذلك. ومن شأن جميع هذه العوامل أن تُعيق الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع بتوفير الرعاية الصحية للسكان كافة.

خطوات لمواجهة التحديات
لقد باشرت الحكومة فعليًا باتخاذ خطوات لمواجهة هذه التحديات. فعلى سبيل المثال، ابتداءً من عام 2016، قامت وزارة الصحة بنقل مسؤولية المخاطر المالية والرعاية الصحية لأكثر من 100,000 مواطن كويتي متقاعد من الميزانية، من خلال إشراك المتقاعدين بخطة تأمين صحي خاصة تُمولها الدولة وتُتيح لهم إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية في المرافق الخاصة، حيث تدفع الحكومة قسط التأمين الخاص وتتحمل شركات التأمين الخاصة جميع المخاطر.
كما أنشأت الحكومة الشركة الوطنية للضمان الصحي (ضمان) وهي شراكة بين القطاعين العام والخاص من شأنها تغطية قرابة 2 مليون من الوافدين في البلاد البالغ عددهم 2.8 مليون نسمة.
وتُعتبر ضمان شركة خدمات صحية متكاملة؛ تتلقى أقساط التأمين، وتُتابع المطالبات، وتُغطي التكاليف، وتُقدم خدمة الرعاية الصحية. وابتداءً من عام 2017، ستقوم ببناء ثلاثة مستشفيات للرعاية الصحية الثانوية بسعة 700 سرير، و 15 مركزًا للرعاية الصحية الأولية.

آلية لإشراك القطاع الخاص
وكانت الحكومة قد قامت باتخاذ خطوات بالغة الأهمية بالمقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي، لتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وهي عبارة عن آلية لإشراك القطاع الخاص في إدارة وتوفير الرعاية الصحية. كما أنشأت أيضاً هيئة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص (الجهاز الفني لدراسة المشروعات التنموية والمبادرات سابقًا) في عام 2008 للإشراف على الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وتسعى الحكومة في غضون ذلك إلى توفير سعة إضافية من حيث عدد الأسرة في المستشفيات، من خلال مضاعفة العدد إلى 18,000 سرير، وتظهر الحاجة لذلك مع ازدياد عدد السكان وكبار السن. وتتجلى صعوبة قيام القطاع الحكومي بدور رئيسي في بناء البنية التحتية لقطاع الرعاية الصحية في كون ذلك يزيد من الأعباء المالية على المدى القصير والطويل، حيث يتوجب على الدولة تمويل النفقات الرأسمالية والتشغيلية، في ظل تضخم قطاع الصحة الذي يؤدي إلى ارتفاع تلك التكاليف.
ويتطلب الخروج من بوتقة الوضع الحالي الذي تلعب فيه الدولة دورًا كبيرًا، إسناد دور أكبر للقطاع الخاص. ويُعد ذلك السبيل الأفضل للتعامل مع الزيادة في الطلب وقيود الميزانية، والحاجة إلى خفض تكاليف الرعاية الصحية. ويُوجد ثلاثة إجراءات يتوجب على الحكومة إدراجها في خطط القطاع الصحي، من شأنها تحسين جودة الخدمات والتخفيف من التكاليف التي تتكبدها الدولة.

رفع كفاءة المستشفيات
يتمثل الإجراء الأول في سعي الحكومة إلى رفع كفاءة المستشفيات الحكومية، وجعلها مؤهلة لزيادة دور القطاع الخاص من خلال تحويلها إلى شركات مملوكة للدولة.
وينطوي ذلك على إلغاء تبعية المستشفيات الحكومية لوزارة الصحة. ومن ثم يتوجب على الحكومة تحويل هذه المستشفيات إلى شركات مملوكة للدولة ذات إدارة مستقلة. وسيُسهم ذلك في تحسين الكفاءة التشغيلية، والتمهيد لمشاركة القطاع الخاص مستقبلاً. وقد تم بالفعل تطبيق ذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة، مع شركة أبوظبي للخدمات الصحية (صحة).
ويتمثل الإجراء الثاني في استعانة الحكومة بالشراكات بين القطاعين العام والخاص لتشغيل أو بناء المستشفيات الحكومية، وبالتالي تخفيف العبء المالي من على كاهلها.
ويُمكن تطبيق سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص على المستشفيات الحالية، وكذلك الجديدة، وبالتالي تخفيف حاجة القطاع العام لإدارة هذه المرافق. ومن المستشفيات التي قد تكون مرشحة لذلك مستشفى جابر الأحمد الجابر الصباح التي تضم 1168 سرير، والتي تجاوزت تكلفتها المليار دولار.

فرصة لإظهار القدرة
ومن خلال تنفيذ الإجراء الثالث، سواءً كان ذلك من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو آليات أخرى، يمكن للحكومة معرفة مدى كفاءة أداء القطاع الخاص في بعض الحالات، كعلاج الأمراض المزمنة، وإعادة التأهيل، والرعاية المنزلية.
ويُمكن إعطاء القطاع الخاص الفرصة لإظهار قدرته على تلبية حاجة القطاع بطريقة أكثر فعالية من القطاع العام من حيث التكلفة، وتوفير الخدمات التي لا ترغب الحكومة بالتعامل معها.
وبإمكان الحكومة أيضًا وضع عوامل مساعدة لتعزيز مشاركة القطاع الخاص.
يتمثل العامل الأول في وضع آلية سداد سليمة. فمن شأن هذه الآلية تزويد المستشفيات الحكومية بالدعم بناءً على الخدمات التي تقدمها عوضًا عن تمويل كافة تكاليفها. فمن عيوب التمويل على أساس التكلفة أنه يلغي أي حافز لتقليل التكاليف.
وبدلاً من ذلك يُمكن للحكومة تحديد أساليب مختلفة لتعويض المستشفيات عن خدمات الرعاية الصحية، ولكل منها مزاياها وعيوبها. ومن هذه الأساليب وضع رسوم على الخدمة، ويعني ذلك دفع مبلغ محدد مقابل كل إجراء، مثل فحص الدم. وهو الإجراء الذي قد يكون بسيطًا في ظاهره ولكنه قد يدفع المستشفيات إلى القيام بفحوص طبية قد لا تكون ضرورية.
وهناك أسلوب آخر يتمثل في حزم السداد التي تُتيح إمكانية الدفع مقابل تكاليف التشخيص الإجمالية. على سبيل المثال، عملية تغيير الركبة، تُعطي المستشفى حافزًا لتكون دقيقة ومُركزة على النتائج. ومع ذلك، وبالرغم من كون حزم السداد ثابتة، إلا إنها تُحمّل المستشفى جميع المخاطر المالية الناجمة عن أي مضاعفات أو إعادة للإجراءات. كما بإمكان الحكومة تخصيص مبلغ سنوي لكل فرد، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على الكفاءة، ولكن في المقابل سيزيد من مخاطر ارتفاع التكاليف على المستشفيات. ويعتمد مدى تطبيق الحكومة لآليات السداد، على خطتها الشاملة لتمويل الرعاية الصحية.

بيئة قانونية وتنظيمية
ويتمثل العامل الثاني في الاستعانة بهيئة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص لضمان الرقابة والحوكمة السليمة لمشاركة القطاع الخاص في مجال الرعاية الصحية. ويُمكن للهيئة متابعة مدى تلبية شركاء القطاع الخاص لأهدافها. وستحافظ بذلك على التوازن السليم بين التمويل الحكومي والربح الخاص.
ويتمثل العامل الثالث في إنشاء بيئة قانونية وتنظيمية تُشجع على مشاركة القطاع الخاص. ففي السعودية قامت الحكومة بتقديم قروض بدون فوائد. وسمحت دبي بتملك الأجانب لمرافق الرعاية الصحية بنسبة 100 % ، مما سهل دخول شركات عالمية تزود خدمات الرعاية الصحية.
ويجب تضمين هذه الإجراءات والتدابير في استراتيجية شاملة لمشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد. ويجب أن تتماشى هذه الاستراتيجية مع أجندة إصلاح قطاع الرعاية الصحية وخطط الإصلاح الاقتصادي الوطني.
وعلى وجه الخصوص، يجب على الحكومة أن تحدد القطاعات التي ستُعطى الأولوية لتعزيز دور القطاع الخاص، ويعتمد ذلك على الاستراتيجية الشاملة واستعداد شركات القطاعين العام والخاص على حد سواء. كما يحتاج الشركاء من القطاعين العام والخاص إلى بناء القدرات التي تُمكّنهم من الانخراط في الشراكات بين القطاعين العام والخاص بشكل فاعل.
وفي نهاية المطاف، فإن التطبيق الصحيح وتعزيز مشاركة القطاع الخاص من شأنه زيادة فرص الحصول على خدمات الرعاية الصحية، وتحسين جودتها، وخفض تكاليفها، مما يُثمر عن مزايا عديدة مثل تقليص الحاجة للسياحة الطبية الخارجية.
وقد تكون النتيجة زيادة المنافسة بين شركات الرعاية الصحية (سواءً كانت عامة أو خاصة) مما يؤدي إلى رفع الكفاءة وتحسين الإدارة، وتقليص التكاليف التشغيلية. كما سيرفع من كفاءة رأس المال وتمويل القطاع الخاص للمشاريع التوسعية، والحفاظ على أموال الدولة. فمن خلال جعل تمويل الرعاية الصحية في المتناول، ستتمكن الكويت من الوفاء بالتزامها تجاه المجتمع بتوفير الرعاية الصحية الشاملة.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج