منير الكالوتي: ملك الذهب

من بداية تجارية متواضعة اعتمدت على شراء وبيع المعادن الناجمة عن مخلفات شركات النفط في أبو ظبي في أواخر أعوام الستينات من القرن الماضي، استطاع منير الكالوتي الرئيس التنفيذي لمجموعة الكالوتي بناء إمبراطورية أعمال بلغت قيمة عمليات تداول الذهب والمعادن الثمينة عبرها العام الماضي، أكثر من 32 مليار دولار.
منير الكالوتي: ملك الذهب
بواسطة Anees Dayoub
الأربعاء, 07 أغسطس , 2013

من بداية تجارية متواضعة اعتمدت على شراء وبيع المعادن الناجمة عن مخلفات شركات النفط في أبو ظبي في أواخر أعوام الستينات من القرن الماضي، استطاع منير الكالوتي الرئيس التنفيذي لمجموعة الكالوتي بناء إمبراطورية أعمال بلغت قيمة عمليات تداول الذهب والمعادن الثمينة عبرها العام الماضي، أكثر من 32 مليار دولار.

لم أتوقع وأنا ذاهب لمقابلة منير الكالوتي الرئيس التنفيذي لمجموعة الكالوتي في مقر المجموعة بأبراج بحيرات الجميرا بدبي، أن تكون هناك أية إجراءات أمنية روتينية في المبنى. لكن دهشتي من تلك الإجراءات سرعان ما تبددت منذ اللحظة الأولى التي استقبلني فيها منير الكالوتي مبتسماً ومرحباً داخل مكتبه في الطابق 30 من المبنى المطل على مارينا دبي وشارع الشيخ زايد.

منير الكالوتي المولع بصيد السمك، والذي يذهب برحلات صيد سمك كل عام حول العالم، يستحق بجدارة لقب ملك الذهب، ليس فقط لإمبراطورية الذهب والمعادن الثمينة التي بناها، بل أيضاً لخبرته التي قل مثيلها في كل شئون المعدن الأصفر الذي لا يصدأ. فلدى الكالوتي معلومات موسوعية بشئون الذهب وأحواله وأسعاره ومن يسيطر عليه، ولديه أيضاً خبرة قل مثيلها بتصفيته، وصولاً إلى بيعه وشراءه ونقله وتخزينه. فمن محل صغير للذهب، في سوق دبي، ومصفاة صغيرة للذهب في الشارقة بقدرة تصفية تبلغ بضعة كيلوغرامات، تستطيع مجموعة الكالوتي هذه الأيام تنقية ما بين 350 و400 طن ذهب سنوياً. ليس هذا فحسب، بل أن مجموعة الكالوتي استطاعت مد إمبراطورية أعمالها وشراكاتها، إلى دول بعيدة جغرافياً في أمريكا اللاتينية كسورينام على سيبل المثال. بداي سالت أريبيان بزنس، منير الكالوتي عن بداية مجموعة كالوتي وأنت شخصيا مع الذهب؟ فأجاب.

شراء المخلفات

في الواقع، فان بدايات أعمالنا في عالم التجارة والأعمال بدأت في تجارة المعادن في أبو ظبي في أواخر عام 1968 أو بداية عام 1969 بالمعادن عموماً وبشكل خاص بالمعادن غير الحديدية كالنحاس والألمنيوم والرصاص. حينذاك كنا نقوم بشراء مخلفات شركات النفط التي جاءت للتو للعمل في إمارة أبو ظبي، وحينذاك كانت مخلفات هذه الشركات كبيرة في حقول النفط، فكنا نحن نشتري تلك المعادن ونجهزها للشحن خارج الإمارات عن طريق الشحن البحري لأنه لم تكن هناك في ذلك الوقت طرق برية تربط أبوظبي بدول الجوار في المنطقة ما عدا طريق يربط أبو ظبي بمدينة العين وآخر ترابي غير معبد يربط أبوظبي بدبي. كنا نحن نقوم بشحن تلك المعادن إلى قطر ومن هناك إلى سورية والأردن ولبنان ونقوم ببيعها. كان معظم تلك المواد من لدائن مادة الرصاص التي كانت تستخدم في صناعة بطاريات السيارات والسيارات والماكينات الكبيرة وغيرها.

لقد سار العمل بهذه الطريقة لفترة طويلة، ومن ثم بدأنا في مجالات الكابلات الكهربائية حين بدأت شركات الكهرباء تتقدم وتضع عطاءات وتبيع مخلفات، وكنا أول من انتبه لهذه الناحية وبدأ هذا النوع من التجارة. ولقد واصلنا هذا النوع من العمل في أبوظبي حتى عام 1976 على وجه التقريب، حيث انتقلنا إلى دبي وحافظنا على نفس النشاط كما أضفنا إلى عملنا نشاطات أخرى كانت موجودة هنا في دبي كتجارة المواد الغذائية. وقد واصلنا هذا العمل من عام 1976 وحتى عام 1988 تقريباً. نعم كان معظم نشاطنا يتركز في تجارة المواد الغذائية والمعادن غير الحديدية.

موظفان فقط

هذه كانت البدايات. لكن وفي عام 1988 تخرج منذر المدقة وهو ابن شقيقتي من جامعة إيطالية كجوهرجي وكصانع حلى ذهبية بعد 3 أو 4 سنوات من الدراسة الأمر الذي أحدث تحولاً بارزاً في نشاطنا. حينها باشرنا العمل بالذهب من خلال محل صغير من باب واحد في سوق الذهب بدبي، ولم يكن ذلك المحل في الشارع الرئيسي من السوق بل كان في أحد شوارعه الفرعية.

وكان منذر المدقة قد تعلم أيضاً مهنة فحص الذهب أي تحديد عيار الذهب، بطرق كيماوية وقد عمل لدى شركة إيطالية لفترة من الزمن. كان هذا عام 1988 وحينها كان لدينا موظفان فقط ومن ثم زادوا إلى 4 . بعد ذلك اتسعت أعمالنا شيئاً فشيئاً وانتقلنا إلى محل أكبر وهكذا، وبعد ذلك أنشأنا أول مصنع للذهب في الشارقة، لكن معظم أعمالنا ومكاتبنا وعمليات البيع ظلت في دبي. كان مصنع الشارقة صغيرا في البداية لكنه بدأ بالتوسع وبصناعة المجوهرات إلى أن أصبح من أكبر المصانع ليس فقط في الشارقة بل في الإمارات.

وفي أواخر أعوام الثمانينات وبداية التسعينات صار هناك عرض سبائك في الدول المجاورة فانتهزنا هذه الفرصة وبدأنا العمل بمصفاة ذهب صغيرة استطاعتها لا تتعدى 8 كيلوغرامات ذهب يومياً أي أنها تقوم بتنقية الذهب غير الصافي إلى ذهب صاف. هكذا كانت البداية في ما يخص مصفاة الذهب، ومن هذه المصفاة الصغيرة توسعنا في نفس المكان لمصفاة أكبر وأكبر وطبعا بالجهد والتوفيق من الله عز وجل حتى وصلنا العام الماضي إلى تنقية ما بين 350 و 400 طن ذهب.

لديكم العديد من مصافي الذهب.. لكن هناك التباس في عبارة مصفاة للذهب لدى الناس العاديين.. ماذا تعني هذه العبارة؟.

سأختصر لك فكرة المصفاة. المصفاة هي تصفية أو تنقية الشوائب من الذهب من أي مصدر كان سواء كان ذهب المناجم أم الذهب الملتقط من فوق سطح الأرض أو حتى ما نسميه (ذهب الكسر أو ذهب المشغولات). كل هذه الأنواع من الذهب توجد بها نسبة ما من الذهب والنسبة الباقية من الشوائب. وللإيضاح فان نسبة نقاوة الذهب في بعض مناجم العالم تبلغ 90 بالمائة وفي بعضها الآخر تبلغ هذه النسبة 50 أو 60 بالمائة فقط. على أية حال ومهما كانت نسبة نقاوة الذهب الذي يأتينا فان لدينا طرقا لتنقيته وتصفيته وجعله 24 قيراطا كما يطلق عليه بالعامية أو ذهبا خالصا وفق التعبير العلمي. وعبارة الذهب الصافي (pure gold) تعني رقميا نسبة بالألف أي من نسبة تبلغ 9995 بالألف إلى 9999 بالألف كأعلى نسبة نقاوة.

أما الآن فهناك تقنية جديدة لتصفية الذهب تعطيك ذهباً خالصاً تبلغ نسبة نقاوته 99999 بالألف، وهذا يعني أن نسبة الخطأ في العيار تبلغ 1 إلى 10.000. وهذه النسبة هي في الحقيقة توضع من باب التحفظ لأن الذهب حساس جدا وقد تغير نسبة نقاوته نسمة ما في الهواء العادي.

أكواريجا

كما أن الذهب يمكن أن يكون في 3 أو 4 حالات، حيث يمكن أن يكون صلباً يمسك باليد ويمكن أن يكون سائلا أو حتى غازياً في الجو، ويمكن استرجاعه، كما يمكن أن يكون على شكل أكسدة مع مواد أخرى وهذه حالة قليلة الوجود. وعلى أية حال فان الذهب في صناعة التصفية يمر بهذه الحالات الثلاث الأساسية أي سائل وغازي وصلب. تصفية الذهب ومنذ أن عرفت البشرية الذهب، له طريقة كيماوية بسيطة لتصفيته وكان يسمى في الزمن الغابر أكوا ريجا وهي باليونانية تعني (ماء الملوك). فمنذ أيام الفراعنة وذهبهم هناك طريقة كيماوية تستخدم فيها الحوامض لمعالجة وتنقية الذهب، بحيث تجعل الذهب يذهب غلى جانب والشوائب إلى جانب آخر. ومع أن أساليب تنقية الذهب قد تطورت كثيرا وبخاصة خلال السنوات العشر الأخيرة فان طريقة التصفية وفق ما يسمى أكوا ريجا لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا. وقد دخل نظام جديد للتنقية يدعى سيستم «الإلكترلوسيز» أي النظام الكهربائي أو الإلكتروني للتنقية، وهذه التقنية تعتمد على آلية سحب ذرات الذهب وإبعادها عن أية شوائب من خلال التحكم بذرات الذهب فقط، وسحبها من مكان إلى آخر بحيث يتم الحصول على ذهب صاف. وهذه الآلية تعطي نتائج عالية جدا أي 99999 التي تعني عمليا ذهبا من عيار 24 قيراط.

برأيكم ماذا حدث لأسعار الذهب عالمياً في الأسابيع الأخيرة.. ما هي أسباب الهبوط الكبير في الأسعار؟.

تتركز خبرتنا في مجال تنقية الذهب، وليس في مجال تجارة الذهب، نحن بالفعل خبراء تنقية وتصنيع وليس متاجرة. التجارة بالذهب تعتمد على التوقعات والأحوال السياسية والاقتصادية والحروب وإلى ما هنالك من أسباب. المعروف أن هناك اعتمادا كبيرا على التوقعات في ما يخص أسعار الذهب في البورصات العالمية. مسألة أسعار الذهب هي بالفعل مسألة حساسة جداً. فهي تعتمد على حجم الإنتاج السنوي من الذهب. والذهب يتفاعل مع أي حركة عالمية وحتى مع أي تصريح، وأحيانا نرى أسعاره ترتفع في حالات الحرب وأيضا في حالات السلم. والأسعار تتأثر أيضا بعمليات قيام الدول بطبع العملة، كما يحدث الآن في أمريكا وأوروبا بشكل غير مدروس وبدون رصيد من الذهب في المقابل. هناك تريليونات من الدولارات التي يتم طبعها سنويا دون أن يكون لها داعم كالذهب، فمن الذي يضمن قوة تلك العملات؟. دول مدينة بدرجة كبيرة تقوم بطبع العملة دون حسيب أو رقيب، لدرجة أن دولة كأمريكا مدينة بمبالغ خيالية تجعل من كل فرد أمريكي مدين بأكثر من 50 أو 60 ألف دولار (إذا قسمنا الدين العام الأمريكي على عدد الأفراد). والغريب أن أمريكا مدينة للصين، التي إذا عمدت إلى استرجاع ديونها فان أمريكا ستنهار. في هذه الحالة فان رجال الاقتصاد ورجال البنوك وحتى الدول تلجأ إلى الذهب باعتباره ملاذاً.

ذهب السبائك

لقد حلقت أسعار الذهب عند 1700 و1800 دولار للأونصة على مدى السنوات الماضية، لكن لماذا حدث الانهيار الأخير في أسعار الذهب منذ حوالي 3 أشهر وإلى الآن، ولماذا يستمر الذهب بالتراجع في هذه الأيام؟. السبب الرئيس هو أن الاقتصاد الأمريكي يتحسن بشكل غير متوقع. فمؤشرات الأسواق الأمريكية من بورصة ناسداك وغيرها تظهر أرقاماً لم تكن لتحلم بها من قبل. كل هذا جعل الناس يهربون من الذهب لأنه أي الذهب لا يدر دخلاً. الذهب يمكن تخزينه كملاذ آمن، لكن لا يمكن تشغيله، وفي هذه الحالة فان أسعار الذهب إن ارتفعت، تكون في صالح من يقتني الذهب، لكن الذهب كما أسلفت لا يمكن تشغيله. الذهب الذي يمكن تشغيله في صناعة المجوهرات لا يشكل سوى جزء بسيط من كل الذهب في العالم أي بحدود واحد إلى 10.000. القسم الأكبر من مخزون الذهب العالمي هو ذهب السبائك لدى البنوك والدول. الصين لوحدها اشترت خلال شهر أبريل/نيسان الماضي 230 طناً من الذهب. هذه الدول التي لديها إمكانيات واقتصادات قوية تلجأ للذهب أقصد الصين والهند. حكومة الهند تدعم عملتها بالذهب ولديها مخزون كبير من الذهب، هذا عدا عن ولع الهنود العاديين بالذهب فالهنود شعب يعشق الذهب.

ما حدث مؤخرا هو أن هناك جهات (مؤسسات كبيرة وبنوك) باعت الذهب بكثرة وانتقلت إلى السيولة المالية، ولأن هذه السيولة كانت كبيرة فقد استخدمت في أسواق الأسهم لأن الفوائد على ودائع العملات قليلة، وليست ذات معنى، السيولة انتقلت للأسهم وبشكل خاص إلى أسهم الأسواق الناشئة أو الصاعدة ، وهذا ما رفع قيمة الأسهم أكثر وأكثر مثلما حدث عندنا هنا في دبي في الأسبوع الأخير من أبريل، حين لامس سهم إعمار حوالي 6 دراهم، مقابل 3 دراهم في مطلع العام الحالي 2013، وهذا مستوى لم يكن يحلم به أحد من قبل وعلى مدى سنوات. التوجه إلى الأسهم وإلى الاحتياطيات المالية باعتبارها أكثر فائدة هو الذي سبب تراجع أسعار الذهب. الاستثمارات الأخرى بغير الذهب تعطي فائدة قد تبلغ نحو 10 بالمائة، أما أسعار الذهب فقد راوحت في مكانها تقريبا على مدى سنوات وإن ارتفعت أو تراجعت بحدود 50 دولاراً للأونصة. لذلك فان شركات التحوط الكبرى وصناديق الاستثمار الكبرى هي الأخرى بدأت ببيع الذهب وتحولت إلى الأسهم .

هناك توقعات كثيرة بعضها متفائل والآخر متشائم بمستقبل أسعار الذهب..كيف ترون السعر في غضون السنوات الخمس المقبلة ولماذا؟.

من الصعب جداً التنبؤ بأسعار الذهب على مدى سنوات. أنا شخصيا أستطيع القول أن أسعار الذهب على المدى القصير ستهبط، إلى حدود 1300 - 1400 - 1450 دولارً للأونصة، ولكن على المدى الطويل فانه ما لم يتم حل مشكلة الديون الأمريكية والديون الأوروبية، وما لم تتم العودة لإسناد الدولار الأمريكي أو العملة الأوروبية، باحتياطي الذهب، وليس باقتصاد الدول المعنية كما هو الحال الآن حيث يتراجع أداء هذا الاقتصاد مثلما حدث في دول عديدة وبخاصة أمريكا التي تراجع اقتصادها إلى الحضيض في عام 2008، فان أسعار الذهب ستتعزز. ساختصر فأقول أن أسعار الذهب على المدى القصير ستتراجع، ولكن أذا لم يتم حل المشاكل الاقتصادية العالمية الكبرى التي تسوق باقي العالم من وراءها، فان أسعار الذهب ستعاود الصعود على المدى الطويل.

تتوسعون كثيراً في أمريكا اللاتينية.. لماذا أمريكا اللاتينية بالذات دون غيرها؟.

نحن لسنا أبداً جدداً في قارة أمريكا اللاتينية. نحن هناك منذ نحو 20 سنة وبالذات في دولة سورينام، التي يتواجد فيها الذهب بكثرة والتي هي جارة لدولة كبيرة وفيها احتياطي ذهب كبير أي دولة فنزويلا. وفي سورينام توجد أكبر شركتي تنقيب عن الذهب إحداها كندية والثانية أمريكية لأن لدى سورينام مناجم ضخمة أحدها كلف شركة أمريكية ضخمة (أحد حيتان التنقيب) نحو 2 مليار دولار. وهناك تجار سمحت لهم حكومة سورينام بالتنقيب عن الذهب ولو بطريقة بدائية، على ضفاف الأنهر. وهؤلاء يجنون ذهباً فهلا حتى من خلال هذه التقنيات البدائية، ونحن نقوم بشراء الذهب منهم، وبكميات لا بأس بها. الشركات في المناجم الكبيرة تشك بأن الحكومة ولذلك فقد تم اختيارنا كمنظم لعملية إنتاج الذهب ككل، ودخلنا في مشاريع شراكة معهم وأيضا مع أبناء سورينام، ومع الحكومة بنسب بسيطة بحدود 10 بالمائة. والآن فإننا نستعد خلال فترة تقل عن العام لمباشرة أعمال تصفية الذهب هناك في سورينام تحديدا ولخدمة باقي مناطق أمريكا اللاتينية الأخرى. ليس هناك بنية تحتية لصناعة الذهب وليس لديهم مصاف لتنقية الذهب، الشركات العالمية هي التي لها الباع الطويلة هناك. نحن وجدنا هناك فرصاً استثمارية جيدة، صحيح أن المنطقة بعيدة، لكن في عالم اليوم لم يعد هناك منطقة بعيدة بسبب سرعة الطائرات وحداثتها.

أعلنت شخصياً قبل فترة أن قيمة عمليات التداول بالذهب والمعادن الثمينة عبر كالوتي بلغت 32 مليار دولار.. هذا رقم كبير جداً.. كم كان مبلغ الربح من تلك التعاملات؟.

لقد أجرى معي صحفيون كثيرون مقابلات صحفية غير أن أحداً لم يوجه لي سؤالا كهذا. ويضيف منير كالوتي مبتسماً : من الواضح أنك تقرأ ما بين السطور . سؤالك واضح والجواب بسيط، وأنا لن أعطيك أسرارا: نعم بالفعل فان أرقام التعاملات بالذهب والمعادن الثمينة بلغت 32 مليار دولار للداخل والخارج (أقصدin and out) أي أن البضاعة تدخل، فيتم تصنيعها ثم تخرج. ليس من سياستنا إعلان مبالغ الربح ولكن يجب توضيح أن حجم عمليات التداول الكبير، لا ينعكس بالضرورة كنسب ربح معينة لنشاطات تجارية أخرى. صحيح أن هناك نسب ربح في نشاطات أخرى، لكن وفي عالمنا نحن (عالم الذهب والمجوهرات) فان الأمور تختلف كثيرا. نحن أقرب شبها بالبنوك ومحلات الصرافة إلى حد ما. نحن نغطي معظم حلول الذهب سواء لجهة التصنيع أو التحليل أو التمويل إلى آخر ما هنالك من حلول. لكن المؤكد أن نسبة الربح في هذا المجال محدودة جدا بل وحتى هامشية. وعلى أية حال بإمكانك سؤال البنوك عن ذلك وعن نسبة الربح من التعامل بأونصة الذهب (وبالمناسبة فان البنوك الكبرى كستاندارد تشارترد وغيرها لا تخفي هذه النسبة) ولذلك فان الرقم الكبير لقيمة عمليات التداول لا ينعكس بالضرورة أرباحاً كبيرة. نسبة الربح بالأونصة الواحدة التي بلغ ثمنها في بعض الأحيان 1700 دولار والآن 1400 دولار، هي 00.15 بالمائة فقط .

أرباحنا هامشية

نسبة ربحنا ليس كما يعتقد الصحفيون بأنها 3 أو 5 بالمائة، أو 2 بالمائة من أصل مبلغ 2 أو 3 مليار دولار، نحن مصنعون ولسنا كالبنوك التي تربح من كل تعامل، ولذلك فان أرقامنا تتضخم أقصد أرقام قيمة عمليات التداول لكن هذا لا ينعكس ربحاً. نسبة الربح على الأونصة لا يتعدى 2 أو 3 دولار لمن لديه مصادر رخيصة من الذهب. وإذا ما أخذت سعر أونصة الذهب في الاعتبار فان نسبة الربح لا تتعدى واحدا بالألف أو حتى أقل من ذلك.

من وجهة نظرك الشخصية.. كيف تنظر إلى قوانين تجارة الذهب عالمياً، هل تعتقدون أنها تنطوي على معوقات تقف في وجه تجار الذهب.. أم أنها جيدة برأيكم؟.

نلاحظ منذ سنوات، وبالذات خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية تطبيق قوانين أشد على مستوى العالم، وليس فقط على مستوى المنطقة، وأيضا من جانب حكومة دبي ومن جانب مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC) على الذهب وعلى حركته. هناك أكثر من جهة في منطقتنا تتعرض للحرب من جانب قوى كبرى لا نريد تسميتها. كما أن الأمم المتحدة تتابع بدقة شديدة عمليات تنقل الذهب في العالم وخصوصا الذهب القادم من دول عليها علامة استفهام كما يقال. أنت بالتأكيد سمعت بعبارة «ذهب الدم» أو «ألماس الدم» أي الذهب والألماس القادم من مناطق أفريقية حيث يتم استخدام أموال المعادن الثمينة في الحروب وفي تمويل العصابات أو حيث يتم تشغيل الأطفال في المناجم أو حيث تندلع حروب أهلية داخلية بين القبائل وعصابات التجار. بالطبع فان العالم والأمم المتحدة تتصدى لهذا النوع من تجارة الذهب وتمنع التعامل فيه.

نحن والبنوك

أحيانا يكون الذهب وسيلة لفك حصار عن دولة معينة. نعم هناك تعليمات مشددة ليس هنا فقط في دبي بل على مستوى العالم ككل، لمعرفة مصدر بضاعة الذهب والتأكد من مصدرها، ومن هم الأشخاص الذين يتعاملون به. في الولايات المتحدة هناك اهتمام كبير بتبييض الأموال وهناك تشديد كبير على ذلك. نحن عندما نفتتح حساباً لأي زبون تماما كما تفعل البنوك، فان على الزبون أن يملأ استمارات وملفات كبيرة عن نفسه وعن عائلته وعن طبيعة عمله وما هي رخصه التجارية وما هي الدولة التي ينتمي إليها إلى آخر ما هنالك. نحن هنا من الشركات القلاقل هنا في دبي التي ترتبط مع نظام عالمي (world check) وهو نظام للأمن العالمي. وقبل أن نتعامل مع أي زبون فان بإمكاننا من خلال هذا النظام معرفة ما إذا كان مطلوبا أو حوله أية أسئلة أو إشارات استفهام في أي مكان من العالم. هذا يحدث تماما قبل أن نخبر أي زبون بالموافقة على فتح حساب له. وطبعا هذا ما يحدث في البنوك أيضاً. نحن لسنا الوحيدون في هذا لأن هناك تعليمات لا بد من اتباعها إذا ما أردنا الاستمرار بالعمل. إذا لم نلتزم بها فان أعمالنا ستتوقف في اليوم التالي.

أما قضايا مثل الشحن والتأمين والتمويل والتعامل مع البنوك فهي سهلة جدا في عالم اليوم، وبخاصة في دبي فهي جنة أعمال بكل معنى الكلمة. دبي تغيرت وتطورت وتحدثت بل وتبدلت كثيرا عن الأيام الأولى التي عرفناها أنا وأنت عندما كن هنا في أواخر أعوام السبعينيات حيث لم تكن الحركة الجوية وحركة الشحن وغيرها على ما هي عليه الآن، ولم يكن يستخدم مطار دبي حينذاك سوى شركتا طيران، وحيث كان بعض القادمين من أوروبا يتوقفون في بيروت أوغيرها قبل متابعة رحلتهم إلى دبي. أما الآن فانك ستجد أكثر من 20 رحلة طيران لوجهة واحدة كل يوم. هذه بالطبع أشياء سهلت علينا وعلى التجار الآخرين العمل وتحقيق سرعة الإنجاز وحتى النمو في أعمالهم.

هل صحيح أن تجارة الذهب تخضع لسيطرة الحكومات الخفية في العالم، وربما لجهة ما بعينها كاليهود مثلا؟.

يبتسم منير الكالوتي طويلا، ويتململ في مقعده قبل أن يجيب على السؤال فيقول: أسئلتك «مخبوزة جيدا». لكن أنا أريد أن أصحح لك جزءاً من السؤال. بعض البنوك، وليس الدول أو الحكومات، هي التي تسيطر على تجارة الذهب عالمياً. لنقل أولاً أن نزعة السيطرة في العالم ليست شيئاً جديداً فهذه النزعة موجودة منذ القدم، السيطرة في عالم اليوم تعود لبنوك خفية، وليس لحكومات خفية. نحن نسمي تلك الجهات بـ «الأخوات السبع» وهي مجموعة من الشركات والبنوك الكبرى وغالبيتها شركات أمريكية وغربية كبرى. وأقصد بالسيطرة هنا السيطرة على تجارة الذهب وعلى الأسعار، لكن هذا لا يعني أن بمقدور هؤلاء التحكم بالسوق بأية طريقة يريدون، لكن كون هذه الشركات والبنوك هي شركات وبنوك كبرى، وهذا لوحده يمكنها بالطبع من السيطرة جزئياً، حيث أن هناك بنك معروف يشكل أكبر مخزن للذهب في العالم، وبإمكانه تسليم مئات الأطنان من الذهب كل يوم، فكيف لا يستطيع هذا «المخزن» التحكم بالذهب؟! التحكم هو نتيجة طبيعية للحجم هنا.

خلف البنوك

وخلف تلك البنوك والشركات الكبرى، تقف أيضاً البنوك المركزية في العالم، لكن البنوك المركزية ترسم فقط سياسة دولها، وليس سياسة السوق العالمية، على عكس البنوك (أقصد الـ 5 أو الـ 7 بنوك الكبرى) المتواجدة في كل أسواق العالم، وفي كل دول العالم. نعم البنوك المركزية تخدم دولها وهي بالطبع تبيع أو تشتري الذهب وفقا لمصالح الدولة واحتياجاتها للنقد وللسيولة، إلى آخر ما هنالك. قرارات البنوك المركزية هذه هي قرارات سيادية إلى حد كبير، لكن المتحكمين الفعليين بتجارة الذهب، اي من سميتهم أنت الحكومات الخفية، هم أولئك المنتشرين في العالم ويستطيعون طرح أو سحب أي كمية يريدونها من الذهب. هؤلاء هم اللاعبون الرئيسيون.

ما هي العلاقة التي تربط كالوتي ببورصات الذهب العالمية في دبي وهونغ كونغ واسطنبول وغيرها من البورصات؟.. وأيضا كيف تعمل هذه البورصات وعلى أية أسس؟.

نحن لدينا كراسي في تلك البورصات. وهذا يعني منصة للتداول وللبيع والشراء، أي أنه عضو في البورصة كبورصة دبي وغيرها سواء أكانت إسطنبول أو نيويورك أو هونغ كونغ. أما الأسس التي نعمل عليها فيمكنني القول أننا نحرص على اتباع أعلى المعايير العالمية وأفضل الممارسات المعمول بها لمنح عملائنا أفضل الأسعار لتداول الذهب والمعادن الثمينة. كما أن مصفاة كالوتي للذهب والمعادن الثمينة معتمدة من قبل جهات رسمية وأساسية كمعيار دبي لتسليم السلع، وسوق هونغ كونغ التجاري، ونحن حاصلون على عضوية التداول على بورصة دبي للسلع والمعادن وبورصة نيويورك للسلع وبورصة اسطنبول للذهب، وكالوتي عضو في كل من مركز دبي للسلع المتعددة ومجموعة دبي للذهب والمجوهرات ولجنة دبي الاستشارية للذهب وهي أيضا عضو مساعد في اتحاد أسواق السبائك في لندن.

نحن أعضاء رسميون نستطيع بيع وشراء الذهب حول العالم طيلة 24 ساعة في اليوم ولدينا مكاتب في هونغ وسنغافورة ولدينا من يتحدث اللغة الصينية ونأخذ أوامر البيع والشراء من عملائنا باللغات الصينية والفرنسية والإنجليزية وطبعا باللغة العربية.

هذه مضاربة بالذهب أليس كذلك ؟

لا أبداً هذه ليست مضاربة. هناك عملاء يشترون الذهب في كل أنحاء العالم. على سبيل المثال لنفترض أن عميلا في ليبيا اشترى 20 كيلوغراماً من الذهب، فان سعر الذهب يتأرجح بحدود 40 دولار في اليوم ، ويكون ربحه قليلا كما أسلفت لك، ولذلك هو يلجأ إلى التحوط (hedging) لحماية نفسه والمركز الذي يحمله من الذهب، وهو إن لم يلجأ للتحوط فانه قد يتعرض لخسائر كبيرة، وبخاصة إذا كانت السوق في حالة هبوط شديد.

أفراد ودول

ليس فقط الأفراد هم الذين يتعاملون معنا، فلدينا في الحقيقة دول تطلب منا البيع والشراء. عملية بيع الذهب تأخذ نحو أسبوع أحيانا حتى يتم الاستلام والتحليل وعملية التصفية والحساب وغير ذلك من العمليات، فمن يستطيع أن يتحمل مسئولية هذا الذهب دون تحديد سعر؟ أحيانا يتأرجح سعر أونصة الذهب بحدود 70 – 80 دولار يومياً. هنا تكمن أهمية التحوط، ولكن ليس على السعر المكشوف الذي هو عمل البورصات وينطوي على مخاطر كبيرة. لنفترض مثلا أن هناك منجم ذهب ينتج على سبيل الافتراض نحو 30 أو 50 أو حتى 100 كيلو غرام ذهب في الأسبوع، هذا المنجم إذا أعجبه سعر الذهب في يوم ما، قد يطلب منا أن نبيع 100 كيلو غرام، ونحن نضمن تسليم هذه الكمية من الذهب لأننا نأخذ منهم هامشاً أو ما يمكن أن نسمية عربوناً يساوي نحو 10 بالمئة من ثمن البضاعة على سبيل المثال، وهؤلاء سيقومن بعد ذلك بإرسال البضاعة إلينا حيث نقوم بتصفيتها وتذويبها ونسلمه بالطبع ثمنها. وهكذا يمكن أن نعتبر أن الصفقة قد تمت.

اشترك بالنشرةالإخبارية

اشترك بنشرة أخبار أريبيان بزنس لتصلك مباشرة أهم الأخبار العاجلة والتقارير الاقتصادية الهامة في دبي والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج

أخبار ذات صلة