Arabian business

الذهب.. بقى ذهباً

عبد الرؤوف
الجمعة، 8 أكتوبر 2010
الذهب.. بقى ذهباً
قفزات أسعار الذهب تسبب حيرة كثيرة للمحللين.
تواصل القوى الاقتصادية العالمية طرح توقعاتها باستمرار الارتفاع الكبير في أسعار الذهب خلال الفترة القادمة. ويرى بعضها أن الأسعار في طريقها للوصول إلى 1500 دولارا للأوقية، بسبب الآليات التي تعمل بها البنوك المركزية الكبرى بعد تخفيض فوائد البنوك، وأيضا بعد زيادة الطلب على السبائك الذهبية حول العالم.

تسبب القفزات الحالية والمتتالية لأسعار الذهب الكثير من الحيرة في أوساط المحللين والاقتصاديين على مستوى العالم.

لكن معظم هؤلاء يرجحون أن سبب الارتفاع الكبير لأسعار المعدن الأصفر، هو في الواقع مجموعة أسباب وليس سبباً واحداً. فهناك أولاً حالة عدم الاستقرار أو الضبابية التي مستقبل التعافي الاقتصادي العالمي، وهناك مشكلة الديون السيادية التي ظهرت خلال الأشهر الأخيرة في أكثر من دولة، وما نتج عنها من دوامة تقلبات أصابت ليس فقط عملات الدول المدينة، بل عملات دول أخرى.

لقد برز الذهب بالفعل وعزز من دوره وأهميته كملاذ استثماري اًمن ضد التقلبات الاقتصادية وحالة عدم اليقين التي يمر بها الاقتصاد العالمي، رغم أن بعض المحللين يرون في ارتفاع أسعار الذهب، فقاعة جديدة لا بد وأن تنفجر، تماما كما انفجرت فقاعة العقار، ولو بعد حين.

فحالة عدم اليقين التي يمر بها الاقتصاد العالمي حالياً، والتي فتكت باقتصادات دول كبرى، دفعت الكثيرين من بني البشر إلى الإقبال على شراء الذهب الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعاره. كما أن قرار بنوك مركزية عالمية بالعودة إلى تبني مفهوم احتياطي الذهب، جعل من المعدن الأصفر سلعة ذات قيمة مضافة سعرياً.

أسباب نفسية

ومع ذلك يرى البعض أن القفزات المتتالية وغير المبررة لأسعار الذهب بسبب إقبال المستثمرين على شراءه، وأيضاً ربما لأسباب نفسية بسبب حالة الاضطراب التي تسود العالم، تعني أن هناك فقاعة في طور التشكل ليس فقط في سوق الذهب، بل أيضاً في سوق المعادن النفيسة الأخرى.

ويقول هؤلاء أن ظروف فقاعة الذهب تتمثل في زيادة مخاطر الاستثمار في أغلب القطاعات الاقتصادية بدءا من أسواق المال والعقار، وانتهاء بالاستثمار في القطاع المصرفي. وكل هذا برأيهم، أدى بالمحصلة إلى تفشي حالة قلق لدى المستثمرين أفراد ومؤسسات،  دفعتهم إلى الإقبال على الذهب كملاذ اَمن ضد مخاطر الاستثمار المختلفة ما ساعد في رفع أسعاره بشكل كبير وفي فترة زمنية قصيرة نسبياً، وهي فعلاً الظروف الملائمة لفقاعة في طور التشكل.

ويقول هؤلاء أنه إذا تم تطبيق قاعدة العرض والطلب على الذهب فإن الطلب المتزايد على الذهب كملاذ اًمن لحفظ القيمة مقروناً بتراجع إنتاج الذهب عالمياً، سيؤدي إلى ارتفاع أسعاره بشكل كبير على المدى القريب وربما المتوسط، ثم انهيارها نتيجة وصول الأسعار إلى مستويات قياسية تؤدي للتحول الكامل عن الذهب كملاذ استثماري.

عامل التضخم

وهناك من يقول أن ارتفاع أسعار الذهب يرجع في المقام الأول إلى عامل التضخم. ويرجع هؤلاء الارتفاع الراهن في أسعار الذهب، إلى النظم النقدية في الاقتصادات الحديثة التي تعتمد على التحكم في المعروض النقدي، سواء من قبل المصرف المركزي عن طريق طبع النقود، أو من قبل النظام المصرفي عن طريق نظام الاحتياط الجزئي، لمعالجة الظواهر الاقتصادية كالركود والبطالة الأمر، الذي أدى إلى ظاهرة أخرى أكثر خطورة وهي التضخم بسبب تفوق عدد الوحدات النقدية الدائم على عدد الوحدات المنتجة من السلع والخدمات وهو ما ينعكس بصورة زيادة مستمرة في أسعار السلع وأولها الذهب.

وجاء في تقرير أعدته وحدة البحوث والدراسات والتقارير في بنك بوبيان أن الملاحظة الأبرز أن الذهب ارتفع خلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي وحده من 1246.5 دولارا إلى 1315.6 دولارا، أي  بنسبة  5.5 % زيادة عن بداية الشهر، وليحقق بذلك مكاسب بحوالي  21 % منذ بداية عام 2010.

قمم جديدة

ومع بداية الربع الرابع من العام الحالي واصل الذهب ارتفاعه، مسجلاً زيادة جديدة حين أغلق أول أيام الربع الأخير (1 أكتوبر 2010) عند 1318.6 دولارا، مؤكداً مواصلته رحلة الصعود.

ويعتقد كثيرون أن الذهب ماضٍ إلى قمم أخرى جديدة قبل نهاية هذا العام 2010، مستمراً في الارتفاع حتى بدايات 2011، ما لم تحدث تغيرات إيجابية واضحة على الاقتصاد العالمي وبالذات في أميركا تعيد إلى الدولار بعضاً من العافية، لأن ضعفه يمثل أحد الأسباب المهمة التي تقف وراء ارتفاع الذهب، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين من تعافي الاقتصاد العالمي التي باتت هي السمة الغالبة على آراء معظم المحللين حول العالم.


ويقول تقرير بنك بوبيان أنه يضاف إلى ذلك عدد من النقاط المهمة التي تتعلق بمعدلات الإنتاج إلى الاستهلاك واحتياطي العالم من الذهب سواء كاحتياطي عملات أو كمخزون موارد طبيعية. ويطرح الجميع منذ أشهر سؤالاً واحداً على المحللين الدوليين وبيوت الخبرة العالمية من دون أن يجد أحد إجابة شافية له، وهو إلى أين يتجه سعر الذهب؟ متى سيتوقف عن الصعود أو يستقر؟ وهل سيستمر الصعود أم أنه يصنع فقاعة ضخمة قابلة للانفجار في أي لحظة؟

والملاحظ أنه منذ اندلاع الأزمة العالمية قبل نحو العامين والذهب مستمر في الصعود وتخطي المستويات المتعارف عليها إلى مستويات قياسية. فكلما وضع البعض سقفاً للارتفاع التاريخي لأسعار الذهب ثقبته إلى قمة جديدة، ولا أحد يعلم على وجه الدقة ما هي الحدود النهائية لذلك الارتفاع غير المسبوق؟ ولا متى يمكن أن يغير منحنى الأسعار اتجاهه إلى النزول أو حتى الثبات؟.

وجهتا نظر

ويتناول هذا التقرير، الذي أعدته وحدة البحوث والدراسات والتقارير في بنك بوبيان بالدراسة والتحليل، وجهتي نظر مختلفتين للخبراء والمحللين حول العالم: الأولى ترى أن أسعار الذهب ما زالت أقل من السعر العادل إذا صح التعبير، ويرون أن القمة يجب أن تكون عند 1600 إلى 1700 دولاراً أمريكياً للأونصة، بل أن هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير فيتوقعون مضاعفة أسعار الذهب عما هي عليه الآن، معتبرين أن السعر الحالي يعادل  35 % من القيمة الفعلية للذهب، وإن صدق حدسهم فهذا يعني أن سعر الذهب يمكن أن يصل إلى مستوى يقارب 3750 دولاراً للأونصة الواحدة.

أما الفريق الثاني من المحللين العالميين فيرى أن أسعار الذهب ترتفع وتتمدد بلا مبرر لتشكل فقاعة كبيرة، ما تلبث أن تنفجر عما قريب لتعود أسعار الذهب إلى سابق عهدها ما بين 750 إلى 950 دولارا للأونصة. وبطبيعة الحال فكلا الفريقين يسوق مبرراته وبراهينه على صدق رؤيته التي تزيد من ارتباك المستثمرين في مختلف أنحاء العالم وتجعلهم يقدمون خطوة ويؤخرون أخرى في سبيل اتخاذ قرار الشراء أو البيع.

معدلات 1980

ويذهب العديد من المحللين وبيوت الخبرة العالمية إلى أن الذهب سيستمر في الصعود إلى أن يحقق معدلات وأسعار عام 1980 نفسها التي قفز فيها 1600 %  وهو أمر يبدو منطقيا من الناحية النظرية إذا قمنا بمقاربة الأرقام ومعدلات الزيادة في السعر بين الفترتين اللتين سبقتا الارتفاع، أي العقد السابق للارتفاع الكبير الأول في بداية ثمانينات القرن الماضي (1970 - 1980) من ناحية، ومن ناحية أخرى العقد الأول من القرن الحالي (2000 - 2010) لنرى ما طرأ على السعر من تغيرات خلال الفترات التي سبقت الصعود المفاجئ للأسعار.

ويكاد معدل النمو في أسعار الذهب يكون متطابقاً في السنين العشر السابقة للارتفاع الكبير أو القفزة في أسعار الذهب، وهو ما يؤكده أصحاب الرأي القائل باستمرار الارتفاع في أسعار الذهب إلى أبعد من ذلك، لأن عام 2010 ليس هو القمة التي يجب أن يصل إليها سعر الذهب بل ما زالت أمام الذهب فرص أكبر لتحقيق أسعار خيالية جديدة.

ويقول التقرير "لو قمنا بمقارنة القيمة الحالية للذهب والتي تجاوزت 1300 دولار للأونصة بأعلى سعر وصل إليه في عام 1980 وقد كان 800 دولار للأونصة، لوجدنا أنه بالفعل ما زالت قيمته أقل من القيمة الحقيقية بحوالي %29 إذا أخذنا في الحسبان عوامل التضخم التي أثرت في القوة الشرائية للدولار، وأن الذهب يجب أن يصل إلى قرابة 1700 دولار للأونصة حتى تتساوى قيمته بهذا السعر مع قيمته وقت أن كان سعره 800 دولار في عام 1980 ".

على الجانب الآخر، يعارض البعض هذا الرأي مشيرين إلى أن المقارنة السابقة بين السنوات التي سبقت القفزة في السعر صحيحة، وأن الحديث عن ارتفاع عام 1980 يجب أن يستكمل كحلقة كاملة لنرى الهبوط في السعر الذي حدث في العام التالي مباشرة عام 1981 وقد كان بمعدل %25 من 615 دولارا للأونصة إلى 459 دولارا، واستمر الهبوط على مدى العشرين سنة التالية بلا توقف حتى وصل السعر إلى القاع في سنة 2000 حين سجل متوسط السعر السنوي 280 دولارا للأونصة، وهو الأمر الذي ينتظرون حدوثه الآن بين يوم وآخر.

ولعل السؤال الذي يطرحه الكثيرون الآن: هل يثبت الذهب مرة أخرى من خلال ارتفاعاته القياسية الأخيرة المقولة الشهيرة انه سيظل دائما الملاذ الآمن بل الأكثر أماناً في ظل تقلب أسعار العملات العالمية، وضعف أداء الأسواق المالية ووصول العالم إلى مستويات متدنية من الاحباط وعدم الثقة في المستقبل القريب؟ ويظل إغلاق الربع الثالث من العام الحالي مفتوحاً على مجموعة من الأسئلة متى تتوقف رحلة الصعود التاريخية للذهب وإلى أي مدى يمكن أن يصل وهل ستكون هناك رحلة للهبوط في المنظور القريب أم أن في الوقت متسعا لمزيد من الانطلاق والصعود نحو قمم جديدة.


قيمة للخطر

وبشأن الذهب باعتباره رصيدا استراتيجيا والذهب كملاذ آمن تكتيكي وأصل استراتيجي طويل الأجل، أوضح مجلس الذهب العالمي كيف أن المخصصات المعقولة من الذهب (2% -10%) يمكنها أن تأتي بـ"بنتائج مثالية" على المحفظة المالية، حيث يساعد الذهب على زيادة العائد لكل وحدة من المخاطر في المحفظة.

وقال التقرير :لا يدرك المستثمرون الذين لا يقتنون الذهب أو يعتبرونه كأحد الأصول التي تشكل ملاذاً آمناً مؤقتاً الإمكانات الكاملة للذهب في حماية ثروتهم، وذلك وفقا لدراسة جديدة نشرها الأسبوع الماضي مجلس الذهب العالمي تحت عنوان "الذهب: التحوط من مخاطر الركود"، حيث أوضح مجلس الذهب العالمي أن اقتناء الذهب بشكل ثابت ومنتظم يخفف من احتمالات وقوع خسائر كبيرة في القيمة خلال الأحداث المتأزمة التي قد تصيب الأسواق.

كما أوضح مجلس الذهب العالمي في هذا التحليل أنه خلال الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول 2007 ومارس/آذار 2009 وهي الفترة التي شهدت ذروة الانهيار المالي العالمي، فإن مستثمراً يملك محفظ مالية بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي قد تكبّد خسارة مالية إضافية قدرها 500 ألف دولار أمريكي لمجرد عدم الاحتفاظ باستثمارات في الذهب. واستخدمت الدراسة مجموعة مماثلة لمحفظة مرجعية اشتملت على مخصصات من الذهب بنسبة 8.5 % لتبين أن مجموع الخسائر التي تكبدتها خلال الفترة قد انخفضت بنسبة تصل إلى 5 % مقارنة بمحفظة معادلة دون ذهب.

الإثنين الأسود

وفي 18 حالة من حالات مخاطر الركود الـ 24 التي أجرى عليها مجلس الذهب العالمي التحليل، اتضح أن المحافظ التي شملت الذهب قد فاقت في أدائها تلك التي لم تشمل الذهب. وتشير عبارة مخاطر الركود إلى الظواهر غير العادية وغير المتوقعة التي يمكن أخذها في الاعتبار، مثل أزمة "الاثنين الأسود" التي تسببت في انهيار الأسواق في أكتوبر من عام 1987 والتي قد يكون لها تأثير سلبي كبير على رأس مال المستثمرين عند وقوعها.

وقد علـّق خوان كارلوس أرتيجاز، مدير بحوث الاستثمار في مجلس الذهب العالمي ومؤلف البحث، على ذلك بقوله  "في الدراسات السابقة أوضح مجلس الذهب العالمي ضرورة أن يكون الذهب أحد عوامل التنوع لتكوين محفظة منتظمة وذات فاعلية كبيرة. ويمكن أن تثبت الآن أن الذهب لا يساعد فقط في زيادة العوائد المتوقعة والتي قد تكون أكثر مقاومة للمخاطر،  ولكنه يمكن أن يخفف إلى حد كبير من احتمال تآكل الثروة بسبب الأحداث غير المتوقعة".

وأضاف "في العقد الأخير شهدنا اثنين من أسوأ الأحداث التي حلت بالأسواق في الـ 100 سنة الأخيرة. وكما قد يتوقع المرء، فلا تزال نسبة التعرض للمخاطر مرتفعة بالنسبة للمستثمرين في مختلف أنحاء العالم، وعند إعادة بناء الأصول تكون حماية رأس المال بصرف النظر عن ظروف السوق هو الهدف الأسمى. ويعدّ النظر في تنويع المحافظ الاستثمارية أمراً ذا أهمية، ولكن قد يعدّ التحوّط من المخاطر النظامية مسألة منفصلة تماما عن ذلك. ويبين هذا البحث أن الذهب يحمي من الأحداث المتعلقة بالمخاطر المتأخرة، ولكنه، على المقدار ذاته وفي الأوقات الأكثر إيجابية، يقلل من تقلب المحفظة دون التضحية بالعوائد المتوقعة."

نظرياً وعملياً

ويشير التحليل إلى أنه وحتى المخصصات الصغيرة نسبيًا من الذهب والتي تتراوح ما بين 2.3 % إلى 9.0 %، يمكن أن يكون لها أثر إيجابي. وفي المتوسط، يمكن لهذه المخصصات أن تخفض من القيمة المعرضة للخطر مع الحفاظ على عوائد مماثلة للمحافظ المشابهة التي لا تشمل الذهب. ومن الناحية النظرية، تعدّ القيمة المعرضة للمخاطر وسيلة لقياس الحد الأقصى للمبلغ الذي قد يتوقع المستثمر خسارته في فترة زمنية معينة مع درجة معينة من الثقة في حالة وقوع حدث غير متوقع إلا أنه ممكن الحدوث.

من جانبه قال ماركوس جراب، العضو المنتدب للاستثمار في مجلس الذهب العالمي "نحن نعيش الآن في عالم يتسم بقدر أكبر من التقلبات ومستويات أعلى من مخاطر الاستثمار حيث تعد استراتيجيات توزيع الأصول القوية عوامل رئيسية للعودة إلى الاستقرار المالي. كما أن قدرة الذهب على التحرك بشكل مستقل عن معظم الأصول التي تحتفظ بها المؤسسات والأفراد عادة وقدرته على التحوط ضد التضخم وتقلبات العملة تعني أنه فعال للغاية باعتباره الحافظ للثروة على المدى الطويل، وينبغي أن يشكل الأساس في أي محفظة استثمارية على المدى الطويل. يبين هذا التقرير كيف يمكن للذهب أن يوفر الحماية ضد الأحداث السلبية والتي ليس من السهل التنبؤ بها ولكن يمكنها أن تؤدي فعلياً إلى تآكل الثروة". المزيد من أخبار الإمارات

تعليقات

المزيد في بنوك

أنت تشاهد إعلانا مدفوعاً وسوف يعاد توجيهك إلى الصفحة المطلوبة خلال 60 ثانية

تجاوز هذا الإعلان »