ما أثر التنمية المدنية على تحقيق المساواة الاجتماعية في المدن؟

شكّل العام 2008 نقطة فاصلة في التاريخ، فبهذا العام فاق عدد سكان الأرض الذين يعيشون في المدن أولئك الذين يعيشون في الأرياف، وذلك يحدث للمرة الأولى على الإطلاق.
ما أثر التنمية المدنية على تحقيق المساواة الاجتماعية في المدن؟
بقلم: فافا فالبور، المدير المسؤول في شركة يونايتد ورلد انفراستركتشر (UWI) .
بواسطة أريبيان بزنس
الأحد, 09 أبريل , 2017

شكّل العام 2008 نقطة فاصلة في التاريخ، فبهذا العام فاق عدد سكان الأرض الذين يعيشون في المدن أولئك الذين يعيشون في الأرياف، وذلك يحدث للمرة الأولى على الإطلاق.

حيث تتوقع الأمم المتحدة أنه بحلول العام 2050 سيعيش ثلثي سكان الأرض في المدن، بزيادة تقدّر بـ 2.4 مليار فرد يعزى ما يقارب نصفها إلى الهجرة القروية. وبالنسبة للمهاجرين من القرية أو سكان المدينة الحاليين، تعد المدينة بمستقبل أفضل من خلال مستويات الدخل المرتفعة والوصول لمعدلات أفضل من التعليم والرعاية الصحية، كما توفر المدن فرصاً تسهّل الترقي الاجتماعي من خلال توفير الوصول الأسهل للأسواق والتدريب الرسمي وغير الرسمي وشبكات التوظيف. حيث برز هذا الجانب الإيجابي في الصين في الفترة ما بين 1980 و2013، عندما ارتفعت نسبة التمدن من 18% إلى 53% مع انخفاض كبير في نسبة الفقر من 84% إلى 10%.

ومع ذلك فإن فوائد التمدّن لا تنعكس بشكل عادل على كافة أفراد المجتمع في أغلب الأحيان، ولا تصل بكفاءة لكل من يبحث عنها، فالمدن توفر الفرص للكثيرين، لكن يتوجب على فقراء المدن تخطي تحديات أكبر بشكلٍ يخلو من المساواة مع أولئك ذوو الدخل المرتفع. وانعدام المساواة هذا يلقي بظلاله على العديد من الجوانب، إذ يؤثر في الدخل أو السكن أو النقل أو التعليم أو الوصول الرقمي أو التمثيل السياسي وغيرها الكثير. ومفتاح الحل يتمثل في دعم تنمية المدن بطريقة تتيح الترقي الاجتماعي والمساواة بين أبناء الجيل الواحد من خلال القضاء على انعدام الكفاءة المدنية التي توقع العائلات في دوامة الفقر.

إن عدم المساواة في المجتمع وما ترسخه من حالة الفقر تظهر جليةً في مناطق السكن العشوائي والأحياء الفقيرة على أطراف المدن المزدهرة. وفي حين أكثر من 881 مليون شخص يعيشون في مناطق السكن العشوائي في كافة أرجاء العالم، غالباً ما يلجأ السكان لهذا الحل حتى يكونوا على مسافة أقرب من الفرص التي توفرها المدن. وعلى غرار منطقة العشوائيات في ريو دي جانيرو والتي يطلق عليها اسم فافيلاس، هذه المناطق تشكّل في معظم الأحيان شبكةً للمهاجرين الواصلين حديثاً للتعرف على فرص العمل وتأسيس أنفسهم كجزء من المجتمع. وعلى مر العصور والأجيال، تتاح الفرص للسكان للانتقال إلى التجمعات السكنية وفرص العمل الأكثر تنظيماً، لكن ذلك لا ينطبق على جميع الحالات.

هذا التمييز يفاقم المعانة لدى الأسر ذات الدخل المنخفض، سواء كانوا يعيشون في العشوائيات أو في التجمعات السكانية الفقيرة، وغالباً ما يتم حرمان الفقراء من سكان المدينة من البنى التحتية اللائقة والخدمات البلدية والحدائق ونظم النقل الجماعي المريحة وفرص التعليم والخبرات الفنية والثقافية والوظائف المستقرة، وذلك حتى بوجود شبكة واسعة من الأقرباء والأصدقاء، هذه العوامل تساعد على جرّهم إلى المزيد من الفقر والتضييق على فرص التطور. وعند تطبيق الحل التقليدي بتوفير نظم نقل جماعي مناسبة، غالباً ما يتم إغفال الأطراف الأكثر حاجةً لهذه الحلول، وهي العائلات الفقيرة التي لا تمتلك سيارات خاصة. ومن أهم احتياجات هذه المجتمعات هو خطة رئيسية متعددة الاستخدامات، تضم حلولاً لأماكن العمل والتسوق والرعاية الصحية والتعليم.

وخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، استطاع العُمد الذين تعاقبوا على مدينة ميديلين في كولومبيا النجاح في تطبيق مبادرات للبنى التحتية والتي تعرف باسم التمدّن الاجتماعي، وهو ما قدّم فوئد جمّة لتجمعات السكن العشوائي مثل تطوير الخدمات البلدية وتعزيز الثقافة الاجتماعية والفنية وتوفير نظام نقل بالتلفريك يربط السكان في مناطق السكن العشوائي بالوظائف في مركز المدينة. هذه التجمعات السكانية تثري المدينة بعدد كبير من القوى العاملة وتمثل عنصراً هاماً للاقتصاد المدني، وتطوير هذه المجتمعات الشعبية وحمايتها من خلال مثل هذا النوع من التحسينات على المدى الطويل، وهو أكثر فائدة من هدم هذه التجمعات واستبدالها.
وعلى الرغم من أن إنشاء مجتمعات شاملة تسهّل الوصول إلى فرص العمل والترقي الاجتماعي هو مسؤولية الحكومات، لكن مشاركة القطاع الخاص أمرٌ هام أيضاً، حيث يمكن للمستثمرين الالتزام بتمويل وتخطيط وإدارة المدن بطريقة توفر الربح المادي لهم وبنفس الوقت الفائدة الاجتماعية للمجتمع ككل، فالعديد من مشاريع البنى التحتية في ميديلين تم تمويلها من قبل الشراكات مع القطاع الخاص.

ومن الأساليب التي تجذب شركاء القطاع الخاص تطبيق أطر العمل التي تدعم الحوافز الملموسة وغير الملموسة، ففي فانكوفر، إحدى أغلى مدن العالم، اقتضت الحاجة لتوفير سكن بسعر مقبول إلى البحث عن حلول مبتكرة، فقد تم تحفيز المطورين من القطاع الخاص لبناء وحدات سكنية ذات أسعار متاحة وحدائق ومساحات لعب من خلال تزويدهم بحقوق تأسيس مجمعات سكانية شاهقة وذات كثافة عالية من السكان.

وتبرز نتائج مبهرة عندما يتم خفض مستويات الفصل السكاني أو الحد منها نهائياً، على غرار ما تم في فانكوفر وميديلين، فقد كشفت دراسة أمريكية إلى أن الأطفال بعمر أقل من 13 سنة وينتقلون من مكان ذو مستويات عالية من الفقر إلى أحياء أقل فقراً من خلال القسائم الحكومية فإن تحصيلهم العلمي يتحسّن وبالتالي تزداد فرص حصولهم لاحقاً على دخل سنوي أعلى عند تخرجهم بنسبة زيادة في دخلهم تصل حتى 31% مقارنةً بالذين بقوا في مجتمعاتهم الفقيرة. هذه المنافع الاقتصادية العامة أكثر فائدة للحكومة بالمقارنة مع تكلفة نقل هذه التجمعات السكنية.

في الواقع إن النتائج الإيجابية يمكن تحقيقها لأطفال العائلات ذات الدخل المرتفع أو المنخفض عندما يعيشون في أحياء ذات تنوع اقتصادي، ففي العام 2009 وبعد دراسة 38,000 طالب، خلص ريتشارد كاربينو، العالم الاجتماعي في جامعة بريتيش كولومبيا إلى أن الأطفال الذين أجريت الدراسة عليهم في المدن الكندية حصلوا على نتائج دراسية أعلى عندما كانت أحياؤهم تتضمن تساوياً في العائلات ذات الدخل المنخفض والمرتفع.

وبشكل تقليدي، يساعد التمدّن على تمهيد الطريق للعديد من الفرص، وبالمقابل فإن زيادة معدلات عدم المساواة تهدد بتدمير الأثر الإيجابي التي تساهم به المدن تجاه البلد والعالم ككل. ومن خلال التوازن المدروس للتعاون والجهود المشتركة بين القطاعين العام والخاص، يمكن للتنمية المدنية المساعدة في جعل المدن أكثر مساواة في القرن الواحد والعشرين، مع تعزيز القدرة على احتواء الانفجار السكاني المتوقع في المدن خلال السنوات الخمس والثلاثين القادمة.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج