مصر تنتظر «الرز»

بعد انتظار طويل وسلسلة من المناقشات الحامية، وافق البرلمان المصري مؤخراً على قانون الاستثمار الجديد الذي استغرق إعداده 15 شهراً، وحسم الجدل حول 4 مواد شائكة تتعلق بعودة المناطق الحرة الخاصة، وتحويل رأس المال، والعمالة الأجنبية، ومنح الأراضي بالمجان للمستثمرين الأجانب.
مصر تنتظر «الرز»
بواسطة Rasha Owais
الأحد, 21 مايو , 2017

بعد انتظار طويل وسلسلة من المناقشات الحامية، وافق البرلمان المصري مؤخراً على قانون الاستثمار الجديد الذي استغرق إعداده 15 شهراً، وحسم الجدل حول 4 مواد شائكة تتعلق بعودة المناطق الحرة الخاصة، وتحويل رأس المال، والعمالة الأجنبية، ومنح الأراضي بالمجان للمستثمرين الأجانب.

وبعد هذه الموافقة، ينتظر قانون الاستثمار الجديد إرساله إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتوقيعه، ونشره في الجريدة الرسمية، تماماً مثلما ينتظر السوق توافد المستثمرين بعد دخول القانون حيز التنفيذ مع انتهاء رئيس الحكومة المهندس شريف اسماعيل من إعداد لائحته التنفيذية.
وتأمل مصر أن يصلح قانونها الاستثماري الجديد ما أفسدته البيروقراطية التي بقيت سنوات طويلة مشكلة كبيرة للمستثمرين الأجانب والمصريين على حد سواء رغم أن الكثيرين يرون في السوق المصري عوامل جاذبة للربح من خلال العمالة الرخيصة وقاعدة المستهلكين الكبيرة.
وفي رأي البعض، يؤكد القانون على إجراءات تسوية النزاعات الاستثمارية، وتخفيض الإجراءات الروتينية، ويُركز على تقديم حوافز ضريبية جذابة بدلاً من العملية الصعبة للحصول على التصاريح ليتم الموافقة تلقائياً على أي طلبات لم يتم التعامل معها في غضون 60 يوماً، ويقلل فترات الانتظار على تراخيص المصانع الصناعية من 634 إلى 30 يوماً.
كما يمنح الشركات التي تقام في المناطق المتخلفة أوالقطاعات الخاصة تخفيضاً تتراوح نسبته بين 30-70 % من فواتيرها الضريبية لمدة سبع سنوات ويعفي المناطق الحرة من الضرائب والرسوم الجمركية، إلا أن المستثمرين في مصر يتخوفون دائماً من أن تكون الإصلاحات أكثر يسراً في المواد والقوانين عنها في أرض الواقع بسبب كثرة الخطوات التي يجب اتباعها لإنجاز المعاملات وعدم فاعلية منظومة الشباك الواحد الذي أُعلن عن إنشائه منذ سنوات طويلة دون جدوى.

جدل وانقسام
وكعادة المصريين، انقسم الخبراء ورجال الأعمال بين فئة مؤيدة تنتظر وصول «الرز» (الأرز) أي ضخ الأموال والاستثمارات بالمصطلح العامي المصري الحديث، وفئة معارضة ترى خطورة كبرى في السماح للمستثمرين بالاستعانة بالعمالة الأجنبية على حساب العمالة المصرية، ومنحهم أراضٍ بالمجان لاعتبارات الأمن القومي.
وتأرجحت فئة ثالثة بين القبول والرفض متسائلة عن جدواه في ظل سيطرة الموظف الحكومي الذي يعمل بمبدأ «فوت علينا بكره» أي المائل للتأجيل والتسويف بالمصطلح العامي المصري، على أسلوب إنجاز المعاملات الورقية في الهيئات الحكومية المصرية.
أما الفئة الرابعة فقد انبرت للتركيز على معركة الدكتورة سحر نصر، وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي، مع 5 وزارات أخرى بسبب ضم جميع الأراضي الاستثمارية العمرانية والصناعية والزراعية والسياحية إلى وزارتها ضمن القانون الجديد دون العودة إلى هذه الوزارات،وإسناد الوزير المختص بالاستثمار إصدار اللائحة التنفيذية للقانون بعد أن كان هذا الحق من اختصاص مجلس الوزراء بأكمله، بحسب موقع «مصر العربية».
وفيما رفضت الدكتورة سحر نصر اعتراض الوزراء الخمسة الغاضبين وشكواهم لرئيس مجلس الوزراء المهندس شريف إسماعيل، رأى بعض المراقبين، بحسب موقع مصر العربية، أن تولي الدكتورة سحر لحقائب تتعلق بالاستثمار وقطاع الأعمال هو أمر مثير للقلق خاصة أن زوجها مجدي طلبة هو أحد رجال الأعمال المعنيين بصناعة وتصدير النسيج والملابس، ومن ثم كان من الأولى عدم إسناد ملفات لها قريبة من طبيعة عمل زوجها.
كما تخوفت هذه الفئة من نظام تخصيص أراضي الاستثمار بسبب التنازع في الصلاحيات بين الوزارات والهيئات المختلفة، لأنه يغير من طبيعة هيئة الاستثمار بجعلها هيئة رقابية وتابعة لوزارة الاستثمار بعد أن كانت هيئة مستقلة معنية بالترويج وتيسير المعاملات الاستثمارية.

تحويل رأس المال بالدولار
ومع هذا التباين حول قانون الاستثمار الجديد، كان للمادتين (50) و (7) المتعلقة بتحويل رأس مال الشركات المصرية والأجنبية إلى العملات الصعبة ومن بينها الدولار، الكثير من الجدل، وهو الأمر الذي لم تتمكن منه الشركات الأجنبية العاملة في مصر سابقاً، معتبرة تلك المواد الجديدة خلاصاً لاستمرارها في السوق المصري. كما اعتبرها المؤيدون المصريون ضرورة لفك القيود على المستثمر لأن رحيله سيعود على مصر بنتائج غير مرجوة، خاصة أنه قام بتغيير العملة الصعبة داخل مصر لإقامة مشروعه وبالتالي إعادة تحويلها سيكون بمثابة عملية عكسية للعملية الأولى تتم وفقاً لضوابط البنك المركزي.
ولكن كيف ستحمي الدولة المصرية حقها في الحصول على العملة الصعبة في ظل شحها وعدم قدرة البنك المركزي على ضبط السوق، وتدهور قطاع السياحة، المدر الأكبر للدولار في مصر؟ يرى هنا بعض الاقتصاديين أن ترك الباب مفتوحاً أمام تغيير العملة وتحويلها قد يسبب خسائر للدولة، وهي في غنى عن ذلك حالياً، ويفتح الباب أمام طرح الشركات بالبورصة واستبدالها بالعملة الصعبة، كما أن بعض المستثمرين المصريين قد يلجأون للتلاعب عبر تحويل رؤوس أموالهم إلى عملة أجنبية تمهيداً لخروجهم من الدولة المصرية، والاستفادة من ارتفاع سعر الدولار.
وفي المقابل، يرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن المادتين ستجعل الشركات الأجنبية تتوجه بأرباحها بالجنية المصري للبنك المركزي وتقوم بتحويلها للعملة التي أنشئت الشركة بها رأس مالها وتحولها خارجاً، لتحقق بذلك أرباحاً بعملاتها الرسمية. في السابق، كانت الشركات الأجنبية تحقق أرباحاً من المبيعات بالجنيه المصري فقط وعند الانتهاء من السنة المالية تقوم بإرسال أرباحها للشركة الرئيسية بالخارج بقيمة الجنية المصري، وهذا الأمر أدى إلى إغلاق شركات كثيرة لعدم تحقيق مكاسب بقيمة بالجنيه المصري.

العمالة الأجنبية.. سلاح ذو حدين
وقد تكون المواد الخاصة بتحويل الأرباح بالعملة الصعبة ميزة للشركات الأجنبية، ولكن ترك الأمر بلا ضوابط قد يكون له تأثيرات أخرى، تماماً مثل ترك الباب مفتوحاً أمام توظيف العمالة الأجنبية، ولو وفقاً لنسبة معينة، حيث تشمل المادة (8) جملة تستثني بعض المشروعات الاستراتيجية ذات الأهمية الخاصة من النسب المشار إليها، وهي 10 % من إجمالي عدد العاملين بالمشروع، يُمكن رفعها إلى 20 %، وذلك في حالة عدم إمكانية استخدام عمالة وطنية تملك المؤهلات اللازمة.
وبينما تدافع الدكتورة سحر عن حرص وزارة الاستثمار على تدريب كوادر وطنية شابة خلال الفترة الاولى من تفعيل القانون، ومطالبة بعض أعضاء مجلس الشعب بزيادة النسبة في المشاريع الاستراتيجية التي تحتاج إلى تكنولوجيا عالية تقتضي الاستعانة بخبراء على درجة عالية من المهارات، يرى البعض أن تلك النسبة كبيرة، ولا تخدم الهدف الذي تسعى إليه الدولة من القانون في المساعدة على القضاء على البطالة التي بلغت 12.7 % من إجمالى قوة العمل بالربع الأول من 2016، شملت 27.3 % بين الشباب  من 15-29 سنة، بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
كما يتوقع البعض أن يحدث تجاوزات من جانب رجال الأعمال فيما يتعلق بنسبة الـ 20 % وربما تصل إلى 30 % أو أكثر، وهؤلاء سيتلقون رواتبهم بالعملة الصعبة يُمكنهم تحويلها للخارج دون قيود، ما يتعارض مع سياسة الدولة في توفير العملات الصعبة على المستوى الداخلي لتقليل الفجوة ما بين سعر الجنيه والدولار أو باقي العملات الأجنبية.

المناطق الحرة..صناعة محلية أم بوابة للتهريب؟
ولم تخلو المواد المتعلقة بالمناطق الحرة من الجدل أيضاً حيث يتصور العاملون على إعادتها للحياة مجدداً أن إلغائها يضيف أعباء كبيرة على الدولة المصرية، وقد يؤدي إلى إغلاق شركات كثيرة مصر في أشد الاحتياج إليها لزيادة الإنتاج ومعدلات النمو وتخفيض نسبة البطالة، كما أن 50 % من إنتاجها أو أكثر يتم تصديره للخارج وبالتالي يدخل للبلاد عملة صعبة.
وبينما ترتاح جمعية رجال الأعمال المصريين لعودة العمل بها لأنه يفتح المجال أمام تنشيط الصناعة المحلية، وخلق فرص عمل كبيرة للشباب العاطل، و جلب عوائد مادية للدولة من الجمارك، إلا أن خبراء الضرائب يقترحون ضرورة أن تُفرض الضرائب في المناطق الحرة على الايرادات بنسبة 2 % وليس على صافي اﻷرباح بنسبة 22.5 %، لتشجيع الشركات بشكل صحيح.
المتشككون في جدوى عودة المناطق الحرة يسيطر على تفكيرهم حالة الفوضى العارمة السابقة في تلك المناطق، فوفقاً لرأيهم، كانت منفذاً للفساد وللتهريب، وعلى الحكومة المصرية، إن كانت جادة في القضاء على التهريب، وضع ضوابط مشددة لسيطرة عليها في اللائحة التنفيذية. تخوفهم الآخر يكمن في ضرورة منح الاعفاءات الضريبية والمزايا الاستثمارية بمشاريع المناطق الحرة أو المناطق الصناعية لمشروعات تحتاجها الدولة وليس لأشخاص معينة كما كان يحدث في الماضي، علماً بأنها أنشئت بالأساس للتغلب على معوقات الاستثمار الممثلة في البيروقراطية والفساد ولكنها تحولت فيما بعد إلى عكس ذلك.
ووفق الإحصائيات الرسمية، يعمل بالمناطق الحرة ما يقرب من 83 ألف عامل بأجور سنوية تقدر بـ95 مليون دولار، بخلاف فرص العمل غير المباشرة التي تستفيد من خدماتها هذه المشروعات، فيما قامت الهيئة العامة للاستثمار بتحصيل رسوم من مشروعات المناطق الحرة الخاصة بقيمة 30.8 مليون دولار خلال عام 2016، وأسهمت في الحد من عجز الميزان التجاري خلال عام 2016 بفائض بلغت قيمته 188 مليون دولار.
وضمت المناطق تلك 209 مشروعاً حتى 31 مارس/آذار الماضي، برؤوس أموال تجاوزت 5 مليار دولار وتكاليف استثمارية تجاوزت 11.3 مليار، و وفرت على الدولة أكثر من 10 مليارات دولار من تكلفة البنية الأساسية، بحسب التقارير
واستحوذت المناطق الحرة الخاصة على نسبة 9.4 % من حجم الصادرات السلعية غير البترولية الخارجية بقيمة 1560 مليون دولار خلال العام المالي 2015/2016، وعلى 13.8 % من إجمالي الصادرات الصناعية الخارجية بقيمة 1532 مليون دولار خلال العام المالي 2015/2016، وعلى 15.3 % من الصادرات الخارجية من الملابس الجاهزة، بحسب البنك المركزي المصري.
وعلى نفس القدر من الأهمية، تجاهل القانون إعادة المادة الخاصة بإنشاء المناطق التكنولوجية رغم أن مصر، نظراً للنسبة العالية من الشباب في سكانها وخبرتهم المتطورة في مجال تقنية المعلومات، تستطيع أن تدر لنفسها ملايين الدورلات، لو سهل القانون للشباب إنشاء مشروعات تقنية وابتكار تطبيقات يتم تصديرها إلى الخارج بكثافة.  

مزايا للأجنبي على حساب المصري
كما نشبت حالة من الجدل حول المادة (3) المتعلقة بمعاملة المستثمر الأجنبي معاملة تفضيلية فيما دافع بعض أعضاء مجلس الشعب المصري عن تلك المفاضلة التي تتماشى، في رأيهم، مع ما نص عليه الدستور الجديد، لافتين إلى أن فلسفة القانون ترتكز على منح مميزات للمستثمرين، وهو الأمر الذي سيتم وفقاً شروط. اللافت هو دفاع محمد السويدي، رئيس ائتلاف دعم مصر، عن تلك المادة حيث قال إنها نقطة أساسية خاصة وأن القيادة السياسية تتعرض للإحراج في الخارج بعد توجيه انتقادات لها بعدم المعاملة بالمثل للمستثمرين لأن المستثمرين المصريين يحصلون على مميزات لدى تلك الدول في حين لا تتعامل مصر بذات المعاملة. هذا الرأي خالفه العديد من الخبراء الاقتصاديين الذين رأوا فيه وصفاً غير دقيق للواقع حيث لا تمنح الدول مزايا تفضيلية للمستثمر المصري تحديداً ولكنها مزايا عامة لجميع المستثمرين.
ومؤخراً، أعلنت وزارة المالية المصرية أن الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية الحكومية بمصر ارتفعت إلى 103.6 مليار جنيه مصري (5.74 مليار دولار) منذ تحرير سعر الصرف في 3نوفمبر/تشرين الثاني وحتى 9 مايو/آيار الجاري، فيما ارتفع الرقم من 91.8 مليار جنيه في 25 إبريل/نيسان الماضي.
واعتادت مصر على جذب تدفقات كبيرة في السندات وأذون الخزانة الحكومية قبل الثورة المصرية في العام 2011 عندما بلغت 11 مليار دولار، فيما تدعي الوزارة أن قرار البنك المركزي لتعويم العملة بنوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الذى نتج عنه فقدان الجنيه لنصف قيمته، في إنعاش التدفقات الأجنبية إلى السندات وأذون الخزانة الحكومية.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج